فتح القسطنطينية حدث تاريخي مفصلي وقع عام 1453، حين نجح السلطان محمد الفاتح في السيطرة على عاصمة الدولة البيزنطية بعد فرض حصار محكم على المدينة واختراق حصونها.

ومثّل فتح القسطنطينية –إسطنبول اليوم- نهاية الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت نحو أحد عشر قرناً، وشكّل بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، اتّسع فيها النفوذ العثماني بفضل السيطرة على موقع إستراتيجي بالغ الأهمية، هو حلقة وصل بين الشرق والغرب، وقد أصبحت القسطنطينية بعد الفتح عاصمة للدولة العثمانية، وسُمّيت "إسلامبول"، أي مدينة الإسلام.

محاولات الفتح على مدى العصور الإسلامية

جاء فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح تتويجا لمحاولات إسلامية متعاقبة عبر عصور مختلفة، بلغ عددها نحو إحدى عشرة محاولةً، إذ سعى قادة المسلمين إلى فتح عاصمة الدولة البيزنطية مدفوعين باعتبارات دينية وإستراتيجية، في مقدمتها البشارة النبوية الواردة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

ففي عام 49 هجرية الموافق عام 669، أرسل معاوية بن أبي سفيان القائدين فضالة بن عبيد وسفيان بن عوف إلى الأناضول بهدف فتح القسطنطينية، غير أنّ الجيش أدرك عند وصوله إلى مشارف المدينة مدى مناعتها واستعصائها، فطلب تعزيزات إضافية، فأرسل معاوية جيشا بقيادة ابنه يزيد بن معاوية، لكن البعثات المتتالية لم تبلغ هدفها.

القسطنطينية القديمة هي المدينة الواقعة بين بحر مرمرة ومضيق البوسفور والقرن الذهبي (مواقع التواصل)

 

وكلّف بعدها الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك بحصار القسطنطينية، ففرض عليها حصاراً استمر بين عامي 716 و718. وفي تلك الفترة، طلب من الإمبراطور البيزنطي السماح ببناء مسجد داخل المدينة، فاستجاب لطلبه، ليصبح المسجد لاحقاً مقصداً للمسلمين الوافدين إلى القسطنطينية.

إعلان

مع صعود الدولة العثمانية، انتقل حلم فتح القسطنطينية إلى السلاطين، فتوالت محاولاتهم لتحقيقه، وبدأت في عهد السلطان أورهان بن عثمان، حين هاجمت قواته سواحل المدينة، إلا أنّ تفوق البحرية البيزنطية حال دون تحقيق اختراق حاسم.

وفي عهد السلطان مراد بن أورهان، ومع توسع الفتوحات، سعى الإمبراطور البيزنطي يوحنا الخامس إلى تجنّب خطر سقوط القسطنطينية، فعقد مع السلطان مراد الأول معاهدة سلام، ثم أبرم أخرى عام 1372، نصّت على دفع جزية سنوية للدولة العثمانية وتقديم دعم عسكري لها عند الحاجة.

وقد عززت هذه الاتفاقات النفوذ العثماني داخل بيزنطة، حتى امتدّ تأثيره إلى الخلافات داخل الأسرة الحاكمة نفسها، فقد استعان الإمبراطور أندرونيكوس الرابع بالسلطان مراد الأول في صراعه مع والده يوحنا الخامس، فدعمه السلطان ومكّنه من دخول القسطنطينية واعتقال والده وأخويه.

إلا أنّ الإمبراطور يوحنا الخامس تمكن لاحقاً من الفرار، ولجأ إلى السلطان مراد الأول طالباً مساعدته لاستعادة العرش، وهو ما وافق عليه السلطان العثماني تحقيقاً لمصالح سياسية. وانتهى النزاع بتوصل يوحنا وابنه أندرونيكوس إلى اتفاق يقضي بأن يخلف الابن والده في الحكم بعد وفاته.

