تمثل ذكرى ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الوعي اليمني المعاصر أكثر من مجرد مناسبة دينية أو حدث تاريخي يستعاد سنوياً، فهي محطة فكرية وثقافية وسياسية ترتبط بمفهوم القيادة في الإسلام، وبالرؤية التي تتبناها شريحة واسعة من المجتمع اليمني تجاه العلاقة بين الدين والسلطة والهوية والموقف، وفي كل عام، تتجدد في اليمن معاني الارتباط بواقعة غدير خم، ذلك الحدث المفصلي الذي أعلن فيه الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمام حشود المسلمين: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، في مشهد اعتبره المؤمنون بالولاية إعلاناً لاستمرار مسار الهداية الإلهية بعد اكتمال الرسالة، وربطاً عضوياً بين النبوة والقيادة، ومن هذا المنطلق، ينظر اليمنيون إلى الغدير باعتباره نقطة تأسيس لمشروع متكامل لا يقتصر على البعد العقدي، بل يمتد إلى بناء الوعي وصناعة الموقف وتحديد مسار الأمة في مواجهة التحديات والانحرافات.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الولاية في قراءة الشهيد القائد

أعاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي طرح مفهوم الولاية باعتباره أحد المفاهيم المركزية في فهم الواقع الإسلامي المعاصر، مؤكداً أن الإشكالات الكبرى التي واجهت الأمة عبر تاريخها تعود في جانب أساسي منها إلى الابتعاد عن النهج الذي مثله الإمام علي عليه السلام، وفي محاضراته ودروسه، قدم الشهيد القائد الغدير بوصفه إعلاناً إلهياً لقيادة تمتلك مقومات العلم والعدل والبصيرة والشجاعة، معتبراً أن تجاوز هذا المسار فتح الباب أمام التحولات السياسية والفكرية التي أضعفت الأمة وأفقدتها قدرتها على مواجهة مشاريع الهيمنة، ومن هنا جاءت المسيرة القرآنية لتضع الولاية في صدارة مشروعها الفكري والثقافي، لا كعنوان مذهبي ضيق، وإنما كمنهج متكامل لإدارة الحياة وصناعة المواقف وبناء الشخصية المؤمنة القادرة على التمييز بين الحق والباطل.

الولاية كمحدد للموقف السياسي

في الفكر اليمني المرتبط بالمسيرة القرآنية، لا تنحصر الولاية في بعدها التاريخي أو الروحي، بل تتحول إلى معيار عملي لتحديد المواقف السياسية والاستراتيجية، فبحسب هذا الفهم، فإن تولي الإمام علي عليه السلام يعني تبني قيم الاستقلال والعدل والكرامة والوقوف في وجه الطغيان، وهي القيم التي يجري إسقاطها على الواقع المعاصر في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، وقد أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في العديد من خطاباته أن الولاية ليست مجرد ولاء عاطفي، بل التزام عملي بقيم الحق والعدل والحرية، وأن الأمة التي تتولى أعلام الهدى تمتلك القدرة على بناء مشروعها المستقل بعيداً عن التبعية والإملاءات الخارجية.

من المفهوم إلى التجربة

شهدت اليمن خلال العقدين الماضيين تحولاً لافتاً في طريقة تجسيد مفهوم الولاية، حيث انتقل من إطار ثقافي وفكري إلى ممارسة عملية انعكست على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية، ومع تصاعد التحديات التي واجهتها البلاد، برزت الولاية كمرجعية في اتخاذ القرار، وكإطار يحدد طبيعة العلاقة مع القضايا الإقليمية والدولية، الأمر الذي انعكس على طبيعة الخطاب السياسي ومواقف القيادة تجاه قضايا السيادة والاستقلال، وخلال سنوات العدوان والحصار، قدمت صنعاء نموذجاً تعتبره امتداداً لهذا الفهم، حيث ارتبط الصمود العسكري والإداري والاقتصادي بمنظومة قيمية تستمد مرتكزاتها من الثقافة القرآنية ومفهوم الولاية بوصفه مصدراً للثبات وتحمل المسؤولية.

