عفويةُ الاستجابةِ تدمرُ السلوك
#جمال_الحداد
هل سألت نفسك يومًا: كيف أُنشئ أبنائي أو كيف أفهم سلوكهم؟ إليك هذا..
أوجزتُ أهم الأفكار حول تشكُّل السلوك، وبسطتُها بحيث يفهمها أي قارئ.
ذهبتْ أمٌّ ومعها ابنها الذي لا يتجاوز خمس سنوات إلى دكتور متخصص بعلم السلوك لتسأل وتستفسر عن السلوكيات التي يُظهرها ابنُها في المنزل، وعلى حسب قولها لا تستطيع تحملها أو السيطرة عليها، جلستْ ومعها ابنها، أعطى الدكتور الطفلَ ورقةً وقلمًا وألوانًا، وقال له اجلس هنا وارسم ما تحب ثم بدأ بالحديث مع الأم، بعد فترة من مرور بضع دقائق جاء الطفل لأمه يقول لها “شوفي ماما إيش رسمت”، قالت له بجدية: “مش شايفني بحكي مع الدكتور ارجع محلك”، ثم رجع الطفل، ثم بعد مرور دقائق رجع الطفل مضيفًا على رسمته بعض الألوان، ويقول لأمه ‘شوفي ماما إيش رسمت”، قالت له: “إنت ما بتفهم مش حكتلك ارجع مكانك”، رجع الطفل، ثم في المرة الاخيرة قام الطفل يقول لأمه: “ماما شوفي إيش رسمت”، عادت الأم وقالت: “ارجع إلى كرسيك، ولما تنتهي بتحكيلي”، هنا قام الطفل بشد شعر والدته وبدأ بالصراخ والبكاء، ثم التفتت الأم إلى الدكتور ولطمت على خديها، وقالت: “شايف دكتور هذا الذي يحدث معي كل يوم”.
لا بد أن نعرف أنه لا يمكن أن يحدث سلوك دون مبررات وأسباب، كأن نقول حدث هذا السلوك دون سبب، أبدًا لا يمكن، مهمتنا في البداية أن يفكر كل منا لماذا يحدث هذا السلوك، وكيف يجب أن تكون استجابة الوالدين أو المعلم.
الانفعال بطريقة عشوائية تجاه الأبناء أو الطلبة قد يهدم السلوك أو يشوّشه، أو قد يقوي سلوكًا يجب إطفاؤه، أو إطفاء ما يجب تقويته، كما أنه لا يمكن حل ورقة امتحان دون قراءة السؤال وفهمه جيدًا؛ لأن إجابتك حتمًا ستكون خاطئة، ولتضمن نتائج صحيحة ومرغوبة لا بد من الفهم الصحيح، وهكذا السلوك نظام محكوم بأُسس وقوانين لا بد من فهمها قبل اختيار الإجابة.
فالاستجابة الناتجة عن السلوك؛ أي ما جاء بعد السلوك من ردود أفعال واستجابات ستعمل على خلق سلوك جديد، أو تقوية السلوك الموجود أو إطفائه، وكما قال سكنر: “السلوك محكوم بنتائجه”؛ بمعنى ما يحدث بعد السلوك هو الذي يُحدّد وجه السلوك ومساره.
إليك هذا: طفل يريد مشاهدة التلفاز في المساء، قالت أمه له: لا الوقت متأخر، فبدأ الطفل بالبكاء، حاولت الأم إسكاته لكنه استمر في البكاء بصوت أعلى، يئِسَت الأم وتعبت، ثم قامت فأشعلت التلفاز، هدأ الطفل واستمر في المشاهده إلى أن نام، سلوك الأم هذا جعل الطفل يفهم أن سلوك البكاء فعّالٌ للحصول على ما يريده في حال مُنِع من شيء يرغب فيه.
إذن السلوك (البكاء) تمّ تعزيزه، وبالتالي حتمًا سيستمرّ وسيُعمِّمه الطفلُ على مواقف مشابهة.
تحديد سبب حدوث السلوك نقطة جوهرية لإدارة سلوكيات الأطفال وكذلك الطلبة في المدرسة، والسلوكيات تحدث لأسباب محددة، وهي قد تحدث لحصول الفرد على الاهتمام والانتباه، وهذا يحدث عندما لا يتم تزويد الطفل بالاهتمام فتحدث المشكلة السلوكية، وفي حال حصل الطفل على الاهتمام بمجرد حدوث المشكلة السلوكية فستصبح المشكلة السلوكية مُتعلَّمة، بالإضافة إلى حدوثها بسبب هُروب الفرد من مهمة أو نشاط مكروه وغير مُحبَّب بالنسبة له فتحدث مشكلات سلوكية، وقد تحدث بسبب رغبته في الحصول على شيء مادي من البيئة، وأخيرًا قد تحدث بسبب وجود مشكلة حسية.
لا بد من معرفة أن النواتج وردود الأفعال التي تأتي بعد السلوك سواء كان سلوكًا مرغوبًا أو غير مرغوب هي التي تحسم الأمر باستمرار السلوك أو توقفه، هناك ثلاث استجابات تأتي بعد السلوك: إما تعزيز؛ وذلك في حال رغبتنا باستمرار السلوك، أو إطفاء؛ وذلك في حال أردنا أن يقلّ حدوث السلوك تدريجيًّا إلى أن يختفي، أو العقاب في حال أردنا أن يتوقف السلوك حالًا وبشكل فوري.
