بينما تتصاعد ألسنة اللهب فوق مياه الخليج العربي وتتعالى أصوات الانفجارات في القواعد العسكرية المنتشرة بالمنطقة، يبدو أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران قد دخلت مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد تبادل للضربات.

فبعد 5 أشهر من العمليات الجوية الأمريكية المكثفة، لم تتمكن واشنطن من فرض معادلة ردع حاسمة، في حين تؤكد طهران ميدانيا وسياسيا، أنها لا تزال قادرة على مواصلة القتال وإلحاق خسائر بخصومها.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2العلم اللبناني في زوطر.. انسحاب تحت الاختبارlist 2 of 2ماذا تريد إسرائيل من بوركينا فاسو؟end of list

وفي الوقت نفسه، تفرض تداعيات الصراع نفسها على أسواق الطاقة العالمية، لتتحول المواجهة العسكرية إلى أزمة إستراتيجية تتجاوز حدود الميدان.

وتشير تقارير وتحليلات نشرتها صحف -مثل بوليتيكو وديلي تلغراف ونيويورك تايمز ومجلة فورين بوليسي – إلى أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مفتوحة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، وسط غياب أي أفق واضح لإنهائها.

واشنطن تواجه معضلة واضحة؛ فإما توسيع الحرب بصورة كبيرة عبر استهداف نطاق أوسع من الأهداف أو حتى التفكير في تدخل بري، وإما استمرار دوامة الضربات المتبادلة دون مخرج واضح

بواسطة صحيفة بوليتيكو

نجاح تكتيكي وإخفاق إستراتيجي

ترى صحيفة بوليتيكو الرقمية أن التهديدات الجديدة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بقصف مزيد من البنية التحتية الإيرانية، بما فيها الجسور ومحطات الكهرباء -ردا على كل سفينة تستهدف في الخليج العربي- تعكس حجم الإحباط داخل إدارة ترمب بسبب رفض طهران الاستسلام أكثر مما تخفي حدود الحملة الجوية الأمريكية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين وخبراء عسكريين أن واشنطن تواجه معضلة واضحة؛ فإما توسيع الحرب بصورة كبيرة عبر استهداف نطاق أوسع من الأهداف أو حتى التفكير في تدخل بري، وإما استمرار دوامة الضربات المتبادلة دون مخرج سياسي أو عسكري واضح.

ونقلت المجلة عن مسؤول سابق في الجيش الأمريكي -طلب عدم الكشف عن هويته- قوله "عندما تستخدم الولايات المتحدة القوة بتردد أو بشكل تدريجي فإنها بذلك تطيل أمد الصراع وتزيد مخاطره".

إعلان

وفي جلسة استماع بمجلس الشيوخ الثلاثاء الماضي، أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بأن "القوة الجوية لها حدود، ويجب دائما إدراك تلك الحدود عند السعي لتحقيق نصر عسكري"، وهو اعتراف يعكس -بحسب التقرير- إدراكا متزايدا داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لحسم الحرب.

كما أكد السيناتور الديمقراطي برايان شاتز خلال الجلسة نفسها -التي أدلى خلالها وزير الحرب بيت هيغسيث بشهادته أيضا- أن القوة الجوية باتت تنطوي على حدود واضحة وأوصلت الطرفين إلى حالة من "المأزق التكتيكي"، وهو ما أيده الجنرال كين معترفا بوجود حدود لما يمكن للغارات تحقيقه.

ورغم إعلان هيغسيث أن الضربات ألحقت بإيران "أكبر ضرر تعرضت له في تاريخها"، فإنه اعترف في الوقت ذاته بأن القدرات الإيرانية "لا تزال قائمة"، مؤكدا أن الحرب كلفت حتى الآن نحو 37.5 مليار دولار، مع طلب الإدارة تخصيص 67 مليار دولار إضافية لتغطية نفقات العمليات العسكرية.

لحظة إطلاق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة خلال مناورات عسكرية سابقة (وكالة الأناضول)الحصون التي استعصت على القصف

وفي سياق متصل، كشفت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن نقلة نوعية في قدرة إيران على الرد وتطوير منظومتها الصاروخية تحت القصف الأمريكي.

فبحسب مسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة، انخفض الزمن اللازم لإطلاع وإعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية بعد استهدافها من نحو 15 ساعة في بداية الحرب إلى أقل من 30 دقيقة حاليا، نتيجة استخلاص الدروس من الضربات الأمريكية وتحسين إجراءات الانتشار وإعادة التشغيل.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إيراني في طهران قوله إن "الأمريكيين أنفسهم هم السبب الأساسي وراء تطوير صواريخنا في الأيام الأخيرة. الأمر يتعلق باستخلاص الدروس من كل عملية إطلاق، ثم نطبق ما تعلمناه في العملية التالية".

كما أكد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية العميد أبو الفضل شكارجي أن عمليات تصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ استمرت "في قلب الحرب" وانتقلت المخرجات مباشرة من خطوط الإنتاج إلى الاستخدام الميداني.

وأوضحت تلغراف -في تقريرها- أن إيران اعتمدت على "مدن الصواريخ" المحفورة في أعماق الجبال للتصدي للقصف الأمريكي والإسرائيلي الذي استهدفها في مارس/آذار وأبريل/نيسان، معتمدة على وقود صلب يقلل من زمن الإعداد للإطلاق، فضلا عن تقنيات التوجيه الدقيق ومناورات مرحلة الهبوط لتجاوز الدفاعات الجوية.

ويرى خبراء نقلت عنهم الصحيفة أن هذه التطورات ربما جاءت بدعم تقني واستخباراتي من الصين وروسيا، سواء عبر صور أقمار صناعية حديثة أو عبر خبرات صاروخية متقدمة، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من موسكو ولا بكين.

ومن أبرز ما يفسر استمرار القدرات الإيرانية -بحسب تلغراف- شبكة "مدن الصواريخ" المقامة داخل الجبال الإيرانية، فهذه المنشآت المحصنة تضم مخازن للصواريخ والوقود ومنصات الإطلاق، وقد صممت لتحمل القصف الجوي المكثف.

ورغم نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف بعض مداخلها خلال الأشهر الماضية، تشير تقديرات محللين إلى أن إيران أعادت فتح أجزاء كبيرة منها واستأنفت استخدامها.

إعلان

ويقول أحد المسؤولين الإيرانيين إن هذه المواقع "عميقة إلى درجة أن بعض القادة العسكريين أنفسهم لا يعرفون أماكنها"، مضيفا أنها تشكل احتياطيا إستراتيجيا يتم تعزيزه بصورة مستمرة.

كما تعتمد القوات الإيرانية على منصات إطلاق متنقلة تستطيع الانتقال بين مواقع مختلفة بسرعة، وهو ما يجعل تدميرها بالكامل مهمة شديدة الصعوبة.

الرئيس ترمب يؤدي التحية العسكرية بينما يحمل أفراد من الجيش نعوش الجنود الثلاثة الذين قتلوا في الأردن (رويترز)تحقيق بصري يوثق الخسائر الأمريكية

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة الأمريكية أن الضربات الجوية أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بصورة كبيرة، تكشف تحقيقات بصرية أجرتها صحيفة نيويورك تايمز صورة أكثر تعقيدا لما يحدث في الميدان.

فمن خلال تحليل مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية ومواد مصورة من داخل المواقع المستهدفة، خلص فريق التحقيقات البصرية في الصحيفة إلى أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات دقيقة ضد مواقع عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، رغم أشهر من القصف المكثف.

وأظهرت الأدلة البصرية تعرض 9 مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة لهجمات إيرانية خلال الأسبوعين اللذين أعقبا انهيار وقف إطلاق النار، وأسفرت تلك الهجمات عن أضرار شملت مساكن الجنود وحظائر الطائرات المسيّرة ومنظومات الرادار ومرافق تشغيلية متعددة.

وتصدرت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن واجهة الأحداث، بعدما أدى أحد الصواريخ الإيرانية إلى مقتل 3 جنود أمريكيين وإصابة آخرين، في واحدة من أكثر الضربات دموية منذ اندلاع المواجهة الحالية.

وتشير الصحيفة إلى أن صور الأقمار الصناعية أظهرت تدمير حظيرة للطائرات قبل الهجوم الأخير، بينما وثقت مقاطع فيديو متداولة انفجارا قرب مجمعات سكنية داخل القاعدة، حيث اضطر أحد الموجودين إلى الاحتماء داخل ملجأ مع تساقط الشظايا من حوله.

كما نشرت وسائل إعلام إيرانية صورا فضائية أظهرت تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 20 مبنى داخل القاعدة، بينها حظائر للطائرات وملاجئ للطائرات المسيّرة.

ولم تقتصر الهجمات على الأردن، إذ وثقت التحقيقات أضرارا في قاعدة "البرج 22" على الحدود الأردنية السورية، حيث أظهر فيديو تدمير الجناح الجنوبي لمبنى المفرزة وتسوِيته بالأرض.

كما لحقت أضرار بمطار الملك حسين الدولي في الأردن، ومطار أربيل في العراق، ومرفق بحري في البحرين، وقاعدتي علي السالم وأحمد الجابر في الكويت، حيث دمر نظام رادار في الأخيرة بعد 6 أشهر فقط من تمام بنائه، بالإضافة إلى تدمير مستودعات ومنظومات رادار وخيام عسكرية ومنشآت تشغيلية.

وتلفت الصحيفة إلى أن تقييم حجم الأضرار واجه صعوبات بسبب امتناع شركات الأقمار الصناعية الأمريكية عن نشر صور عالية الدقة للمواقع العسكرية، استجابة لاعتبارات أمنية تتعلق بحماية القوات الأمريكية، مما دفع المحققين إلى الاعتماد على صور إيرانية جرى التحقق منها عبر مقاطع فيديو وصور التقطتها وكالات فضاء أوروبية وأمريكية.

وفي تعليق مقتضب، اكتفت وزارة الحرب الأمريكية بالقول إنها تمتنع عن التعليق على صور الأقمار الصناعية "لدواعٍ تتعلق بالأمن العملياتي"، مشيرة إلى أن التحقيق في الهجوم الذي استهدف قاعدة موفق السلطي لا يزال مستمرا.

النفط.. الجبهة التي قد تحسم الصراع

وفي موازاة المواجهة العسكرية، يؤكد الكاتب كيث جونسون -في تقرير تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية- أن التحدي الأكبر الذي يواجه إدارة ترمب لم يعد عسكريا بقدر ما أصبح اقتصاديا.

فالمشكلة الأساسية -حسب التقرير- تتمثل في استمرار الاضطراب داخل مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، إذ تراجعت حركة الملاحة إلى مستويات متدنية للغاية، بينما واصلت إيران استهداف السفن التجارية والمصالح البحرية في المنطقة.

إعلان

ونقل التقرير عن المسؤول الأمريكي السابق آلان آير المتخصص في الشأن الإيراني، أن إستراتيجية واشنطن الحالية تقوم على زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية لدفع إيران إلى تغيير حساباتها، لكنه يشكك في قدرة هذه المقاربة على تحقيق أهدافها.

وبنبرة تنم عن امتعاض قال آير "ما الذي نحاول تحقيقه؟ نحاول زيادة الضغط على إيران لدفعها إلى تغيير خطوطها الحمراء. ومن الناحية التكتيكية، نسعى إلى تقويض قدرتها على تعطيل الملاحة في الخليج، وعزل مضيق باب المندب، مع إرسال إشارات إلى استعدادنا لمزيد من التصعيد، كما حدث في الهجمات التي استهدفت مجمعا للصواريخ الإيرانية في تبريز".

وأضاف "الكثير مما يجري ليس سوى استجابة غريزية من دونالد ترمب. إنه أشبه بعازف بيانو لا يجيد سوى العزف على مفتاح واحد، وهذا المفتاح هو القوة العسكرية".

ويرى آير -الذي يعمل حاليا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن- أن الحملة العسكرية الأمريكية المتجددة لم تحقق أهدافها. فحركة الملاحة عبر مضيق هرمز تراجعت مجددا إلى أدنى مستوياتها، وأصبح عبور عدد محدود جدا من السفن ومعظمها ليس ناقلات نفط، هو الوضع المعتاد.

ومضى إلى القول إن إيران استهدفت خلال اليومين الماضيين 3 سفن مختلفة حاولت عبور المضيق، فيما يتوقع محللو أسواق الطاقة أن يظل هرمز شبه مشلول حتى نهاية العام على الأقل، وربما لفترة أطول.

ووصف آير المشهد بأن "أشبه ما يكون بسباق بين ساعتين، هل ستستسلم إيران تحت الضغط الاقتصادي قبل أن تنفد قدرة الولايات المتحدة على تحمل الكلفة؟"

وفي تقديره أن عامل الوقت يميل لمصلحة طهران، خصوصا بعدما استفادت من فترة وقف إطلاق النار في تصدير جزء من نفطها وإإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والعسكرية.

 تبدو الولايات المتحدة مترددة في الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعا من الحرب، لما قد يترتب على ذلك من كلفة بشرية وسياسية واقتصادية، بينما تواصل إيران الاعتماد على إستراتيجية الصمود واستنزاف الخصم

ووفقا للمجلة الأمريكية، فإن هذه التطورات انعكست مباشرة على الأسواق العالمية، إذ ارتفعت أسعار خام برنت مجددا إلى ما يقارب 95 دولارا للبرميل، بينما تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون، وسط مخاوف من انعكاسات اقتصادية قد تؤثر في الداخل الأمريكي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ويحذر التقرير أيضا من تراجع مخزونات الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي إلى مستويات توصف بأنها مقلقة، الأمر الذي يقلص قدرة واشنطن على امتصاص أي صدمة إضافية في أسواق الطاقة إذا استمر التصعيد.

وفي الوقت نفسه، يثير احتمال إقدام جماعة الحوثي في اليمن على توسيع نطاق هجماتها في البحر الأحمر مخاوف من إغلاق ممر بحري آخر يمثل متنفسا لصادرات النفط الخليجية، بما قد يضاعف الضغوط على الاقتصاد العالمي.

في المحصلة، تكشف الصورة التي ترسمها التقارير الأربعة عن مفارقة لافتة، فبينما تؤكد واشنطن أنها ألحقت أضرارا جسيمة بالقدرات العسكرية الإيرانية، تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار قدرة طهران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف القواعد الأمريكية والملاحة الدولية.

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة مترددة في الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعا من الحرب، لما قد يترتب على ذلك من كلفة بشرية وسياسية واقتصادية، بينما تواصل إيران الاعتماد على إستراتيجية الصمود واستنزاف الخصم، مع تطوير قدراتها العسكرية تدريجيا تحت ضغط المعارك.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة فی الوقت لا تزال إلى أن

إقرأ أيضاً:

عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟

طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.

فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.

فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".

وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.

مجسمات وسط طهران تعبر عن السلام الذي يحميه العسكر (الجزيرة)الشارع الطهراني

في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".

إعلان

أما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".

في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".

وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".

ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.

متقاعدون في حديقة دانش بالعاصمة طهران يؤكدون أنهم منهكون من الحروب لكن لا بد من التفريق بين السلام والاستسلام (الجزيرة)"سوء فهم"

وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".

وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".

وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".

إعلان

ثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".

حقيقة جوهرية

وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.

وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.

وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.

وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.

الدخان يتصاعد عقب استهداف أمريكي إسرائيلي خزان الوقود بمصفاة طهران خلال الجولة الأولى من الحرب (الجزيرة)

وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.

وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.

مقالات مشابهة

  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • محافظة القدس تحذّر من أخطر تصعيد شهدته باحات المسجد الأقصى منذ أشهر
  • الخارجية الأمريكية تدعو رعاياها في الشرق الأوسط إلى الاستعداد لإغلاق المجالات الجوية
  • سمير فرج : المواجهة الأمريكية الإيرانية دخلت مرحلة جديدة
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • تسريب يفتح باب التساؤلات حول صراع داخل القيادة الإيرانية في لحظة حرجة
  • هل تشارك بريطانيا في الهجمات الأمريكية على إيران؟
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