إعادة تعريف الأصدقاء والأعداء

أحد أبرز التحولات التي ارتبطت بمفهوم الولاية في الوعي اليمني يتمثل في إعادة صياغة معايير التحالف والخصومة، ففي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة موجات من التطبيع وإعادة التموضع السياسي، حافظ الخطاب اليمني المرتبط بالمسيرة القرآنية على تعريف واضح للأعداء والحلفاء، واضعاً العدو الصهيوأمريكي في موقع الخصم الرئيسي باعتبارهما مصدرين لمشاريع الهيمنة والعدوان على شعوب المنطقة،
وفي المقابل، جرى بناء التحالفات وفق معيار الموقف من قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بعيداً عن الحسابات التقليدية القائمة على المصالح الآنية أو الضغوط الخارجية.

فلسطين .. الامتحان العملي للولاية

يبرز الموقف اليمني من القضية الفلسطينية باعتباره أحد أكثر تجليات الولاية حضوراً في الواقع المعاصر، ففي الوقت الذي اتجهت فيه بعض الأنظمة نحو التطبيع أو الحياد، اتخذت صنعاء موقفاً داعماً لفلسطين على المستويات السياسية والإعلامية والعسكرية، معتبرة أن نصرة الشعب الفلسطيني تمثل التزاماً دينياً وأخلاقياً ينسجم مع نهج الإمام علي وأعلام الهدى، وأصبحت فلسطين في الخطاب اليمني معياراً حقيقياً لصدق الانتماء لقيم الولاية، باعتبارها قضية تختبر المواقف وتكشف حدود الالتزام العملي بمبادئ العدالة ونصرة المظلومين.

الولاية وبناء الدولة

لم يقتصر أثر الولاية على الجوانب الفكرية والسياسية، بل امتد إلى مشاريع بناء المؤسسات وتعزيز القدرات الوطنية، ففي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب والحصار، اتجهت الدولة في صنعاء نحو تشجيع الإنتاج المحلي، وتوسيع المشاريع الزراعية والصناعية، وتعزيز مفاهيم الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج، ويُنظر إلى هذه السياسات باعتبارها امتداداً لمبدأ الاستقلال الذي تمثله الولاية، حيث يصبح القرار الاقتصادي جزءاً من معركة السيادة الوطنية، وليس مجرد ملف تنموي منفصل عن بقية القضايا، كما انعكس هذا التوجه في مجالات التصنيع العسكري وتطوير القدرات الدفاعية، بما يعزز قدرة البلاد على حماية قرارها الوطني وصيانة استقلالها السياسي.

الغدير وتجديد الهوية الجماعية

تمثل الفعاليات الجماهيرية الواسعة التي تشهدها اليمن في ذكرى الولاية جانباً مهماً من عملية تجديد الهوية الجماعية، فإحياء المناسبة لا يقتصر على الاحتفال الرمزي، بل يتحول إلى مساحة لتجديد الوعي وإعادة التأكيد على المبادئ التي يقوم عليها المشروع الثقافي والسياسي للمجتمع، ومن خلال الحشود والفعاليات والأنشطة الثقافية والإعلامية، يجري ترسيخ الغدير باعتباره محطة سنوية لإعادة قراءة الواقع وتأكيد الثبات على الخيارات الكبرى التي تبنتها اليمن خلال السنوات الماضية.

الولاية.. مشروع سيادة ومستقبل

تؤكد التجربة اليمنية المعاصرة أن مفهوم الولاية تجاوز حدود التنظير الفكري ليصبح جزءاً من البنية الثقافية والسياسية للمجتمع، فالولاية في الوعي اليمني ليست مجرد رواية تاريخية أو مناسبة موسمية، وإنما منظومة قيم متكاملة تجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الهوية والسيادة، وبين العقيدة والموقف، ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من اليمنيين إلى الغدير باعتباره بوابة لفهم مشروع النهضة والتحرر، وإلى الإمام علي عليه السلام باعتباره النموذج الأعلى للقيادة العادلة التي تجمع بين الحكمة والشجاعة والعدالة، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تستمر الولاية في الوعي اليمني كمرجعية فكرية وسياسية وثقافية، تعيد تشكيل المواقف، وتمنح المجتمع القدرة على الصمود، وتؤسس لرؤية ترى في الاستقلال والسيادة والكرامة امتداداً طبيعياً للرسالة التي أعلنها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير الخالد.