قد يسأل البعض كيف نختار الاستجابة الصحيحة؟
إليك الإجابة، أي سلوك مرغوب وإيجابي يجب أن يتبعه تعزيز لكي يبقى ويستمر، خصوصًا إذا كان سلوكًا جديدًا، ويجب أن يكون التعزيز فوريًّا حال حدوث السلوك المرغوب، وانتبه أن تعزز السلوك السلبي لأنه سيزداد، وهذا الذي نخشاه، وذلك كما في المثال الذي سبق وذكرناه.
أما بالنسبة للإطفاء، فغالبية السلوكيات السلبية وغير المرغوبة يتم إدارتها وضبطها باستخدام الإطفاء، ويقصد بالإطفاء عدم توفر التعزيز الذي يعمل السلوك السلبي للحصول عليه أو يسميه البعض التجاهل المخطط له، بمعنى أن تتجاهل السلوك بشكل هادف ومقصود تجاهلًا تامًّا دون أن تظهر إيماءات غضب أو توتر أو ضحك أو استغراب أو غيرها من الإيماءات.
الطفل في المثال السابق بدأ بالبكاء عندما رفضت والدته أن يشاهد التلفاز في وقت متأخر ولكن مع استمراره بالبكاء يئست الأم وأعطته ما يريد، إدارة السلوكيات الصعبة يجب ان تحكمها قوانين، وذلك بالتأكيد يحتاج قوة وصبرًا، ولكن هذا حال السلوك، ما كان يجب أن تفعله الأم هو أن تتجاهل سلوك طفلها تجاهلًا تامًّا دون تجاهل الطفل، وأن تعرض عليه أنشطة بديلة مُحبَّبة بالنسبة له ومناسبة للموقف، وإذا استجاب لها يجب أن تقدم له التعزيز، وإذا لم يستجِب فإنها تستمر بالتجاهل المخطط إلى أن يتوقف السلوك، وهناك توسع أكثر بالتوضيح، ولكن لا يسعنا ذكر جميع التفاصيل.
ماذا عن العقاب؟
العقاب أسلوب تربوي وسلوكي ممتاز يهدف إلى إيقاف السلوك بشكل سريع، ويكون تحت إشراف ودراسة وتخطيط، ولا يقصد به الضرب والإيذاء وإنما تقديم مثير منفر أو سحب مثير إيجابي بحيث أن تقوم بإجراء غير مرضي بالنسبة للطالب أو للطفل.
تربويًّا وبحسب الأخلاقيات والمعايير التربوية التي أشار إليها تحليل السلوك التطبيقي أنه من حق الفرد معاقبته في حالتين فقط، الأولى في حال كان السلوك يتكرر بحيث يؤثر في العملية التعليمية، والحالة الثانية إذا كانت المشكلة السلوكية تؤدي إلى إيذاء الذات أو الآخرين.
لماذا ذلك؟ لأن سمة العقاب أن يؤدي إلى إيقاف السلوك بشكل سريع، وهذا المطلوب في حال إيذاء الذات، فمن غير المعقول استخدام الإطفاء في حال كان السلوك يشكل خطرًا على الذات أو الآخرين.
ولا بد هنا من إيضاح جزئية مهمّة، وهي أن العقاب يجب أن يعطي نتائج فورية، وإذا لم تكن هناك نتائج فورية فهذه إشارة مهمّة إلى أنه يتم استخدام العقاب بطريقة خاطئة ويجب تعديل الإجراء.
قام طالبٌ في غرفة الصف بإصدار أصوات مزعجة في أثناء شرح المعلم الدرسَ، هنا قد يوبِّخ المعلم الطالب ويستمر في الشرح، ثم يعيد الطالب الفعل بإصدار أصوات مرة أخرى، هنا قد يُخرِج المعلم الطالب من الصف بحُجّة معاقبته، هذا الإجراء يُبيّن أن الطالب في كل مرة لا يرغب فيها بحضور الحصة سوف يُصدر مثل هذه الأصوات، فهذا يدل على أن المشكلة السلوكية تم تعزيزها، وبالتالي قد يعمِّم الطالب هذا السلوك على الحصص الأخرى.
هناك سببان للسلوكيات السلبية التي تحدث في غرفة الصف:
1- الهروب.
2- الحصول على الانتباه.
في الهروب إخراج للطالب من غرفة الصف، فهذا يعني أنك تُحقق غايته وهي الخروج وعدم الحضور.
في الحصول على الانتباه، الصراخ عليه أو الحديث معه يعني أنك أيضًا تحقق غايته وهي الحصول على الانتباه.
وهنا أوصيك باستخدم الإطفاء، علِّم الطلبة في الصف ألا يستجيبوا لمثل هذه السلوكيات أبدًا كأنها لا تحدث، تجاهلها تمامًا واستمر بالشرح والمزاح وتعزيز الطلبة المتميزين كأنك لا تسمع أو ترى سلوكًا ما أبدًا.
استخدم التعزيز التفاضلي لسلوك النقيض، هنا استخدم الإطفاء كما وضحته في الأعلى، وعندما لا يقوم الطالب بأي سلوك سلبي قم بإعطائه سؤالًا أنت متأكدٌ من أنه يعرف الإجابة، فاسأله وخذ منه الإجابة، ثم عززه وأعطه الاهتمام الذي يحتاجه.
إذا كان لديك أي استفسار بخصوص هذا المقال، تواصل على هذا الإيميل:
alhaddadjamal440@gmail.com
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: جمال الحداد بعد السلوک الحصول على م الطالب فی حال إلى أن یجب أن سلوک ا الذی ی
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.