أعادت حادثة اختراق مسيّرة روسية المجال الجوي الروماني وإصابتها مبنى سكنيا -أمس الجمعة- إحياء النقاش بشأن حدود حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الرد على تداعيات الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2022، خاصة حين يتعلق الأمر باستهداف إحدى الدول الأعضاء في الحلف.

وأعلنت وزارة الدفاع في رومانيا أن مسيّرة روسية أصابت مبنى سكنيا داخل أراضيها، في مدينة غالاتي قرب الحدود مع أوكرانيا.

وهذه ليست أول مرة تُرصد فيها توغلات لمسيّرات داخل رومانيا منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، لكنها المرة الأولى التي تصيب فيها طائرة مسيّرة مبنى سكنيا داخل البلاد.

ورغم هذه الضربة الموجهة لإحدى الدول الأعضاء في الحلف من قوة خارجية، فإن المؤشرات الحالية تُظهر أنه من غير المرجح أن يلجأ الناتو إلى تفعيل المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك. ويرجع ذلك بنسبة كبيرة إلى مساعي الحلف لتجنب الدخول في صدام عسكري مباشر مع روسيا.

ومع تزايد المخاوف من أن تمتد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى الأراضي الأوروبية، يُتوقع أن يقوم الحلف بتفعيل المادة الرابعة من اتفاقية الدفاع المشترك -بدلا من الخامسة- للرد على اختراق المجال الجوي الروماني. فما الفرق بين المادتين؟ وهل سيتغير مسار الحرب بعد تفعيل أي منهما؟

لقطة تُظهر اندلاع حريق في مبنى سكني عقب إصابته بطائرة مسيّرة في مدينة غالاتي الرومانية (الفرنسية)ما الفرق بين المادتين الرابعة والخامسة؟

تشكل المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو حجر الأساس الذي يقوم عليه مبدأ "الدفاع المشترك" بين الدول الأعضاء، إذ تنص على اعتبار أي هجوم ضد دولة عضو هجوما على جميع أعضاء الحلف.

وبحسب الناتو، فإن المادة الخامسة تعد ركيزة أساسية لجميع أنشطة الحلف في مجال الردع والدفاع، بما في ذلك المناورات العسكرية ونشر القوات الدائمة.

إعلان

وطوال تاريخه الممتد 77 عاما، لم تفعّل المادة الخامسة من اتفاقية الدفاع المشترك سوى مرة واحدة، عندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وحتى اللحظة، لا توجد أي مؤشرات على إمكانية تفعيلها بعد حادثة رومانيا. وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يعود ذلك جزئيا إلى تفسير نص المادة الذي يستوجب التدخل عندما يكون الهجوم "مستمرا"، وهو ما قد يعني أن هذه الحادثة الفردية لا تستدعي بالضرورة تطبيق المادة الخامسة من وجهة نظر الحلف.

أما واقعيا، فقد يكون سبب عدم تفعيل المادة هو رغبة الناتو في الحفاظ على توازن يمكّنه من التضامن مع رومانيا، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع مع موسكو، وهو ما قد تحققه المادة الرابعة من اتفاقية الدفاع المشترك.

تعد المادة الرابعة أقل جنوحا إلى التصعيد مقارنة بالخامسة، إذ تنص على عقد مشاورات طارئة بين الدول الأعضاء متى ما رأت إحداها أن "سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أمنها مهدّد".

وبينما لا تتطرق المادة الرابعة إلى ضلوع الدول الأعضاء في مواجهة عسكرية مباشرة، فإن الحلف يؤكد أن لها تداعيات سياسية وعسكرية حقيقية، حيث إنها غالبا ما تؤدي إلى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز الردع والدفاع ورفع مستوى المراقبة.

ويقول مسؤولون إن موسكو تضع هذا النوع من التحرّك في الحسبان، لا سيما أنه ساهم -على حد تعبيرهم- في تعديل سلوكها.

وفي هذا الصدد، عبّر الناتو عن تضامنه مع رومانيا على لسان المتحدثة باسمه أليسون هارت، كما أجرى أمينه العام مارك روته اتصالا بالرئيس الروماني نيكوسور دان. وحمّل الحلف موسكو مسؤولية ما وصفه بـ"السلوك المتهور"، متعهدا بحماية أراضي أعضائه وتعزيز القدرات الدفاعية للدول الواقعة على جناحه الشرقي.

عمال يزيلون الحطام من الشارع بعد إصابة المسيّرة الروسية للمبنى السكني في مدينة غالاتي (الفرنسية)متى استُخدمت المادة الرابعة في تاريخ الناتو؟

شهد حلف الناتو تفعيل المادة الرابعة 9 مرات منذ تأسيسه عام 1949، بما في ذلك 3 مرات خلال الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا.

وقد فعّل الحلف المادة مباشرة بعد اندلاع الحرب بين الطرفين عام 2022، ومن ثم مرتين في سبتمبر/أيلول 2025: الأولى عقب توغل مسيّرات روسية داخل الأجواء البولندية، والثانية بعد اختراق مقاتلات روسية مجال إستونيا الجوي.