وفي عام 1422، في عهد السلطان مراد الثاني، عادت القوات العثمانية لمحاصرة القسطنطينية، غير أنّ الحصار انتهى دون تحقيق هدفه بعدما اضطر السلطان إلى الانسحاب لمواجهة ثورة في آسيا الصغرى حرّض عليها الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني. وهكذا ظل فتح القسطنطينية حلماً مؤجلاً حتى اعتلاء السلطان محمد بن مراد الثاني العرش.

بورتريه يصوّر السلطان محمد الفاتح للفنان جينتيلي بيليني رُسم عام 1480 (غيتي)عهد السلطان محمد الفاتح

اعتلى السلطان محمد الفاتح العرش العثماني في سن مبكرة، إذ تولّى الحكم مرتين في حياته، وكانت المرة الأولى عقب تنازل والده السلطان مراد الثاني عن العرش متأثرًا بوفاة ابنه الأكبر الأمير علاء الدين، فسلّم مقاليد الحكم إلى ابنه محمد، الذي لم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره آنذاك.

وكان السلطان مراد الثاني قد أبرم قبل ذلك هدنة مع المجر مدة عشر سنوات، غير أنّ ترك العرش لسلطان فتى يفتقر إلى الخبرة السياسية والعسكرية شجّع جنود المجر على نقض الاتفاق، فأغاروا على البلغار وبدأت الاستعدادات لحملة صليبية، مما اضطر السلطان مراد الثاني للعودة إلى الحكم لقيادة الدولة ومواجهة التهديدات المتصاعدة. واستمر في الحكم حتى وفاته.

وعقب وفاة السلطان مراد الثاني، عاد محمد بن مراد إلى العرش في 18 فبراير/شباط 1451، وكان عمره آنذاك يتراوح بين 19 و22 عاماً بحسب اختلاف الروايات حول تاريخ ميلاده، ليصبح سابع سلاطين الدولة العثمانية.

ومنذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم، وضع نصب عينيه مواصلة مسيرة التوسع والفتوحات التي سار عليها أسلافه، ووجّه اهتمامه بصورة خاصة نحو القسطنطينية، التي كانت تمثل مركزاً إستراتيجياً بالغ الأهمية، وقاعدة رئيسية للتحركات والتحالفات الصليبية المناوئة للعالم الإسلامي.

وقد أسهم العلماء الربانيون، وفي مقدمتهم أحمد بن إسماعيل الكوراني المعروف بلقب "معلّم الفاتح"، وآق شمس الدين الذي عُرف بـ"الملهم الروحي للفاتح"، في تعزيز عزيمة السلطان محمد الفاتح وتشجيعه على تكثيف الاستعدادات العسكرية ومضاعفة جهود الجهاد، كما رسّخوا لديه القناعة بأنه الأمير الذي بشّر به حديث النبي الكريم بشأن فتح القسطنطينية.

إعلان

وباشر السلطان محمد الثاني إعداداته الواسعة لتحقيق هذا الهدف، فجهّز جيشاً ضخماً قُدّر بنحو 250 ألف مقاتل، وعمل على تعزيز التحصينات وإقامة القلاع في محيط القسطنطينية، ومن أبرزها قلعة روملي حصار التي أُقيمت على ضفاف البوسفور من الجانب الأوروبي، مقابل قلعة عثمانية كانت قد شُيّدت سابقاً على الضفة الآسيوية في عهد السلطان بايزيد الثاني.

قلعة روملي حصار المطلة على مضيق البوسفور في إسطنبول (الأناضول)

كما أولى السلطان اهتماماً كبيراً بتطوير القدرات العسكرية، فجمع الأسلحة والعتاد، واستعان بالمهندسين لتصنيع المدافع الضخمة، وأبرزها "المدفع السلطاني" الشهير (مدفع الدردنيل)، إلى جانب تحديث الأسطول العثماني وتوسيعه حتى بلغ قرابة 400 سفينة حربية استعداداً للهجوم على المدينة.

وشملت استعداداته تحركات سياسية ودبلوماسية هدفت إلى تأمين الجبهة الخارجية والتفرغ لمواجهة بيزنطة، فعقد معاهدات مع إمارة غلطة المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع المجر والبندقية، وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية.

الهجوم على القسطنطينية

كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية من ثلاث جبهات، مضيق البوسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محمياً بسلسلة ضخمة جداً تتحكم في دخول السفن إليه، وكان رأس المضيق مغلقاً بسلاسل حديدية، تقطع الخليج من الشمال إلى الجنوب ويبلغ طولها 600 متر، وصُممت بإحكام كبير، إذ تكوّنت من حلقات حديدية ثقيلة بلغ وزن الواحدة منها نحو 15 كيلوغراماً، وطولها قرابة 30 سنتيمتراً، ورُبطت وفق ترتيب هندسي متين عزّز قدرتها الدفاعية. وكانت تتخللها حلقات دائرية مفرغة على مسافات منتظمة لزيادة تماسكها ومرونتها.

ولهذا السبب، عُدّت أسوار القسطنطينية وتحصيناتها البحرية من الأعظم في العالم آنذاك، حتى شاع الاعتقاد باستحالة اختراق المدينة أو فرض حصار فعّال عليها، ولا سيما مع بقاء مدخل الخليج في مأمن من هجمات الأساطيل المعادية. إلا أنّ السلطان محمد الفاتح كان يعدّ للفتح ويجهز الخرائط اللازمة للحصار، ويقوم بزيارات استطلاعية حول القسطنطينية وأسوارها، وعمل على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية حتى تصلح لجر المدافع الضخمة أثناء العملية.

السلطان محمد الفاتح بدأ حصار القسطنطينية أوائل أبريل/نيسان 1453 (غيتي)

وعلى مدى شهرين، تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية محمية بالجيش إلى يوم وصول الأجناد العثمانية بقيادة السلطان محمد الفاتح إلى مشارف القسطنطينية، وبدأ الحصار للمدينة في 5 أبريل/نيسان 1453، بعدما أحكمت القوات البرية الطوق حول مختلف الجهات ونصبت المدافع أمام الأسوار، وانتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة، لكن السلسلة الضخمة عند "القرن الذهبي" حالت بينها وبين الوصول إليه إضافة إلى الأسطول البيزنطي الراسي في الميناء.

وبعد أن تعثّر الحصار عند هذه المرحلة دون تحقيق تقدم، بدأ السلطان محمد الفاتح البحث عن وسيلة لتجاوز العقبة التي فرضتها السلسلة الحديدية عند مدخل القرن الذهبي. وفي إطار ذلك، خطرت له فكرة جريئة تمثلت في نقل السفن العثمانية براً من مرساها في بشكتاش إلى داخل القرن الذهبي عبر أخشاب مدهونة بالزيت لمسافة 3 أميال.

وفي تلك الليلة، تمكّن العثمانيون من سحب أكثر من 70 سفينة ونقلها إلى مياه القرن الذهبي على حين غفلة من البيزنطيين، كما أن أجزاءً من الأسوار المطلة على تلك الجهة كانت أقل تحصيناً وتهدم بعضها، الأمر الذي سهّل من اختراقها. وقد شكّلت هذه الخطوة تحولاً حاسماً في مسار الفتح.

أمر السلطان كذلك بحفر أنفاق لاختراق المدينة من أسفلها، غير أنّ هذه الأنفاق أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف العثمانيين، إذ تعرّض عدد من حفّاري الأنفاق للاختناق والاحتراق في باطن الأرض بفعل النيران والنفط المشتعل والمواد الحارقة التي ألقاها الروم داخل الأنفاق لإفشال عمليات التسلل. كما وقع بعض الجنود في الأسر أثناء تلك المواجهات، وقطع الروم رؤوسهم وألقوها نحو المعسكر العثماني.

إعلان

بدأ اليأس يتسلل إلى نفوس سكان القسطنطينية والمدافعين عنها، وانتشرت بينهم شائعات تقول إن المدينة "ستسقط يوم ترى السفن تمخر اليابسة"، وقد شكّل نجاح العثمانيين في نقل سفنهم براً وإنزالها في القرن الذهبي صدمة كبيرة للبيزنطيين، وأدى إلى تراجع الروح المعنوية داخل المدينة، كما اضطر القادة البيزنطيون إلى سحب أعداد كبيرة من الجنود من مواقع دفاعية أخرى لتعزيز الأسوار المطلة على القرن الذهبي.

الجيش العثماني استطاع السيطرة على المدينة بعد نحو 50 يوماً من الحصار والمعارك (مواقع التواصل)

وبعد نحو 50 يوماً من الحصار والمواجهات العنيفة، وتحديداً عند الساعة الواحدة صباحاً من 29 مايو/أيار 1453، أصدر السلطان محمد الفاتح أوامره بشن الهجوم العام على المدينة. فانطلقت القوات العثمانية نحو الأسوار بالتكبير، بالتزامن مع هجمات برية وبحرية نُفذت على محاور عدة في وقت واحد.

وتمكّن الجيش العثماني من اقتحام أسوار القسطنطينية والسيطرة على المدينة، وقتل الإمبراطور البيزنطي قسطنطين، ليحمل السلطان محمد الثاني بهذا الفتح لقب "الفاتح". وسميت المدينة بعد ذلك "إسلامبول" أي مدينة الإسلام وأصبحت عاصمة الدولة العثمانية.

وقد مثّل سقوط القسطنطينية حدثاً مفصلياً في التاريخ العالمي، إذ أنهى وجود الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت قرابة أحد عشر قرناً، وأسس لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة والعالم. وبسقوطها، زال أحد أبرز المنافسين التاريخيين للإمبراطورية الرومانية الغربية. كما كان لخبر سقوط المدينة وقع مدو في أوروبا، حيث نظر كثير من القوى الغربية إلى الفتح العثماني باعتباره تحوّلاً خطيراً يهدد كيان القارة وأمنها.

نصب تذكاري للسلطان محمد الفاتح في حديقة الفاتح بإسطنبول (شترستوك)

بعد دخول المدينة، توجّه السلطان محمد الفاتح إلى آيا صوفيا، حيث كان عدد كبير من السكان ورجال الدين قد تجمعوا داخلها. وعند وصوله، أمر بتهدئة الناس، ودعاهم إلى الاطمئنان والعودة إلى بيوتهم بأمان. ثم أصدر لاحقاً أمراً بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، مع الإعداد لإقامة أول صلاة جمعة فيها بعد الفتح.

وفي أعقاب الفتح، بعث السلطان محمد الفاتح رسائل إلى حكّام البلاد الإسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها، يخبرهم بهذا النصر، وتناقلت المدن الإسلامية الخبر، وأُذيع من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الحمد ابتهاجاً بالانتصار.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات السلطان محمد الفاتح فی عهد السلطان القرن الذهبی على المدینة ر السلطان غیر أن

إقرأ أيضاً:

5 دروس من النصف الأول لعام 2026 ستحدد ملامح قطاع البناء في الإمارات خلال النصف الثاني من العام

أثبت النصف الأول من عام 2026 أن طابع قطاع البناء في دولة الإمارات لم يعد يقتصر على النمو فحسب. يشهد القطاع حالياً انتقالاً نحو مرحلة أكثر نضجاً، حيث باتت القدرة على إنجاز المشاريع بكفاءة واستدامة وعلى نطاق واسع تضاهي في أهميتها مرحلة إطلاق هذه المشاريع. وبحلول عام 2029، من المتوقع أن يصل حجم قطاع البناء في الإمارات إلى نحو 130.8 مليار دولار أمريكي، مما يعكس استمرار الثقة في البيئة العمرانية ومتانة مشاريع التطوير المرتقبة على المدى الطويل.
تدرك شركة “أكسس كونسلت”، بخبرتها التي تمتد لأكثر من 27 عام في قطاع العقارات بدولة الإمارات، أنّ السوق مقبل على مرحلة تتطلب معايير أعلى، إذ بات المطورون يولون اهتماماً متزايداً لطيف من العوامل تشمل: القدرة على الإنجاز، والامتثال للوائح التنظيمية، والاستدامة، والمرونة، والقيمة طويلة الأمد للأصول.
استناداً إلى المؤشرات والاتجاهات التي رُصدت خلال النصف الأول من عام 2026، يستعرض محمد صلاح سيجين، الرئيس التنفيذي لشركة “أكسس كونسلت”، خمسة دروس رئيسية ستحدد ملامح قطاع وأنشطة البناء خلال النصف الثاني من العام.
عدد المشاريع يرفع سقف متطلبات التنفيذ
يواصل قطاع البناء في دولة الإمارات نشاطه القوي، مدعوماً بقوة الطلب العقاري، والنمو السكاني، واهتمام المستثمرين المستمر. تشير بيانات دبي للربع الأول من العام إصدار 10,776 تصريح بناء، بزيادة قدرها 12% مقارنة بالربع الأول من عام 2025. وفي الوقت نفسه، بلغت قيمة التصرفات العقارية في دبي 252 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2026، مما يعكس ثقة المستثمرين الكبيرة في السوق.
يتمثل التحدي الأبرز للنصف الثاني من العام في القدرة على إنجاز المشاريع وتسليمها، فمع المضي قدماً في تنفيذ المزيد من المشاريع في آن واحد، تتزايد الضغوط على الاستشاريين والمقاولين.
لا يحقق العدد الكبير للمشاريع قيمة فعلية إلا إذا توفرت لدى السوق القدرات الفنية والتشغيلية اللازمة لإنجازها، وهذا يعني أن على المطورين إيلاء أهمية أكبر للتخطيط المبكر، ووضع جداول زمنية واقعية، وتحديد هياكل واضحة للمشاريع، فالمشاريع التي تبدأ بفرق عمل منسقة ونطاقات عمل محددة بدقة ستكون في وضع أفضل يتيح لها التقدم بكفاءة وفعالية.
المرونة جزءٌ لا يتجزأ من التخطيط الذكي للمشاريع
أكّد النصف الأول من عام 2026 أهمية المرونة في تخطيط عمليات البناء، ففي ظل سوق تتسم بالسرعة والترابط العالمي، تعني المرونة ضمان استمرار تقدم المشاريع بسلاسة حتى عند تغير الظروف الخارجية. وبالنسبة للمطورين، يقتضي ذلك إيلاء اهتمام أكبر لتخطيط عمليات الشراء، والتنسيق مع الموردين، وتحديد تسلسل مراحل البناء. كما يتطلب الأمر تحديد المواد أو الأنظمة التي قد تستغرق فترات توريد طويلة، ووضع خطط تراعي هذه الجوانب في مرحلة مبكرة من دورة حياة المشروع.
في النصف الثاني من العام، سيشكل التخطيط المرن لعمليات التسليم ميزة عملية، وسيتميز المطورون الذين يتبنون نهجاً استباقياً أكثر استعداداً بقدرتهم على الحفاظ على مسار المشاريع الصحيح، مع ضمان الجودة والحفاظ على القيمة طويلة الأمد.
الجودة والسلامة ركيزتان أساسيتان لتعزيز ثقة السوق
يشكّل صدور قانون دبي رقم (3) لسنة 2026 بشأن جودة وسلامة المباني أحد أبرز التطورات خلال النصف الأول من عام 2026. يرسّخ هذا التشريع إطاراً تنظيمياً أكثر وضوحاً ويؤكد على أهمية المساءلة طوال مراحل دورة حياة المبنى بالكامل.
ومع استمرار توسّع البيئة العمرانية في دبي، بات من الضروري ترسيخ معايير الجودة بدءً من المراحل الأولية للتصميم والحصول على الموافقات إلى مراحل البناء والتسليم والتشغيل طويل الأمد. وبالنسبة للنصف الثاني من العام، يعني هذا أن الرقابة الأكثر وضوحاً والمراجعة الفنية المنضبطة ستصبح أموراً جوهرية.
سيكون للأدوات الرقمية دور مهم في دعم هذا التحول، فمع تزايد تعقيد المشاريع، تساهم التقنيات المختلفة – مثل نمذجة معلومات البناء، ومراقبة المشاريع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية – في مساعدة الاستشاريين والمطورين على تعزيز الرؤية والشفافية خلال مراحل المشروع المختلفة. تتيح هذه الأدوات لفرق العمل تتبع سير العمل بدقة أكبر، وتحديد المشكلات في وقت مبكر، والاحتفاظ بسجل أكثر وضوحاً لأداء المبنى بمرور الوقت.
التصميم المستدام مطلب أساسي في السوق
أكد النصف الأول من عام 2026 أنّ الاستدامة أصبحت مطلباً محورياً في قطاع البناء. يدعم هذا التحول أولويات وطنية، مثل مبادرة الإمارات العربية المتحدة الاستراتيجية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية 2050، فضلاً عن أطر البناء الأخضر المحلية، بما في ذلك التقييم بدرجات اللؤلؤة من استدامة في أبوظبي وتقييم السعفات للمباني الخضراء في دبي.
في دبي، يفرض تقييم السعفات متطلبات إلزامية للمباني الخضراء الجديدة، بينما ساهم تقييم استدامة في صياغة معايير الاستدامة في أبوظبي من خلال تصنيف اللؤلؤة. يدفع هذا فرق المشاريع إلى التفكير مبكراً في المواد، واستهلاك الطاقة، والأثر الكربوني، والراحة الداخلية. كما باتت الاستدامة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برفاهية المستأجرين، لا سيما مع ازدياد تقدير شاغلي المباني والمستثمرين للمباني الصحية.
في النصف الثاني من العام، سيحظى المطورون الذين يدمجون الاستدامة منذ البداية بميزة تنافسية أكبر. يشمل ذلك اختيار مواد مناسبة منخفضة الكربون، وتخطيط أغلفة المباني بكفاءة، وضمان انعكاس متطلبات الاستدامة في المواصفات.
سهولة الوصول عنصرٌ أساسي في قيمة البناء