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: الإمام علی علیه السلام فی الوعی الیمنی الولایة فی

إقرأ أيضاً:

من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات

في الوقت الذي تتحول فيه الثقافة إلى جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويجعل من الفن والمعرفة لغة مشتركة لبناء الإنسان، واصلت الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، تنفيذ أجندة ثقافية وفنية حافلة امتدت من بورسعيد إلى أسيوط والإسماعيلية والقليوبية ودمياط، لتؤكد أن الثقافة ليست مجرد فعاليات، بل مشروع وطني لترسيخ الهوية وتعزيز الوعي في مختلف ربوع مصر.


ففي بورسعيد، افتتحت الدورة التاسعة لمعرض بورسعيد للكتاب بأجواء احتفالية على أنغام السمسمية، حيث أحيت فرقة بورسعيد للآلات الشعبية بقيادة الفنان محمود غندر حفل الافتتاح، مقدمة باقة من الأغاني التراثية التي عكست الهوية الثقافية للمحافظة، فيما يشارك المعرض، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب، بمشاركة 60 دار نشر، إلى جانب قطاعات وزارة الثقافة وبرنامج ثقافي وفني متنوع.
وبالتزامن مع احتفالات الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو، نظمت ثقافة أسيوط سلسلة من المحاضرات واللقاءات التثقيفية وورش الحكي والمسابقات والأنشطة الفنية للأطفال، تناولت أسباب الثورة ومبادئها وإنجازاتها، بهدف ترسيخ قيم الانتماء والوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة.


وفي الإسماعيلية، احتفل قصر الثقافة بالذكرى نفسها من خلال محاضرة حول قانون الإصلاح الزراعي، إلى جانب عروض فنية لكورال الإسماعيلية، وفرقة الآلات الشعبية، وفرقة الطفل، واختتمت الاحتفالات بعروض فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية التي قدمت تابلوهات مستوحاة من التراث المصري وسط تفاعل جماهيري كبير.


أما في القليوبية، فقد ناقش صالون الثقافة الجماهيرية بمدينة طوخ دور القوة الناعمة في بناء الإنسان وتعزيز الوعي المجتمعي، بمشاركة نخبة من الأدباء والمثقفين، الذين أكدوا أهمية الفنون والتراث والدبلوماسية الثقافية في ترسيخ الهوية الوطنية. كما شهدت المحافظة محاضرات للأطفال عن ثورة يوليو، وورشا للتعريف باللغة المصرية القديمة، إلى جانب أنشطة فنية متنوعة وورش لتعليم الحرف والتفصيل.


وفي دمياط، شاركت ثقافة دمياط في احتفالية تكريم متطوعي العمل مع ذوي الهمم بحضور المحافظ، وقدمت عروضا فنية واستعراضية، كما نظمت محاضرات حول دمج ذوي الهمم، واحتفالات بذكرى ثورة يوليو، إضافة إلى صالون ثقافي عن الوعي البيئي، وأنشطة للتوعية بالتحول الرقمي، شملت محاضرات عن التوقيع الرقمي وورشًا فنية تناولت الثورة الرقمية.


وتعكس هذه الفعاليات تنوع برامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي تجمع بين الاحتفاء بالتراث، وإحياء المناسبات الوطنية، وتنمية الوعي البيئي والرقمي، ورعاية الأطفال وذوي الهمم، في إطار رؤية وزارة الثقافة الهادفة إلى تحقيق العدالة الثقافية، والوصول بالخدمة الثقافية إلى مختلف المحافظات، وبناء الإنسان المصري بالمعرفة والإبداع.

طباعة شارك الهيئة العامة لقصور الثقافة الفنان هشام عطوة لمعرض بورسعيد للكتاب أنغام السمسمية الأغاني التراثية

مقالات مشابهة

  • 30 حريقاً لا تزال متواصلة عبر 16 ولاية إلى غاية الثامنة مساءً
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • صالون الثقافة الجماهيرية بطوخ يستعرض دور القوة الناعمة في تعزيز الوعي
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • 41 حريقًا متواصلًا عبر 22 ولاية.. وإخلاء وقائي لقرى ومناطق مهددة
  • الاعتذار من شِيَم الكبار: الإمام المؤسس والسلطان العثماني
  • سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • وفد الإدارة العامة للشرطة المجتمعية يختتم زيارته الى الولاية الشمالية
  • من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات