ربما كان الإنجاز الأبرز في عملية انتخاب حماس لرئيس مكتبها السياسي الجديد، التي تمت يوم الإثنين 20 تموز/ يوليو 2026، أنها أنهت الوضع الاستثنائي الذي عاشته الحركة طوال 21 شهراً، بعد استشهاد رئيسها يحيى السنوار في تشرين الأول/ أكتوبر 2024؛ حيث تولى مجلس قيادي مؤقت مهام الرئاسة لمرحلة انتقالية بانتظار ظروف مناسبة لانتخاب الرئيس.
سلوكٌ حضاري
صوت واحد (35 مقابل 34) حسم التنافس الانتخابي الذي استمر لأشهر بين خليل الحية وبين خالد مشعل. كان ذلك كافياً ليقوم مشعل فور إعلان النتائج بمعانقة الحية وتهنئته، والتعهد بالعمل تحت قيادته. ثم أدلى مشعل في اليوم التالي بتصريح هنّأ فيه "أخاه الحبيب" خليل الحية، وأكد احترامه الكامل لنتائج الانتخابات، ووقوفه الكامل مع أبناء الحركة خلف قيادة خليل الحية. وفي الوقت نفسه، أكد الحية أن مجلس الشورى العام حمَّله أمانة ثقيلة تنوء بها الجبال، في مرحلة حساسة وخطيرة تمر بها الحركة، وأنه سيكون قائداً للجميع وسيستفيد من كل طاقات إخوانه في الداخل والخارج، وسيسعى لاستيعابهم بشكل فعال في منظومة الحركة.
إن عملية الانتخاب بحد ذاتها كانت لإدارة المرحلة الانتقالية وهي مرحلة قد تستمر لبضعة أشهر فقط، ولا يُتوقع أن تزيد عن عام واحد؛ حيث تقوم الحركة خلالها بإعادة انتخاب أطرها الشورية والقيادية، وصولاً إلى تشكيل مجلس الشورى العام، وانتخاب رئيس جديد للحركة لمدة أربعة أعوام. وبالتالي، فربما تكون الانتخابات التالية أكثر تأثيراً وحسماً.المتابع للانتخابات وما تسرب عنها، يرى مشهداً حضارياً غير معتاد في معظم الفصائل والأحزاب والتنظيمات العربية التي تتم "هندسة" انتخاباتها الداخلية مسبقاً لصالح الزعيم "المؤبَّد"، أو تنفجر فيها الخلافات منتجة تهميشاً واستبعاداً، أو انقسامات وانشقاقات.
بنية مؤسسية
يُحسب لحماس حفاظها على وحدتها، وعلى بنيتها الشورية المؤسسية منذ نشأتها سنة 1987؛ ويحسب لها متابعة الانتخابات الداخلية بشكل دوري منتظم (كل أربع سنوات) منذ تأسيسها وحتى الآن. ويحسب لقاعدتها وقياداتها احترام نتائج الانتخابات، والعمل تحت قيادة الفائز والتعاون لإنجاحه بغض النظر عن أي خلافات واجتهادات في طرق العمل وأساليبه. وهي بهذا السلوك والتقليد المستمر، تُقدم نموذجاً قلَّ نظيره في عالمنا العربي والإسلامي، في بيئات تكثر فيها النزعات الديكتاتورية والفردية والانشقاقات. وما يزيد هذا النموذج قيمةً أنه يحدث في بيئات تعاني فيها الحركة من الحصار والتضييق والمطاردة ومحاولات الاختراق، وتدخل الحروب والمواجهات، ويستشهد الكثير من الصف الأول من قياداتها السياسية والعسكرية والتنظيمية، والآلاف من كوادرها.
هذا لا يعني أن قيادات حماس وأفرادها "ملائكة"، فهم بشر تنطبق عليهم عوارض البشر في حركة جماهيرية واسعة ممتدة في بيئات مختلفة (غزة والضفة والخارج بيئاته المتعددة)؛ ولكن حماس نجحت حتى الآن في القدرة على الاستيعاب وفي إدارة الاختلاف، وفي تكريس أدبيات وبنى مؤسسية شورية وتنفيذيةُ، ترى في الوحدة والعمل المؤسسي ركناً أصيلاً في تكوينها وتربيتها ومسيرتها.
بين "الشهيد الحي" و"أبي الشهداء"
أولئك الذين يحاولون التركيز على الفروقات بين خالد مشعل وخليل الحية، لا يجدون فروقاً في الفكر والرؤية والمنهج، ولا في السابقة، ولا في البذل والتضحية؛ ولا خلاف بينهما على المرجعية الإسلامية، ولا على الثوابت، ولا على المقاومة. وبالطبع فهناك فروق فردية مرتبطة بالإمكانات الشخصية لكل منهما، وبالخبرة الشخصية، وببيئات الاحتكاك والتعايش حيث يقيم مشعل في الخارج، بينما أقام الحية معظم وقته في قطاع غزة.
وأبو أسامة خليل الحية (مواليد 1960) قيادي قديم في حماس، رأس كتلتها النيابية في المجلس التشريعي الفلسطيني، وقدم أربعة من أبنائه شهداء، بالإضافة إلى العديد من أحفاده وأقاربه، واستُهدف بالاغتيال مرتين، الأولى في غزة سنة 2007، والثانية في الدوحة سنة 2025. وكان أبو أسامة نائباً للسنوار في قيادة قطاع غزة منذ سنة 2021، ثم تولى مكانه بعد استشهاده سنة 2023. كما تولى في الوقت نفسه، مسؤولية مكتب العلاقات العربية والإسلامية ضمن المكتب السياسي الذي تشكل برئاسة إسماعيل هنية سنة 2021، وتراكمت لديه خبرة كبيرة في العلاقات، كما رأس وفود حماس في التفاوض في أثناء معركة طوفان الأقصى وحتى الآن.
أولئك الذين يحاولون التركيز على الفروقات بين خالد مشعل وخليل الحية، لا يجدون فروقاً في الفكر والرؤية والمنهج، ولا في السابقة، ولا في البذل والتضحية؛ ولا خلاف بينهما على المرجعية الإسلامية، ولا على الثوابت، ولا على المقاومة. وبالطبع فهناك فروق فردية مرتبطة بالإمكانات الشخصية لكل منهما، وبالخبرة الشخصية، وببيئات الاحتكاك والتعايش حيث يقيم مشعل في الخارج، بينما أقام الحية معظم وقته في قطاع غزة.وأبو الوليد خالد مشعل (مواليد 1956) قيادي قديم لعب دوراً رئيسياً في تأسيس حماس، وفي تأسيس البدايات الأولى لعملها العسكري في الخارج، وشارك في عضوية مكتبها السياسي منذ بدايتها، وتولى رئاسة الحركة لمدة 21 عاماً (1996-2017). وفي عهده قفزت حماس قفزات نوعية في الشعبية الجماهيرية وفي العلاقات السياسية، وفي العمل العسكري، وفازت حماس في الانتخابات في المجلس التشريعي الفلسطيني 2006، وتطورت قوتها العسكرية في غزة، وخاضت ثلاثة حروب، كما توسعت علاقات حماس العربية والإسلامية والدولية. ومنذ 2021 تولى قيادة إقليم الخارج في حماس. وتعرض مشعل لمحاولة اغتيال سنة 1997. ولدى مشعل خبرة قيادية وسياسية وتنظيمية واسعة، ويحظى بشبكة علاقات كبيرة.
ولذلك فإن التنافس بينهما كان ضمن "الإطار المشروع" للتنافس، حيث تتفاوت رؤى أعضاء مجلس الشورى العام الذي يقوم بالانتخاب حول الأقدر على التعامل مع استحقاقات المرحلة، والتعامل مع التحديات والمصاعب والمعركة الوجودية التي تواجهها، والأقدر على متابعة نهج المقاومة، والإدارة المرنة للمسارات الصعبة دون الإخلال بالثوابت.
مرحلة انتقالية
وفي كل الأحوال، فإن عملية الانتخاب بحد ذاتها كانت لإدارة المرحلة الانتقالية وهي مرحلة قد تستمر لبضعة أشهر فقط، ولا يُتوقع أن تزيد عن عام واحد؛ حيث تقوم الحركة خلالها بإعادة انتخاب أطرها الشورية والقيادية، وصولاً إلى تشكيل مجلس الشورى العام، وانتخاب رئيس جديد للحركة لمدة أربعة أعوام. وبالتالي، فربما تكون الانتخابات التالية أكثر تأثيراً وحسماً.
وبالنسبة للقائدين، فإن فوز أحدهما في إدارة المرحلة الانتقالية لم يكن يعني تنحي الآخر عن موقعه الأساسي. فقد ظلّ مشعل رئيساً لإقليم الخارج بعد فوز الحية برئاسة الحركة؛ ولو فاز مشعل فإن الحية سيبقى على رئاسته لإقليم غزة؛ وبالتالي فلن يستغني أي منهما عن الآخر في التعاون في الإدارة العليا للحركة.
وأخيراً، يعلم الجميع أن الاستحقاق القيادي في حركة مستهدفة ومطاردة، ويسعى العدو لاجتثاثها واغتيال قياداتها، ليس مكسباً أو مغنماً، بل إن من يتقدم للقيادة يصبح في بؤرة الاستهداف. كما أن المرحلة مليئة بالعقبات والصعوبات والمخاطر، وبزيادة حالات التضييق السياسي على حماس وعلى عملها الشعبي وعلى عملها المقاوم، وتراجع هامش قدرة قياداتها على العمل والحركة والإقامة والتنقل والاجتماع، حتى في تلك البيئات التي كانت أكثر تساهلاً واستيعاباً إلى وقت قريب.
ولذلك، فلعل أكثر ما يشغل حماس في المرحلة الراهنة هو كيفية تعميق بناها المؤسسية وتكريس قرارها الشُّوري، والتعامل مع استحقاقات المرحلة التي تخوض فيها حماس معركة لا تستهدف وجودها فقط وإنما تستهدف شطب وإلغاء قضية فلسطين برُمَّتها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه حماس قيادة الانتخابات الفلسطيني فلسطين حماس انتخابات رأي قيادة مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة رياضة سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مجلس الشورى العام خلیل الحیة خالد مشعل ولا على ولا فی
إقرأ أيضاً:
شهيد جديد يرأس حماس
منحت حركة “حماس” ثقتها لمفاوضها خليل الحية لرئاسة مكتبها السياسي، خلفاً للشهيد يحيى السنوار، في انتخابات استثنائية عبّرت بوضوح عن هوية الحركة، وبنيتها التنظيمية والشوروية، والأهم تماسكها.
وتمسّك “حماس” بإجراء هذه الانتخابات في ظل حالة الاستنزاف القيادي، ومسلسل الاغتيالات الذي تتعرض له في الداخل والخارج، وألغام المرحلة وأسئلتها، يعبّر عما تعتقده الحركة بشأن مستقبل هذا الصراع مع العدو.
الأمر الآخر، أنه رغم كل ما تعرضت له الحركة من حرب استئصال وملاحقة، فإنها تبقى تنظيماً فلسطينياً كبيراً، فاعلاً ومؤثراً، وخطيراً في تقديرات العدو، حتى في ذروة ضعفها. وعليه، لا يمكن أن تظل “حماس” بلا قائد مركزي يقود هذه المؤسسة، ويحفظ بقاء الحركة وحضورها.
ما مرّت به الحركة خلال 39 عاماً تم اختزاله في 3 أعوام من الإبادة والموت، تلقت “إسرائيل” خلالها السلاح من نحو 51 دولة، لإغلاق الحساب مع التنظيم الذي تسبب بكل هذا الجنون في العالم.
البداية كانت مفاجئة، لكن النهاية كانت أكثر صدمة. قاتلت “حماس” في معركة تاريخية استعدت لها جيداً، في الوقت الذي كانت فيه، بقسوتها، أبعد من كل تقديراتها. صمدت وفاوضت ونزفت، تقدمت وتراجعت وانحنت، لكنها ظلت قوية الإرادة كشجرة زيتون معمرة.
لقد فتحت “حماس” باباً للريح لن يستطيع أحد إقفاله. لذلك، لن يكون الحية أفضل حظاً من القيادة التاريخية التي سارت بالحركة عبر دروب وعرة من الملاحقة والاعتقال والإبعاد والاغتيال، في محطات زمنية متفاوتة، حتى انتهى بها المطاف في السماء. “حماس” ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر ليست كما قبله، وما ينتظر الحية عبء قضية أكبر من التنظيم.
من الشجاعية إلى قيادة الحركة
تقدّم الحية من وسط غبار المرحلة، كقائد ورمز فلسطيني وافد من “حي الشجاعية”، شرقي مدينة غزة، الذي يحمل ندوب الحروب الصليبية و”الحرب العالمية الأولى”، ورفات جنود الحلفاء، والانتفاضتين، والتوغلات الإسرائيلية. وهو الحي نفسه الذي أنجب أبا محمد الجعبري وأم نضال فرحات.
قاد الحية مفاوضات الحرب، في أقذر مرحلة عرفتها فلسطين من التخاذل والتواطؤ، وأمام أكبر رهان خاسر تعرضت له “حماس”. ويدخل الحية موقعه الجديد منهكاً كجندي عاد من حرب، لكن بقامة منتصبة كسارية علم، بعد سجل حافل بـ”مناطحة المخرز”، وفي مواجهة أكبر ضغوط سياسية عربية ودولية تعرضت لها الحركة في تاريخها.
هذا الاختيار للحية هو استدعاء آخر لاستكمال حرب البقاء نفسها، التي لم تكتف بهذا الكم من الدم. وسيجد نفسه في مهمة قيادة حركة مثقلة ومستنزفة ومحبطة ووحيدة، تتنازعها سياسات أجهزة أمن الإقليم، وحبال العواصم، ومصالح الوسطاء، وأحاديث الصداقة الكاذبة.
سيدخل الحية اختباراً أكبر للقدرة على المزاوجة بين استمرار الثبات والمرونة، وقيادة الحركة وسط حقل ألغام لا ينتهي، ووضع جديد لم تعرفه المنطقة من قبل، ومحاور جديدة تتشكل، لم يعد مسموحاً فيها اللعب على الحبلين، وستضع قرارات الحركة وتحالفاتها في امتحان تاريخي غير مسبوق.
أي وقت جاء فيه الحية للسباحة عكس كل هذا التيار الجارف؟ لم يكن مسموحاً للحية أن يبقى على قيد الحياة، وهو يفاوض على حرب إفناء شعبنا ومقاومته. فهل ستقبله “إسرائيل” قائداً أعلى لمهمة إبقاء المقاومة وأرواح الرجال حية؟
يعلم الحية استحقاقات هذا الدور والموقع، وأثمانه التي دفع الكثير منها، بينما نعلم نحن أنه الرجل الأقدر على هذه المهمة. وانتخابه جاء انحيازاً واستجابة لمتطلبات المرحلة، ووجوده على رأس قرار المقاومة هو قرار تنظيمي شجاع، يمنح غزة الجريحة والنازفة وسام صبرها وصمودها وفعلها الكبير، ورسالة يفهمها العدو قبل الصديق، لكي تبقى، فيبقى الجميع.
صحفي فلسطيني