اليمن.. تحرير الدولار الجمركي بين إنقاذ الخزينة ومخاوف الغلاء
تاريخ النشر: 30th, May 2026 GMT
دخلت الأسواق والأوساط التجارية في اليمن مرحلة من الترقب الحذر عقب شروع الحكومة المعترف بها دوليا في تنفيذ قرار تحرير سعر صرف "الدولار الجمركي" وربطه بأسعار السوق الموازية، في خطوة تقول السلطات إنها ضرورية لتخفيف الضغوط على المالية العامة، بينما يحذر اقتصاديون ومستوردون من موجة تضخم جديدة قد تمتد آثارها إلى مختلف الأسواق والقطاعات الخدمية.
وفي ظل واحدة من أعقد الأزمات المالية التي تواجهها الحكومة اليمنية منذ توقف صادرات النفط أواخر عام 2022، أثار القرار جدلا اقتصاديا واسعا بين من يراه إجراء اضطراريا لتعزيز الإيرادات العامة، ومن يخشى أن يؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ويأتي القرار ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية تبنتها الحكومة لمعالجة فجوة الإيرادات، بعد سنوات من استنزاف الموارد وتراجع القدرة على تمويل المرتبات والخدمات الأساسية.
وقالت الحكومة إنها قررت تحرير سعر الدولار الجمركي (السعر المعتمد لاحتساب الرسوم على الواردات) وفق آليات العرض والطلب، بهدف توحيد مصادر تحصيل إيرادات الدولة من الرسوم والضرائب، ومعالجة التشوهات السعرية وتعزيز كفاءة تحصيل الموارد العامة.
رحلة الصعود التاريخية للدولار الجمركيشهد الدولار الجمركي في اليمن سلسلة ارتفاعات متتالية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ كان يُحتسب عند 250 ريالا للدولار الواحد، قبل أن يُرفع إلى 500 ريال عام 2021، ثم إلى 750 ريالا مطلع عام 2023، وصولا إلى القفزة الأخيرة المثيرة للجدل برفعه إلى نحو 1550 ريالا في مايو/أيار 2026.
وتقول الحكومة إن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الأساسية، فيما ستظل السلع الأساسية، مثل القمح والدقيق والأدوية والأرز والزيوت وحليب الأطفال، معفاة أو خاضعة لسعر جمركي منخفض.
إعلانوتبرر السلطات هذه الخطوة بالحاجة إلى توحيد الأوعية الإيرادية ومعالجة التشوهات السعرية ورفع كفاءة تحصيل الموارد العامة، في ظل تراجع الإيرادات النفطية التي كانت تمثل العمود الفقري للموازنة العامة.
الدولار الجمركي وتعويض خسائر النفطوفي أول توضيحات رقمية موسعة من الرئاسة اليمنية، قال المستشار الاقتصادي في الرئاسة الدكتور فارس النجار، في حديث خاص مع الجزيرة نت إن إيرادات الدولة من الرسوم الجمركية والضريبية والعوائد الأخرى لم تتجاوز 698 مليار ريال خلال عام 2025، بما يعادل نحو 443 مليون دولار بأسعار السوق الحالية.
وأوضح النجار أن هذا الرقم، رغم تحسنه مقارنة بالعام السابق، لا يزال بعيدا عن عائدات النفط التي كانت تتجاوز مليار دولار سنويا وتشكل ما بين 70 و75% من موارد الدولة.
وأضاف أن تعديل الدولار الجمركي "لن يعوض خسائر النفط، لكنه قد يخفف من اختناقات المالية العامة ويساعد الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، خصوصا صرف المرتبات".
واعتبر أن الإبقاء على الدولار الجمركي بالسعر السابق "لم يكن يخدم المواطن بقدر ما كان يخدم بعض التجار"، موضحا أن بعض المستوردين كانوا يدفعون رسوما منخفضة ثم يبيعون السلع وفق أسعار السوق الفعلية، "فيستفيدون مرتين؛ من خزينة الدولة ومن جيب المواطن"، بحسب تعبيره.
وربط النجار نجاح القرار بثلاثة عوامل رئيسية تشمل ضبط المنافذ غير الرسمية، ورفع كفاءة الموانئ والجمارك، وإحكام الرقابة على الأسعار لمنع أي زيادات مبالغ فيها.
ارتفاع لا يتجاوز 8%من جهته، قال محمد الجماعي مستشار وزير الصناعة والتجارة إن قرار تحرير الدولار الجمركي يأتي ضمن مصفوفة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة منذ عام 2025 بهدف تقليص العجز المالي وتعزيز قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
وأوضح الجماعي، في حديث مع الجزيرة نت أن القرار لن يطال السلع الأساسية المعفاة من الجمارك، مشيرا إلى أن الارتفاع المتوقع في أسعار بعض السلع "سيتراوح بين 2 و4%، وقد يصل إلى 8% في بعض الحالات".
وأكد أن الحكومة تعتزم تنفيذ حملات رقابية ميدانية لمنع أي تلاعب أو زيادات غير مبررة في الأسعار، بالتوازي مع إجراءات لتحسين القدرة الشرائية تشمل صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة.
لكن التطمينات الحكومية لم تنهِ المخاوف داخل أوساط المستوردين والقطاع الخاص، الذين يرون أن تداعيات القرار قد تمتد إلى كلفة النقل والشحن وسلاسل الإمداد بأكملها.
القطاع الخاص ومخاوف شلل الإمدادعلى الرغم من التطمينات الرسمية، تسيطر حالة من التوجس الحذر على الأوساط التجارية وقطاع الاستيراد جراء القفزة الجمركية المفاجئة، إذ يرى ممثلو قطاع الأعمال أن محاولة حصر التأثير في السلع الكمالية تواجه تعقيدات ميدانية كبيرة بسبب تشابك سلاسل الإمداد وكلفة الخدمات اللوجستية والنقل.
ويحذر مستوردون من أزمة سيولة محتملة قد تدفع بعض الشركات إلى تقليص وارداتها أو البحث عن منافذ بديلة لتخفيف الأعباء الجمركية.
ويقول أحد المستوردين في عدن، طلب عدم ذكر هويته، إن تأثير القرار "سيكون كبيرا جدا"، متوقعا ارتفاع أسعار بعض السلع بنسبة تتراوح بين 20 و35%، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري التي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة.
إعلانويضيف أن بعض الشركات قد تضطر إلى خفض حجم استيرادها، موضحا أن "التاجر قد يقلص هامش ربحه، لكن المستهلك يتحمل الجزء الأكبر من العبء".
"القرار يعالج العجز لكن لا يوقف التضخم"من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي اليمني وفيق صالح أن الحكومة لجأت إلى تحرير الدولار الجمركي نتيجة العجز المتزايد في المالية العامة بعد توقف صادرات النفط، لكنها لم تستكمل، حسب تعبيره، حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة تضمن الحد من آثار القرار على السوق والمواطنين.
وقال صالح للجزيرة نت إن الحكومة "تركز على رفع الإيرادات دون امتلاك أدوات رقابة حقيقية تمنع انتقال الزيادة إلى المستهلك النهائي"، محذرا من أن ارتفاع أسعار الوقود والنقل قد يقود إلى موجة تضخم أوسع تطال مختلف السلع والخدمات.
وأضاف أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي "يفترض أن يترافق مع إصلاحات أعمق تشمل استئناف تصدير النفط، وتشغيل مصافي عدن، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحسين ميزان المدفوعات".
تحديات الميدان وارتداد الأثرتكشف الحركة التجارية داخل الأسواق اليمنية جانبا آخر من تأثير القرار. ففي جولة ميدانية للجزيرة نت بأسواق مدينة مأرب، بدت الحركة الشرائية نشطة تزامنا مع موسم عيد الأضحى، وسط تسابق المواطنين لشراء احتياجاتهم الأساسية قبل أي موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.
