لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.

لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.

إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟

لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!

وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.

إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.

كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».

وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.

إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.

ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.

طباعة شارك محمد ورداني قطرة المياه المياه

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: محمد ورداني قطرة المياه المياه

إقرأ أيضاً:

انحسار تاريخي للنيل.. خبير يحذر من تفاقم أزمة المياه في السودان

وصف أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، مشاهد انحسار مناسيب مياه النيل في السودان بأنها “مفجعة”، محذرًا من تداعياتها على إمدادات مياه الشرب، لا سيما في العاصمة الخرطوم، التي شهدت خروج عدد من المحطات عن الخدمة.

الخرطوم / القاهرة ــ التغيير 

وقال نور الدين، خلال تصريحات تلفزيونية، إن انخفاض مناسيب النيل كشف أجزاء واسعة من قيعان الأنهار وضفافها، مع ظهور مساحات طينية ورملية، بينما تتمثل الأزمة الأبرز في توقف محطات مياه الشرب بسبب ابتعاد المياه عن مآخذها وارتفاع نسبة العكارة إلى مستويات تعجز معها المحطات عن تنقية المياه، الأمر الذي وصفه بـ”المأساة” في ظل حرمان السكان من مياه الشرب.

وأشار إلى أن تقارير صادرة عن منظمات دولية متخصصة وهيئات الأرصاد توقعت قبل شهرين أن يكون العام الحالي من سنوات الشح المائي على حوض النيل، معتبرًا أن عام 2026 يمثل إحدى “السنوات العجاف” ضمن الدورات المناخية التي يشهدها النهر، والتي تتضمن فترات من الوفرة وأخرى من الجفاف دون أن تأتي بالضرورة بشكل متتالٍ.

وأوضح أن ظاهرة “النينو” المناخية في منطقة القرن الإفريقي تحد من تشكل السحب وهطول الأمطار، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات المائية، لافتًا إلى أن مساهمة النيل الأزرق قد تنخفض في سنوات الجفاف من نحو 50 مليار متر مكعب إلى ما بين 20 و25 مليار متر مكعب.

واتهم نور الدين إثيوبيا بمواصلة تخزين المياه في بحيرة سد النهضة دون مراعاة للأوضاع التي يواجهها السودان، معربًا عن أسفه لعدم فتح البوابات السفلية أو بوابات التوربينات للسماح بمرور كميات من المياه إلى السودان، خاصة في يوليو، الذي يُعد عادة ذروة موسم الفيضان.

وأكد أن مصر تمتلك احتياطيًا مائيًا في بحيرة السد العالي يكفي لعدة سنوات، لكنه شدد على أن الوضع في السودان “غير إنساني”، معتبرًا أن استمرار عمليات التخزين خلال فترة الجفاف يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه عدة مناطق على امتداد نهر النيل في السودان انحسارًا غير مسبوق في مناسيب المياه، خاصة في النيل الأزرق، حيث امتد التراجع من الخرطوم إلى ولايتي نهر النيل والشمالية، ما أدى إلى ظهور جزر وألسنة رملية داخل مجرى النهر، وخروج عدد من محطات مياه الشرب عن الخدمة، بينها محطة الصالحة جنوب أم درمان ومحطات في مدينة بحري، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة بشأن الأمن المائي في البلاد.

الوسومأزمة المياه في السودان انحسار تاريخي للنيل خبير يحذر ظاهرة "النينو" المناخية

مقالات مشابهة

  • ليالٍ فنية أردنية مميزة ضمن فعاليات مهرجان جرش في العاصمة عمان
  • برعاية عميد كلية الآداب .. إطلاق الهوية الصوتية والبصرية وشخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد بوحدة التدريب بإعلام العاصمة
  • غدا.. انقطاع المياه عن عدة مناطق ببني سويف.. تعرف عليها
  • متى يجب على الفتاة ارتداء الحجاب؟.. أمين الفتوى يجيب
  • إطلاق الهوية الصوتية والبصرية وشخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد بوحدة التدريب بإعلام العاصمة
  • انحسار تاريخي للنيل.. خبير يحذر من تفاقم أزمة المياه في السودان
  • 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ
  • مرقص في ورشة إعلامية عن التوعية على مخاطر المتفجرات: نقل الحقيقة مثل نقل الضحايا
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
  • لمواجهة احتياجات المواطنين.. شركة المياه تفعّل «خدمة الصهاريج»