د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
تاريخ النشر: 3rd, June 2026 GMT
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: محمد ورداني قطرة المياه المياه
إقرأ أيضاً:
فعالية حاشدة في الحوك بالحديدة بذكرى يوم الولاية
الثورة نت/..
نظمت السلطة المحلية والتعبئة العامة بمديرية الحوك بمحافظة الحديدة، مساء اليوم، احتفالية حاشدة في ساحل كورنيش المدينة بمناسبة ذكرى يوم الولاية، تحت شعار “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.
تخلل الاحتفالية بحضور وكيل أول المحافظة أحمد البشري، ووكيلا المحافظة لشؤون الخدمات محمد حليصي ومربع المدينة علي كباري، وقيادات محلية وتنفيذية واجتماعية، فقرات إنشادية ورقصات شعبية وقصائد شعرية عن فضائل الإمام علي عليه السلام، ودلالات المناسبة الإيمانية .
واعتبر الوكيل البشري، في كلمته بالمناسبة، يوم الولاية محطة إيمانية جامعة تُعزّز الهوية وتجدّد الانتماء لنهج الهدى، مبيناً أن هذه الذكرى تزرع في الأمة جذور القوة والتماسك والولاء الصادق لأولياء الله.
وأوضح أن من يحتفون بيوم الولاية يحملون وعياً عميقاً بمسؤوليتهم تجاه دينهم وأمتهم، مشيراً إلى أن ولاية الإمام علي هي امتداد لوصية النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهي السبيل القويم لصيانة الأمة من التيه والانحراف.
وأكد البشري، أن الاحتفاء بيوم الولاية في قلب مدينة الحديدة وبقية المديريات، يُعبر عن اصرار شعبي على التمسك بمنهج الولاية، ويجسّد روح الانتماء الإيماني الذي يتمدّد في وعي الأجيال جيلاً بعد جيل.
وأوضح أن منطلقات الولاية ليست محصورة في بُعدّها التاريخي، بل تتصل ارتباطاً مباشراً بواقع الأمة اليوم، حيث تقف على مفترق طرق بين الاستجابة لأمر الله في طاعته وطاعة رسوله وأوليائه، وبين التبعية العمياء لقوى الطغيان والهيمنة.
وأرجع وكيل أول المحافظة، الفوضى التي تعصف بواقع الأمة، والصراعات التي تستنزف طاقاتها، إلى انحراف المسار عن الولاية، والارتماء في أحضان مشاريع التبعية السياسية والفكرية لليهود والنصارى.
وألقيت خلال الاحتفالية كلمتان، لنائب مدير فرع هيئة الاراضي بالمحافظة أحمد المروني والشيخ محمد العلماني أشارتا في مجملها إلى أن هذه الذكرى، التي تأتي في توقيت بالغ الأهمية، ترسخ معاني الوفاء والوعي والتحرر من القيود المصطنعة، وتفتح أمام الشعوب باب العودة الصادقة إلى قيم العدالة الربانية.
وعبرتا عن الاعتزاز بالاحتفاء بيوم الولاية، معتبرة هذه الذكرى لحظة تعبئة شاملة، ورسالة إيمانية تتجدد مع كل جيل، ودعوة جامعة للعودة إلى منطلقات الهداية والتكليف انطلاقا من الوعي والارتباط بمنهج الإمام علي عليه السلام.