سفارة السودان في القاهرة ترد على مقال “عذرية فتاة”
تاريخ النشر: 9th, December 2023 GMT
القاهرة- تاق برس- أصدرت سفارة السودان في القاهرة، توضيحا حول مقال نشر بعنوان عذرية فتاة، وقالت في البيان: طالعنا في بعض المواقع الإلكترونية مقالًا بقلم كاتبة تسمى صفاء الفحل، بعنوان “شهادة عذرية لفتاة سودانية!” تدعي فيه الكاتبة أنها تلقت أدلة وإثباتات من امرأة سودانية تثبت أن السفارة السودانية بالقاهرة تطالب بما يسمى “بشهادة عذرية للفتيات!.
ووصفت سفارة السودان في القاهرة المقال بالكذب المحض والافتراء والتدليس.
وقالت في التوضيح إنه بالافتراض جدلاُ أن الكاتبة بالفعل تلقت تلك الرسالة المزعومة، فإن أبجديات وقواعد العمل الصحفي المهني والموضوعي كانت تستلزم أن تتصل الصحفية بالسفارة لاستجلاء الحقيقة في موضوع حساس مثل هذا الذي كتبت فيه وحمّلتْه كثيراً من اللغة الرديئة والايحاءات غير الكريمة، سيما وأنه يمس جميع الأسر السودانية التي تدرس بناتها في الجامعات المصرية. ولكن يبدو أن الكاتبة، سواء بالفعل وصلتها رسالة كهذه أم لا، كانت موقنة في قرارة نفسها أن الأمر محض كذب وخيال غير سويّ وقصةٌ فجةُ اللغة وسيئةُ المحتوى والمعنى فآثرت أن تنشرها رغم ذلك!
وأضافت “من المؤكد والبديهي أن السفارة لا تصدر شهادات من نوعية ما أشارت اليه الكاتبة، بل إن ما تصدره السفارة هو “اقرار مشفوع باليمين” تؤكد فيه صاحبة المعاملة أنها غير متزوجة وذلك بناءاً على طلب السلطات المصرية التي تطالب أي طالبة أجنبية (وليست فقط الطالبة السودانية) التي ترغب في اصدار إقامة لوالديها، باعتبارهما كفيليها، بابراز شهادة عدم زواج. وقطعاً الفرق واضح وكبير بين “إقرار مشفوع باليمين” تؤكد فيه المتقدمة أنها غير “متزوجة”، وبين نوع الشهادة التي ذهبت اليها الكاتبة في مقالها المسيء.
وتابع البيان “هل يُعقل أن يكون لدى سفارة سودانية مثل هذا الطلب الصادم والمنافي لكل القواعد والأعراف السودانية، ويكون أمراً(طبيعياً) كما أشار المقال الكذوب، والسفارة يدخل إليها ويخرج المئات وأحياناً الآلاف كل يوم معززين مكرمين؟ هل كل هؤلاء وأولئك يشاهدون هذا المنظر ولا يعترض أحد أو يكتب في وسائط التواصل الاجتماعي محتجاً؟ لو فرضنا أن المروءة انعدمت لدى موظفي السفارة فهل انعدمت لدى الآلاف من السودانيين؟ وهل مئات الآلاف من السودانيات اللاتي مُنحن الإقامة في مصر بعد الحرب طُلب منهن هذه الشهادة المفتراة؟ أي درك سحيق من الكذب والتضليل وصل إليه هذا المقال؟!
وقال البيان: هل لدى هذه الكاتبة أي فكرة عن إجراءات الإقامة في أي دولة؟ ألا تعلم أن منح الإقامة أمر سيادي للدولة وليس لأي سفارة أن تتدخل فيه، ناهيك عن أن (تأتمر) وزارة الداخلية المصرية بأمر السفارة وتشترط على فتاة مراجعة سفارتها لإحضار ورقة لا تستفيد منها إلا السفارة حسب زعم المقال؟!
وأكدت أن ما جاء بالمقال لا توجد فيه ذرة من الحقيقة؛ وتنوه السفارة إلى انها وبعون الله ماضية في أداء مهامها وواجباتها تجاه المواطنين السودانيين بذات العزيمة والجدية والمهنية، خاصة وانها قد تمكنت في الفترة القصيرة الماضية، ورغم كل القيود اللوجستية والصعاب الادارية، من استيعاب الطلب الهائل على الخدمات من عشرات آلاف السودانيين الذين اضطرتهم ظروف الحرب للنزوح إلى مصر، وهذا ليس منة بل هو واجب مقدس عليها وحق أصيل لرعاياها ومواطنيها. لم يكن ذلك بالأمر الهين، بل استلزم جهوداً جبارة بذلها العاملون بالسفارة بعد أن تمت زيادة ساعات الدوام اليومي إلى السادسة مساءاً، وبعد أن تم بجهود السفارة فتح نافذة توثيق لوزارة الخارجية بمبانيها، وتمكنت السفارة من الحصول على موافقة وزارة المالية على تخفيض الرسوم الهجرية بنسبة 50% للمقيمين في جمهورية مصر العربية مقارنة بالرسوم في السفارات الأخرى.
واشار البيان أن السفارة قدمت خدمات اضافية عبر نوافذها بالتنسيق مع وزارة الصحة الاتحادية في استخراج شهادات الخبرة واكمال الامتياز، ومع المجلس الطبي السوداني في استخراج شهادات عدم الممانعة وشهادات التسجيل، وأيضاً التعاون مع المجلس الطبي ليتمكن مئات الأطباء حديثو التخرج من الجامعات من أداء القسم ايذانا ببدء ممارسة المهنة، ومع المجلس الهندسي السوداني، فضلاُ عن التعاون مع عدد من الجامعات السودانية في إقامة امتحانات الطلاب وغير ذلك مما تمكنت السفارة من إنجازه بحمد الله وتوفيقه.
وقال البيان إن السفارة إذ تضطر الى الرد على ما جاء في هذا المقال المسيء للسودانيين قبل ان يسيء للعاملين بالسفارة، لتأسف أن بلغ الحال بالبعض هذا المبلغ المتدني من الإسفاف والسقوط المهني والأخلاقي في زمن تتزايد فيه الحاجة الي رفع درجة الوعي فيما بيننا وضرورة الالتفاف حول قضايا الوطن المصيرية.
وأكدت السفارة ان أبوابها وقنوات الاتصال والتواصل معها مفتوحة ومتاحة للاستفسار والتأكد مما يُنشر ويشاع.
المصدر
المصدر: تاق برس
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني