الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
تاريخ النشر: 2nd, June 2026 GMT
كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء، بعنوان: كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي، على أن يكون الهدف المراد توصيله إلى الجمهور هو التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.
الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباءالحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل قلبه بين داعيَين: داعٍ يدعوه إلى الرضا والقناعة، فيحيا مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، مستشعرًا فضل الله عليه في السراء والضراء، وداعٍ يدعوه إلى التفاخر والتباهي، فيظل أسير المقارنات، مشغولًا بما عند الناس، متطلعًا إلى ما في أيديهم.
وإذا كانت المباهاة تُورث الكبر، وتُفسد العلاقات، وتزرع الحسد والبغضاء بين الخلق، فإن الرضا يملأ القلب سكينةً وطمأنينةً، ويجعل صاحبه غنيًّا وإن قلَّت ذات يده، سعيدًا وإن اشتدت عليه المحن، ومن هنا جاءت نصوص الشرع تحذر من الفخر والخيلاء، وتغرس في النفوس قيمة الرضا، وإليك بيان ذلك:
المباهاة.. حقيقتها وتحذير الشرع منها
المباهاة في أصل معناها هي المفاخرة وإظهار ما عند الإنسان من مال أو جاه أو علم أو نسب أو غير ذلك بقصد التعاظم على الناس واستجلاب إعجابهم، وقد بيَّن أهل اللغة أن المباهاة هي المفاخرة، كما جاء في تفسير غريب الحديث: "المباهاة: المفاخرة".
ومن تأمل حقيقة المباهاة وجد أنها قائمة على الاغترار بأمور خارجة عن ذات الإنسان؛ فالمال ليس من صنعه، والجمال هبة من الله، والنسب فضل لم يختره المرء لنفسه. ولذلك قال الراغب الأصفهاني: "الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان"، ثم بيَّن أن العاقل يعلم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، وأن المباهي بها إنما يفتخر بشيء سريع الزوال، لا يلبث أن يفارقه أو يفارق هو الدنيا كلها، فقال: "فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه، كالفاخرة بحِدْج ربَّتها (وهي الأَمَة تتباهى بهودج سيدتها لمجرد وجودها فيه معها)، بل هو أدون من ذلك، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن" [الذريعة الى مكارم الشريعة].
وقد نبَّه الإمام الحارث المحاسبي إلى أن المباهاة ثمرةٌ من ثمار الفضول والتوسع فيما لا يحتاج إليه الإنسان، فقال: "وفضول اللِّباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء" [رسالة المسترشدين]، فكلما ازداد تعلق القلب بالمظاهر الخارجية ازداد خطر الوقوع في التفاخر والتعالي على الناس.
ومع هذا فلم تكن المباهاة مقصورة على الأموال والثروات، بل تتسلل إلى مختلف شؤون الحياة؛ فقد تكون بالملبس والمركب والمسكن، وقد تكون بالعلم والعبادة والقراءة، بل قد تقع حتى في الأعمال الصالحة إذا قصد بها صاحبها ثناء الناس ومدحهم، ولذلك كان السلف الصالح شديدي الخوف من هذه الآفة؛ إذ قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، فكان يراقب قلبه ويخشى أن يتطرق إليه حب الظهور والتعاظم على الخلق.
ولهذا عد العلماء أخطر صور المباهاة ما يكون في الطاعات والقربات، حين يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب الجاه والمنزلة بين الناس، وقد أشار الماتريدي إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، فقال: "قَالَ بَعْضُهُم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ" [تأويلات أهل السنة].
ومن أجل تحقيق هذا المعنى عقد العلماء أبوابًا خاصة في التحذير من المباهاة بالعلم والقرآن؛ لأن العلم شرفه في العمل به والإخلاص لله فيه، لا في اتخاذه وسيلة للرياسة والافتخار، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تعلم القرآن وعلَّمه وقرأه طلبًا للمفاخرة والتعاظم على الناس، لا ابتغاء وجه الله تعالى.
ذم المباهاة
جاء الشرع الشريف بذم المباهاة والتحذير منها في نصوص كثيرة؛ لأنها تناقض حقيقة العبودية لله تعالى، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر والعجب، ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وقد فسر الإمام الطبري الآية بقوله: "ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم" [جامع البيان]، وقال الزمخشري: "والتَّكاثُرُ التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر" [الكشاف]، فالتكاثر المذموم هو الانشغال بالتفاخر والتباهي به والتعاظم على الخلق بسببه.
قال الله تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤].
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي: "أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرا وفسادا في الأرض، وما أصدق قول قتادة رحمه الله: "تلك – والله - أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة النفر" [التفسير الوسيط].
قال تعالى على لسان لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ﴾ [لقمان: ١٨].
"ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم، وأقبِل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا بأنفسهم؛ لأن الله لا يحب كل مختال فخور، وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى منه عنقه، ويُستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛ لأن الله ـ لا يُحبُّ كل مختال فخور، والمختال: المتكبّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لغيره...". [التفسير الوسيط- مجمع البحوث].
وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱ وَزِینَةࣱ وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرࣱ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَٰمࣰاۖ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابࣱ شَدِیدࣱ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣱۚ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]
ولقد حذر النبي ﷺ من صور المباهاة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التكلف والتنافس المذموم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "نَهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ طَعامِ المُباهاةِ، وَطعامِ المُتَباريَيْنِ"، [التاريخ الكبير للبخاري] أي: ما يصنعه الناس لا طلبًا للأجر أو الإكرام، وإنما للمفاخرة وإظهار السعة والتغلب على الآخرين في مظاهر الإنفاق.
ليس هذا فحسب بل إن التفاخر أو المباهاة تجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره: بماله، أو نسبه، أو علمه، أو منصبه، وربما بطاعته، أو عبادته، أو التزامه، فيقع في آفةٍ أخطر وهي الكبر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه سيدنا عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «ِإنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم].
قال حجة الإسلام الغزالي: "وإنما صار حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز، ولا يقدرُ على التَّواضُعِ وَهُوَ رَأسُ أَخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز، ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز، ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز، ولا معنى للتطويل فما من خُلق ذميمٍ إلا وصاحب العز والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزه وما من خلقٍ محمودٍ إلا وهو عاجزٌ عنه خوفًا من أن يفوته عِزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه" [إحياء علوم الدين].
ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ إلى الزهد في مظاهر الدنيا وعدم الاغترار بها؛ إذ قال ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]، قال ابن بطال في شرحه للحديث: "فنبّه بذلك أمته ﷺ على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل" [شرح صحيح البخاري].
كما بين ﷺ أن من يباهي بأعمال الآخرة أهل الدنيا فهم وقود النار، لأنه تجرد من الإخلاص الذي هو شرطه، فأخرج المستغفريّ في "فضائل القرآن" باب ما يكره للقارئ من المباهاة بالقرآن والتعمق في إقامة حروفه والتنطع وما جاء في ذلك، عن أم الفضل عن رسول الله ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ».
مفهوم الرضا وحقيقته وأهميته
يُعَدُّ الرضا من أجلِّ المقامات الإيمانية وأرفع المنازل الروحية التي يتنافس إليها السالكون إلى الله تعالى؛ إذ هو ثمرة المعرفة بالله، وعلامة حسن الظن به، ودليل امتلاء القلب باليقين والتسليم، وقد عظَّم أهل العلم والتربية هذا المقام حتى وصفوه بأنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، ومفتاح الطمأنينة التي لا تنالها القلوب المضطربة بأحوال الدنيا وتقلباتها.
وقد عبَّر أهل السلوك عن عظيم شأن الرضا بقولهم: «الرضا باب الله الأعظم»، أي أنه من أعظم الأبواب الموصلة إلى القرب من الله تعالى، فمن وُفِّق للرضا فقد فاز بحظ وافر من السكينة والأنس بالله، ونال من ألطافه ما لا يناله كثير من الناس، ولذلك قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا»، لأن صاحبه يعيش في راحة قلبية دائمة، لا تزعزعه الحوادث، ولا تذهب بسكينته تقلبات الزمان.
والرضا في حقيقته ليس مجرد احتمال الأقدار أو الصبر عليها، بل هو مرتبة أرفع من ذلك، تقوم على استقبال ما يجري به قضاء الله تعالى بالطمأنينة والانشراح، مع الثقة الكاملة بحكمته وعدله ورحمته، ولهذا قيل: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقيل: هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وقيل: هو سرور القلب عند مرارة القضاء، لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
وقد أشار الإمام القشيري إلى العلاقة الوثيقة بين رضا العبد عن ربه ورضا الله عن عبده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾، فمتى امتلأ القلب رضا بالله، وبأمره، وبقسمته، كان ذلك من أمارات عناية الله بصاحبه وقبوله له. ولهذا قيل: إن العبد إذا وجد قلبه ساكنًا إلى تدبير الله، مطمئنًا إلى قضائه، غير معترض على حكمه، كان ذلك من أعظم دلائل الخير والفضل.
ولأهمية هذا المقام أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام حين سأله عن العمل الذي ينال به رضا ربه، فأخبره ـ أن رضاه متحقق في رضا العبد بقضائه وقدره، قال القشيري: "وقيل: قَالَ مُوسَى عليه السلام: "إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى" فَقَالَ: "إنك لا تطيق ذَلِكَ"، فخرَّ مُوسَى عليه السلام ساجدًا متضرعًا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: "يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي" [الرسالة القشيرية]؛ إذ لا يجتمع السخط على الأقدار مع كمال العبودية لله تعالى، فكلما ازداد العبد تسليمًا لما اختاره الله له، ازداد قربًا من مولاه ونال من رضوانه بقدر ما قام بقلبه من الرضا والتفويض.
ومن هنا لخَّص بعض العارفين طريق التزكية والسلوك (التصوف) في كلمتين جامعتين فقالوا: "التصوف الرضا بالقسمة والسخاء بالنعمة" [حلية الأولياء لأبي نعيم]؛ لأن المؤمن ينظر إلى ما قسمه الله له بعين القبول والامتنان، فلا يحسد غيره على ما أوتي، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس تطلع الساخطين، بل يرى أن لكل إنسان نصيبه الذي اختاره الله له بحكمته.
والرضا يثمر في النفس آثارًا جليلة؛ فهو يورث السكينة عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والقناعة عند قلة الحظوظ الدنيوية، كما يطهِّر القلب من الحسد والاعتراض والتسخط، وإذا استقر الرضا في القلب انطفأت فيه نوازع الكبر والمباهاة؛ لأن الراضي يعلم أن ما عنده من نعم إنما هو فضل من الله تعالى لا استحقاق له فيه، فلا يتعالى بها على الناس ولا يتفاخر بها بينهم، بل يشهد فيها منة المنعم ـ.
ولهذا كان أهل الرضا من أبعد الناس عن السخط والاعتراض، وأقربهم إلى الطمأنينة والثبات. وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم، وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: زاد الأئمة والخطباء سلسلة زاد الأئمة والخطباء الأوقاف ولا یقدر على لا یقدر على هذا المعنى الله تعالى على الناس لله تعالى على ترک الله له
إقرأ أيضاً:
من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
في عام 2015 أعلن تحالف العدوان السعودي الأمريكي بالتزامن مع عدوانه العسكري فرض حصار بري وبحري وجوي شامل على اليمن معتقدا أن تجويع الشعب اليمني وكسر إرادته كفيلان بإخضاعه للهيمنة الأمريكية والوصاية والغطرسة السعودية وإجباره على الاستسلام. وكانت الحسابات المادية تقول إن بلدا محاصرا محدود الإمكانات كاليمن لا يمكنه الصمود طويلا أمام تحالف يضم أكثر من سبع عشرة دولة يمتلك المال والسلاح والدعم الدولي اللامحدود.
غير أن ما غاب عن تلك الحسابات هو أن الشعب اليمني بفطرته شعب مؤمن مجاهد يتوكل على الله ويؤمن بعدالة قضيته وصدق انتمائه للإيمان ولا يقيس قوته بما يملك من إمكانات مادية، وإنما بما يملكه من إيمان ويقين وصبر وصمود وثبات.
واجه اليمنيون الحصار بصبر لم يكن استسلاما بل كان صبرا فاعلا، وصمودا عمليا وعملا دؤوبا في ميادين المواجهة والبناء والإعداد وتطوير الإمكانات والقدرات العسكرية. واستندوا إلى وعد الله الحق واستلهموا قوله تعالى:(أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير)، فكان يقينهم بالله أكبر من الحصار وثقتهم بوعده أعظم من كل أدوات القوة التي حشدها العدو.
ومع مرور السنوات وصلت قدرات القوات المسلحة اليمنية إلى مديات بعيدة جدا تجاوزت حسابات الأعداء وتوقعاتهم وبدأت ملامح التحول الاستراتيجي تتشكل. ففي عام 2023 أعلن اليمن فرض الحصار البحري على كيان العدو الإسرائيلي وواجه قوة الردع الأمريكية والإسرائيلية بما تمتلكه من حاملات طائرات وسلاح جو وكسر هيبة أحدث الترسانات العسكرية التي راهنت على إخضاعه. ثم وسع معادلة الردع في عام 2025 بإعلان الحصار الجوي بالتزامن مع استهداف مطار اللد (بن غوريون) ليؤكد أن زمن الاكتفاء بردود الفعل قد ولّى إلى غير رجعة وأن زمام المبادرة أصبح جزءا من معادلات وعقيدة يمن الإيمان.
ثم جاءت محطة عام 2026 التي نؤمن أنها تمثل تحولا استراتيجيا في مسار المواجهة مع عدو اليمن التاريخي، بإعلان كسر الحصار السعودي المفروض ظلما وبغيا وعدوانا على شعبنا وانتزاع الحقوق المشروعة، وفرض معادلة “الحصار بالحصار”، وإعلان حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي في رسالة واضحة مفادها أن زمن الحصار الأحادي قد انتهى وأن من يفرض الحصار على الشعوب الحرة المستقلة لا بد أن يتحمل تبعات سياساته العدوانية.
ونحن نؤمن أن ما تحقق لم يكن نتاج الحسابات العسكرية وحدها وإنما ثمرة الإيمان بالله، والتوكل عليه والأخذ بأسباب القوة والمنعة والثبات على الموقف الحق والقضية العادلة، مصداقا لقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، وقوله سبحانه: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).
ونؤمن كذلك أن اليمن بلد الإيمان والحكمة وشعب الأنصار وأحفاد الأوس والخزرج ليس بلدا عاديا في مسيرة هذه الأمة بل يحمل على عاتقه تكليف رباني عظيم ورسالة ومسؤولية عظيمة في نصرة قضاياها الأساسية والمركزية وفي مقدمتها قضية فلسطين والدفاع عن الدين والمستضعفين. ونؤمن أن ما يجري اليوم ليس نهاية المطاف وإنما مرحلة من مراحل الإعداد للنصر والتمكين.
ومن هذا المنطلق نعتقد أن الله يهيئ يمن الأنصار لما هو أعظم وأكبر وأوسع وأن الأحداث التي شهدناها ليست سوى بدايات لتحولات كبرى يصنعها شعب الإيمان والحكمة في مواجهة عدو الأمة اللدود وتوحيد كلمة الأمة وموقفها ما دام هذا الشعب متمسكا بإيمانه وقرآنه ثابتا على موقفه آخذا بأسباب القوة والمنعة واثقا بوعد الله الذي لا يتخلف ومسلّما تسليما مطلقا لقيادته الربانية الحكيمة.
لقد أثبتت التجارب أن الحصار قد يؤلم الشعوب، لكنه لا يهزم شعبا يمتلك عقيدة قتالية جهادية راسخة وإرادة فولاذية صلبة لا تنكسر وقيادة تؤمن بأن النصر وعد إلهي له شروطه وأسبابه وتعمل على شحذ همم شعبها وصناعة وعيه وبصيرته وترسيخ ثقته بالله واعتماده عليه حتى يتحول الإيمان إلى قوة والصبر إلى إنجاز والتحديات إلى عوامل للنهوض والاقتدار.
ويعلمنا التاريخ أن الأمم التي تثق بالله وتتوكل عليه وتصبر وتجاهد وتبذل وتضحي وتعد لبناء نفسها إيمانيا ونفسيا وعمليا وتطويرا للقدرات والخبرات والإمكانات وتدريبا وتأهيلا للأبطال قد تعاني وتتأخر في الوصول إلى النصر لكنها لا تُحرم منه أبدا إذا صدقت مع الله وأخذت بأسبابه وظلت ثابتة على مبادئها حتى يتحقق وعد الله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).