لكن خلف هذا النشاط، يسيطر القلق على صغار التجار والباعة الذين يخشون من أن تؤدي زيادة الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الوقود والنقل إلى تراجع حركة البيع وتآكل هوامش أرباحهم المحدودة.
ويرى مستوردون أن تأثير القرار الحكومي سيمتد تدريجيا من كلفة الاستيراد والشحن إلى أسعار السلع والخدمات، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين تحت ضغط الأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
وبين رهانات الحكومة على زيادة الإيرادات وتخفيف الضغوط على المالية العامة، وتحذيرات القطاع الخاص والخبراء من موجة تضخم جديدة، يبقى المواطن اليمني الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة، فيما تترقب الأسواق آثار القرار على الأسعار ومستويات المعيشة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
وفي بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، تبدو معركة الدولار الجمركي اختبارا جديدا لقدرة الحكومة اليمنية على الموازنة بين احتياجات الخزينة المنهكة ومتطلبات السوق وحدود قدرة المواطن على الاحتمال.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الدولار الجمرکی المالیة العامة فی الیمن
إقرأ أيضاً:
نواب البرلمان : توجيهات الرئيس بتعزيز المخزون الاستراتيجي تؤكد جاهزية مصر لمواجهة الأزمات
أكد عدد من أعضاء مجلس النواب أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيادة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية والمواد البترولية تمثل خطوة استباقية تعكس قوة الدولة المصرية وقدرتها على إدارة الأزمات، مشددين على أن تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين أصبح أحد أهم ركائز الأمن القومي في ظل التحديات العالمية المتلاحقة.
وأشار النواب إلى أن الدولة تتحرك وفق رؤية متكاملة تجمع بين تعزيز الأمن الاقتصادي، ودعم الاستقرار الداخلي، وتوسيع علاقاتها الخارجية، بما يضمن حماية مقدرات الوطن والحفاظ على استدامة التنمية رغم المتغيرات الإقليمية والدولية.
أكد النائب محمد جابر، عضو مجلس النواب، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيادة المخزون الاستراتيجي من المواد البترولية والسلع الأساسية تمثل خطوة مهمة لتعزيز قدرة الدولة المصرية على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية، وضمان استقرار الأسواق وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وقال جابر، في تصريح خاص لـ"صدى البلد"، إن امتلاك احتياطي آمن من السلع والطاقة يعد أحد أهم عناصر قوة الدولة، خاصة في ظل ما يشهده العالم من اضطرابات تؤثر على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والمواد الغذائية، مؤكدًا أن التحرك الاستباقي للحكومة يعكس رؤية واضحة للحفاظ على الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
وأضاف عضو مجلس النواب أن الدولة المصرية نجحت خلال السنوات الماضية في بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي والطاقة، من خلال التوسع في مشروعات التخزين والإنتاج وتطوير البنية التحتية، وهو ما أسهم في تعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات العالمية بأقل تأثير ممكن على المواطنين.
وأشار النائب محمد جابر إلى أن تأمين المخزون الاستراتيجي لا يقتصر على مواجهة الطوارئ فقط، بل يمثل ركيزة أساسية لدعم خطط التنمية واستمرار النشاط الاقتصادي، موضحًا أن توافر السلع والطاقة بشكل مستقر يساهم في جذب الاستثمارات والحفاظ على معدلات الإنتاج.
وأوضح أن المتابعة المستمرة لموقف السلع الاستراتيجية والمواد البترولية تؤكد حرص القيادة السياسية على اتخاذ إجراءات استباقية تحمي المواطن وتدعم استقرار الدولة، مشددًا على أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي.
واختتم جابر تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تسير وفق استراتيجية واضحة لبناء دولة قادرة على مواجهة التحديات، وتحقيق الاستقرار والتنمية رغم الظروف الإقليمية والدولية المعقدة.