أحد الدروس الرئيسية الأخرى المستفادة من النصف الأول من عام 2026 هو أن سهولة الوصول قد باتت محوراً أساسياً في تخطيط المشاريع وتقييمها. تُساهم مشاريع النقل والبنية التحتية الكبرى، بما في ذلك قطار الاتحاد، والخط الأزرق لمترو دبي، والخط الذهبي الذي تمت الموافقة عليه مؤخراً، بتغيير نظرة المطورين والاستشاريين إلى النمو.

ينسجم هذا بشكل وثيق مع خطة دبي الحضرية 2040، والتي تضع رؤية طويلة الأجل لمدينة أكثر ترابطاً واستدامة وتركيزاً على الإنسان. تولي الخطة أهمية بالغة لسهولة المشي، ووسائل النقل العام، ومسارات الدراجات، والتنقل المستدام. بالنسبة للمطورين، يعني هذا ضرورة فهم المباني في سياق المدينة ككل. ستحتاج المشاريع المستقبلية إلى مراعاة سهولة الوصول إلى وسائل النقل، وحركة المشاة، والقرب من المراكز التجارية والترفيهية والمجتمعية الرئيسية.

 

 


مقالات مشابهة

  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • حفرية ثعبان عمرها 85 مليون سنة تتيح للعلماء رؤى جديدة لتاريخ الزواحف
  • حفرية ثعبان عمرها حوالي 85 مليون سنة تتيح للعلماء رؤى جديدة لتاريخ الزواحف
  • الاعتذار من شِيَم الكبار: الإمام المؤسس والسلطان العثماني
  • جلالة السلطان المعظم والرئيس الفرنسي يبحثان هاتفيًّا مستجدات الأوضاع في المنطقة
  • 5 دروس من النصف الأول لعام 2026 ستحدد ملامح قطاع البناء في الإمارات خلال النصف الثاني من العام
  •  المدينة تتصدر مدن المملكة في إشغال مرافق الضيافة
  • جلالة السلطان والرئيس الفرنسي يبحثان تطورات المنطقة وجهود احتواء التصعيد
  • مركز حقوقي: الطبيب المعتقل مراد القوقا فقد نحو 45 كيلوغرامًا من وزنه
  • بطرسبورغ تستضيف الدورة الأولى من مهرجان “أضواء المدينة” السينمائي الدولي