وأدت غالبية المشاورات إلى تعزيز الوجود العسكري لحلف الناتو على حدوده الشرقية، ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى طمأنة الدول الأعضاء وردع موسكو.

ومن أبرز نتائج تلك المشاورات إطلاق عملية "الحارس الشرقي" (Eastern Sentry)، التي جاءت عقب طلب بولندا عقد مشاورات بموجب المادة الرابعة في سبتمبر/أيلول 2025.

هل يبقى الناتو مكتوف الأيدي أمام روسيا؟

تعكس الحادثة الأخيرة في رومانيا واقع المخاوف الأوروبية المتزايدة من اتساع رقعة الصراع الروسي الأوكراني، خاصة مع تزايد حوادث الاختراق المرتبطة بالمسيّرات الروسية قرب الحدود الشرقية لكل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

ورغم مساعي الناتو لتفادي الصدام المباشر مع روسيا، فقد بات يُنظر إلى هذه الحوادث المتكررة على أنها تهديد حقيقي لأمن الدول الأعضاء. وقد يدفع هذا الوضع الحلف إلى مراجعة خطوطه الحمر في التعامل مع روسيا، وربما إعادة النظر في إمكانية تفعيل المادة الخامسة كأداة ردع حاسمة.

إعلان

ختاما، لا يزال الناتو يتمسك بعدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مع موسكو حتى اللحظة، رغم الاختراقات المتكررة للمجال الجوي لعدد من الدول الأعضاء فيه، وهو ما يضع الحلف أمام تساؤل جوهري: هل سينجح في إيجاد صيغة لردع هذه الأفعال؟ أم سيبقى مكتوف الأيدي أمام الدب الروسي؟

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات من اتفاقیة الدفاع المشترک ل المادة الخامسة الدول الأعضاء فی المادة الرابعة تفعیل المادة حلف الناتو

إقرأ أيضاً:

العراق وإيران يوقعان اتفاقية و3 مذكرات تفاهم للشراكة

بغداد - صفا

وقّع العراق وإيران، يوم الخميس، اتفاقية ومذكرات تفاهم ترمي إلى تعزيز التعاون والشراكة بين البلدين، وذلك في مراسم جرت في طهران برعاية رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وفق ما أعلن المكتب الإعلامي لرئاسة الحكومة العراقية.

يأتي ذلك في أعقاب زيارة أجراها الزيدي للولايات المتحدة التقى خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وجرى خلالها توقيع 48 اتفاقا ومذكرة تفاهم وتعاون اقتصادي مع شركات أميركية، العديد منها في قطاع النفط.

وجاء في بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، الخميس، أن الزيدي رعى مع بزشكيان في العاصمة الإيرانية "مراسم توقيع أربع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مختلف المجالات، تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي والشراكة بين البلدين".

ولفت البيان إلى أنه جرى خلال المراسم توقيع "اتفاقية الشحن والنقل الدولي البري للبضائع"، إضافة إلى ثلاث مذكرات تفاهم.

وأوضح البيان، أن مذكرات التفاهم تتّصل بـ"مدّ سكك الحديد من كرمنشاه وخسروي وخانقين وبغداد"، وبـ"الإدارة الحكومية وتدريب الموارد البشرية"، إضافة إلى "التوأمة بين أمانة بغداد وبلدية طهران".

ويواجه العراق تحديات متزايدة في الحفاظ على التوازن في علاقاته بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما كان لسنوات ساحة تنافس بين القوتين.

وتأتي زيارة الزيدي لطهران في خضم استئناف إيران والولايات المتحدة الأعمال الحربية بعد توقفها منذ نيسان/ أبريل.

ووقّعت بغداد وطهران في العام 2023 اتفاقا لتعزيز أمن الحدود المشتركة، لا سيما في منطقة كردستان العراق، حيث تتهم إيران جماعات كردية إيرانية معارضة باستخدام أراضي الإقليم لشن هجمات ضدها.

مقالات مشابهة

  • الإدارة الأمريكية تفرض رسوما جمركية جديدة مرتبطة بممارسات العمل القسري
  • إيران: توفير دول الخليج والأردن لأراضيها كمنطلقٍ للعدوان الأمريكي يجعلها شريكةً فيه
  • نصب على المواطنين.. إحالة المتهم بانتحال صفة أمين شرطة بدار السلام للمحاكمة
  • بعد فض دور الانعقاد الأول.. كيف تنظم لائحة مجلس النواب عقد الجلسات خلال أدوار الانعقاد؟
  • العراق وإيران يوقعان اتفاقية و3 مذكرات تفاهم للشراكة
  • القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن المحور الفكري للدورة الرابعة ويفتح باب التقديم للأبحاث
  • مهرجان الطفل العربي يعلن المحور الفكري للدورة الرابعة ويفتح باب التقديم للأبحاث
  • وزير الداخلية الإيراني: لا يجب أن تتخذ “بريكس” موقف اللامبالاة إزاء التطورات الحالية
  • دعوات واسعة للاحتجاج في تونس بالذكرى الخامسة لإجراءات 25 تموز
  • الأردن والخليج يدينان اعتداءات إيران ويؤكدان حق الدفاع