غزة- على شاطئ غزة، لا يعلو صوت أمواج البحر إلا صوت رصاص مباغت تطلقه الزوارق الحربية الإسرائيلية، حيث لا تبدو المراكب الراسية على الرمال مستعدة لرحلة صيد جديدة، بل تبدو كشواهد أكلتها نيران الحصار.

زوارق مدمرة، وشباك ممزقة، و"حسكات" (قوارب صغيرة) مركونة على الهامش هجرها أصحابها مجبرين. لكن الوجع الأكبر لا تراه العين في الآلات المحطمة، بل تسمعه في أصوات الصيادين التي بحّها الشوق إلى عمق البحر، وخنقها الفقر الممتد بامتداد الأفق، لتتحول حكاياتهم إلى غصة مكتومة تُشبه تماما حطام مراكبهم.

"الصيد مواسم.. ولم يتبقَ لنا أي موسم"، بهذه الكلمات المليئة بالقهر، لخص الصياد عبد جربوع من مخيم الشاطئ حاله وحال مهنة باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأضاف: "كنت قبل الحرب أدير مركبا يعج بالحركة، وأُشغّل معي عمالا وأولادي، لكنني اليوم أحاول الصيد وحدي، وانقلبت الآية وأصبحنا نقف عاجزين، بالكاد نظفر بسمكة واحدة لا تسمن ولا تغني من جوع، في واقع مرير جعلنا غير قادرين على تأمين أبسط متطلبات يومنا".

حدّث الصياد الجزيرة نت بينما كان يجلس فوق شباك الصيد الممزقة ويحاول حياكتها بصنارة بلاستيكية، بدلا من صنارة الصيد المعروفة، وشرح بحسرة عميقة أزمة المعدات وافتقارهم لها نتيجة الحرب، وأوضح: "بين الغلاء الفاحش لأسعار المعدات اللازمة للصيد ومنع دخولها أصلا إلى القطاع، نجد أنفسنا مجردين من أدوات كان ثمنها قبل الحرب شواكل، وباتت اليوم بآلاف الدولارات.. هذا إن وجدت".

قوارب الصيد مركونة على شاطئ غزة وأصحابها عاجزون عن الإبحار في ظل الحصار الإسرائيلي المتواصل (الجزيرة)أشواق بحجم البحر

ومن إرث الأجداد إلى وجع الحاضر، يروي الصياد عاطف أبو ريالة حكاية جرح نازف على شاطئ غزة، قائلا: "أنا صياد أبا عن جد، عشت 13 عاما في حضن البحر، لكنني منذ عامين لم أغص فيه كما أحب".

إعلان

هكذا يستهل حديثه المختنق بدموع الفقد والخذلان، فالبحر بالنسبة له لم يعد مكانا للرزق، بل بات مكانا تفوح منه رائحة الموت، وأضاف: "بالأمس قتلوا زميلي أمامي وأنجاني الله من موت محقق، كما أن الاحتلال دمر مراكبي الأربعة وترك لي واحدا معطوبا.. ولا أجد أدوات ولا معدات لإصلاحه بسبب منعه دخول المسامير ومادة الألياف الزجاجية".

ويطالب أبو ريالة بأبسط حقوقه، إذ لا يجد حتى ميلا بحريا واحدا يُسمح له بدخوله، وهو عاجز عن رتق ما مزقه البحر والاحتلال، ومحاصر بفقر ينهش تفاصيل يومه.

عجز وحصار

في مقابلته مع الجزيرة نت، أكد رئيس نقابة الصيادين في غزة نزار عيّاش أن ما يتعرض له الصيادون هو "عملية تدمير شاملة وممنهجة تهدف لإنهاء المهنة كليا وتحويل الصيادين إلى فئة منكوبة".

ووفقا لإحصائية رسمية وخاصة، فإن حصيلة الخسائر البشرية في صفوف الصيادين بلغت 170 شهيدا ارتقوا وهم يبحثون عن لقمة عيشهم المغمسة بالدم، إلى جانب إصابة 40 آخرين بجراح متفاوتة، واعتقال 30 في عرض البحر.

وتكشف بيانات النقابة عن خارطة تدمير مرعبة لحقت بالمراكب والمعدات على امتداد ساحل غزة، حيث بلغت نسبة أضرار وتدمير المراكب في شمال القطاع 100%، وفي مدينة غزة 95%، أما في المحافظة الوسطى، وخان يونس، ورفح، فبلغت النسبة 80%.

غرف الصيادين التي تضم معداتهم وشباكهم لم تسلم من آلة الهدم والدمار (الجزيرة)بنية تحتية مدمرة

وأكد عيّاش أن البنية التحتية وغرف الصيادين التي تضم شباكهم ومعداتهم لم تسلم من آلة الهدم والدمار هي الأخرى، حيث توزعت نسب أضرار المباني والغرف كالتالي:

في محافظة رفح: 100% منها مُسحت بالكامل. في غزة وخان يونس: بلغت نسبة الأضرار 80%. في شمال القطاع: بلغت نسبة الأضرار 50%. في المحافظة الوسطى: بلغت النسبة 30%.

وأوضح رئيس نقابة الصيادين في غزة أن المعاناة امتدت لتطال لقمة عيش عائلات الصيادين حتى خارج البحر، إذ تعرض المطبخ التابع لهم في مدينة دير البلح في المحافظة الوسطى لسطو وسرقة كاملة طالت جميع معداته وأدواته التي كانت تساند الصيادين في ظل هذه الظروف القاسية، ليبقى قطاع الصيد في غزة منكوبا بجميع مقوماته البشرية والمادية.

يُشار إلى أن المطبخ التابع للنقابة هو مشروع مجتمعي حمل اسم "مطبخ زوجات الصيادين"، ويعمل على إعداد وتسويق المأكولات البحرية بهدف دعم أسر هذه الفئة من المجتمع الغزي وتحسين دخلها.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی غزة

إقرأ أيضاً:

ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها

(CNN)--  قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، إن أي أضرار تلحق بالسفن أو الشحنات "سيتم سداد تكلفتها من الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة وتسيطر عليها".

وكتب ترامب في منشور على منصته "تروث سوشيال": "قد تكون هذه الأضرار جسيمة للغاية، ولكن مع ذلك، فإن هذا هو الإجراء العادل والمنصف".

ويأتي هذا المنشور في أعقاب استهداف المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران لسفن سعودية في البحر الأحمر، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط لتصل إلى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو/ أيار.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • “المركزي”: الاعتمادات المستندية استحوذت على الحصة الأكبر من النقد الأجنبي
  • المركزي: الاعتمادات المستندية استحوذت على الحصة الأكبر من النقد الأجنبي
  • "إسرائيل" تمدد إغلاق مكتب "الجزيرة" وحظر عملها لـ 90 يوماً إضافياً
  • مؤشر بورصة مسقط يرتفع 5 نقاط والقيمة السوقية عند 37.17 مليار ريال
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • والي الجزيرة يدشن مشروع السودان الإسعافي لدعم التعليم الإبتدائي (SPEED) بتمويل من اليونيسف
  • تسليم دعم لأسر الشهداء بشرق الجزيرة
  • بنك المغرب يسجل نتيجة صافية بلغت 5,74 مليارات درهم برسم سنة 2025