ومن جانبه ، أكد النائب محمد سمير، عضو مجلس النواب، أن التحركات الدبلوماسية التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالتوازي مع المتابعة المستمرة من الحكومة للتطورات الإقليمية، تعكس قدرة الدولة المصرية على إدارة الملفات الخارجية والداخلية بكفاءة، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات غير مسبوقة.
وقال سمير، في تصريح خاص لـ"صدى البلد"، إن زيارة الرئيس إلى تنزانيا والنتائج التي أسفرت عنها، إلى جانب تعزيز التعاون مع جمهورية الجبل الأسود، تؤكد نجاح السياسة الخارجية المصرية في فتح آفاق جديدة للشراكات الاقتصادية والاستثمارية، بما يدعم خطط الدولة لزيادة التجارة وجذب الاستثمارات وتوسيع نفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الخارجية.
وأضاف أن الدولة تتحرك وفق رؤية متكاملة تجمع بين تعزيز العلاقات الدولية، ودعم الأمن القومي، وحماية الاقتصاد الوطني، مشيدًا بمتابعة الحكومة المستمرة لمخزون السلع الاستراتيجية والمواد البترولية تنفيذًا لتوجيهات الرئيس السيسي، وهو ما يعكس جاهزية الدولة للتعامل مع أي تداعيات قد تفرضها الأوضاع الإقليمية.
وأشار عضو مجلس النواب إلى أن موقف مصر الثابت الداعي إلى خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية يعكس دورها المحوري كركيزة للاستقرار في المنطقة، مؤكدًا أن القاهرة تواصل أداء دورها الإقليمي بمسؤولية للحفاظ على أمن المنطقة وصون مصالح شعوبها.
وقال محمد سمير أن التنسيق المستمر بين القيادة السياسية والحكومة في إدارة الملفات الخارجية والاقتصادية يمثل أحد أهم عوامل تعزيز الثقة في الدولة المصرية، ويؤكد قدرتها على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص تدعم مسيرة التنمية الشاملة.
كما، أكدت النائبة نجلاء العسيلي، عضو مجلس النواب، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيادة المخزون الاستراتيجي من المواد البترولية والسلع الأساسية تعكس رؤية استباقية للدولة المصرية في إدارة الأزمات، وتؤكد أن توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين يمثل أولوية قصوى في ظل المتغيرات العالمية المتلاحقة.
وقالت العسيلي، في تصريح لـ"صدى البلد"، إن تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من السلع والطاقة لا يرتبط فقط بمواجهة الظروف الطارئة، وإنما يمثل جزءًا من منظومة متكاملة لتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وضمان استمرار حركة الإنتاج والخدمات دون تأثر بالتحديات الخارجية.
وأضافت عضو مجلس النواب أن الدولة المصرية نجحت خلال السنوات الماضية في بناء منظومة أكثر كفاءة لإدارة ملف الأمن الغذائي والطاقة، من خلال التوسع في مشروعات الإنتاج والتخزين وتطوير البنية التحتية، وهو ما ساهم في زيادة قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات العالمية.
وأشارت إلى أن المتابعة المستمرة من الحكومة لموقف المخزون من السلع الاستراتيجية والمواد البترولية تعكس إدارة واعية تعتمد على التخطيط طويل المدى، وليس ردود الأفعال، مؤكدة أن هذه السياسات تعزز ثقة المواطنين في قدرة الدولة على توفير احتياجاتهم الأساسية.
وشددت النائبة نجلاء العسيلي على أن الحفاظ على استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المواطنين يعد أحد أهم ركائز الأمن القومي، موضحة أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
واختتمت تصريحها بالتأكيد على أن توجيهات القيادة السياسية تمثل رسالة واضحة بأن الدولة تضع حماية المواطن ودعم الاستقرار الاقتصادي في مقدمة أولوياتها، مع مواصلة جهود التنمية وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.