"التخطيط": الدولة المصرية بذلت العديد من الجهود في مجال توطين صناعة الهيدروجين الأخضر
تاريخ النشر: 2nd, July 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
شاركت د. منى عصام، نائب وزيرة التخطيط لشئون التنمية المستدامة، نيابة عن د. هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، في المؤتمر الدولي العلمي للهندسة الكيميائية الخضراء المنعقد بعنوان "أثر تحولات الطاقة على حماية البيئة في ظل تحقيق أهداف التنمية المستدامة" بحضور ممثلي الدول والمنظمات الاقليمية والدولية والخبراء والمتخصصين.
وفي بداية كلمتها التي ألقتها نيابة عنها د. منى عصام، وجهت د. هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية الشكر إلى م. أسامة كمال رئيس جمعية المهندسين المصريين،و د. ناصر القحطاني، مدير عام المنظمة العربية للتنمية الإدارية، على إعداد وتنظيم الحدث، والذي يأتي في إطار الدور الفاعل الذي تقوم به المنظمة باعتبارها بيت الخبرة العربي لتحقيق التنمية الإدارية في اقطارنا العربية، كأحد الروافد الرئيسية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في دولنا الشقيقة.
وأشارت د. هالة السعيد إلى رؤية مصر 2030 المُحدثة، مؤكدة أن إدماج الأبعاد البيئية والمناخية في خطط الدولة لتحقيق التنمية المستدامة هو توجّه عام للدولة، فهو هدف رئيسي لرؤية مصر 2023 ( في نسختها المُحدَّثة) التي جاء ضمن أهدافها الاستراتيجية، هدف الوصول إلى "نظام بيئي متكامل ومستدام"، ويرتبط ذلك بالأهمية التي توليها الدولة للمحافظة على حقوق الأجيال القادمة، كما يأتي ذلك متسقاً مع اهتمام مصر والعالم بقضية حماية النُظُم البيئية واستدامتها وتكاملها، حيث يتم العمل على تحقيق ذلك وفقاً للرؤية من خلال أربعة أهداف عامة تتمثل في: "مواجهة تحدّيات تغيّر المناخ"، "استدامة الموارد الطبيعية"، "المحافظة على التنوّع البيولوجي واستدامة النُظُم الإيكولوجية"، "إدارة المخلفات".
أضافت السعيد أنه تندرج تحت كل هدف مجموعة من المُستهدفات والسياسات التمكينية اللازمة لتحقيق هذه المُستهدفات، بالإضافة إلى المؤشّرات الكمّية لمتابعة الأداء وتقييمه.
وأوضحت السعيد أن موضوع المؤتمر يتسق مع توجهات الدولة المصرية في مجالات الطاقة والبيئة بشكل كبير، فيظهر ضمن أولويات الدولة في الهدف الاستراتيجي الخامس "بنية تحتية متطورة"، وخاصةً في الهدف العام "تعزيز نظم وموارد الطاقة المستدامة"، وهو أحد الأهداف العامة الأربعة التي يتحقق الهدف الاستراتيجي من خلالها، حيث أن رؤية مصر 2030 تدرك أهمية الطاقة المتجددة التي تنبع من كونها أحد أهم المصادر التي يمكن استخدامها في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بما يسهم في إجراءات التصدي للتغيّرات المناخية لأنشطة قطاع الطاقة، والحدّ من الانبعاثات الملوّثة للهواء، بما يسهم في تحسّن جودة الهواء، كما تبدو أهميتها أيضًا في جذب الفرص الاستثمارية وتشجيعها على التوجه نحو الاقتصاد الأخضر بشكل عام، وإتاحة الطاقة في المناطق النائية التي تبعُد عن الشبكة القومية، وفي المجالات المتعلقة بقضايا البيئة ومصادر توليد الطاقة بشكل خاص.
وذكرت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية أنه من خلال هدف "تعزيز نظم وموارد الطاقة المستدامة"، تستهدف رؤية مصر 2030 أن يكون قطاع الطاقة قادرًا على تلبية جميع الاحتياجات التنموية من موارد الطاقة وتعظيم الاستفادة الكفء من مصادرها المتنوعة (تقليدية ومتجدّدة)، بما يؤدي إلى المساهمة الفعَّالة في دفع عجلة الاقتصاد والحفاظ على البيئة، موضحة أن الرؤية تسعى إلى الحدِّ من الآثار السلبية لنفاد مصادر الطاقة التقليدية الناضبة بطبيعتها، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة مع تحقيق الريادة فيها.
تابعت السعيد أن الرؤية المحدثة تقترح سبلًا وسياسات لتعزيز نظم وموارد الطاقة المستدامة، ومن ضمنها تهيئة مناخ جاذب للاستثمار في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ مشروعات إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة المتجددة بخلق سوق تنافسية للكهرباء، والتعاون مع مراكز الأبحاث لحلِّ مشكلة ارتفاع تكلفة تخزين الطاقة، ومتابعة التطورات في تكنولوجيات تخزين الطاقة الكهربائية المتصلة بأنظمة الطاقة المتجددة، ودراسة الاستفادة منها في الحفاظ على استقرار شبكة الكهرباء، ورفع قدرة الشبكة الكهربائية على استيعاب الكهرباء من المصادر المتجددة، بالإضافة إلى تشجيع استخدامات الطاقات المتجدِّدة اللامركزية صغيرة الحجم في المنشآت الصناعية والسياحية والسكنية والخدمية، ونشر تكنولوجيا تحسين كفاءة الطاقة لخفض الاستهلاك من الكهرباء والوقود في القطاعات المختلفة.
وقالت السعيد إن رؤية مصر2030 المحدثة راعت التكامل بين أبعاد التنمية المستدامة الثلاثة (الاقتصادي- الاجتماعي- البيئي) عبر الوثيقة كلها في مبادئها الحاكمة وممكناتها وكذا أهدافها الاستراتيجية والعامة، وقد كان ذلك أحد الدوافع الأساسية لعملية التحديث. لذا، فإن تحولات الطاقة لا تسهم فقط في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الخاصة بالبنية التحتية المتطورة والنظام البيئي المتكامل المستدام. بينما تدعم تحولات الطاقة تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأخرى وعدد من أهدافها العامة بشكل غير مباشر.
وحول الجهود الوطنية في مجال الطاقة، أشارت وزيرة التخطيط إلى أن تلك الجهود تتوافق مع ما جاء برؤية مصر 2030 في نسختها المحدثة من خلال خلق بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة للتحول نحو الطاقة الجديدة والمتجددة وتوفير الحوافز اللازمة لتحفيز الاستثمار في هذا المجال، فضلًا عن التوسع في مشروعات إنتاج الطاقة الجديدة والمتجددة والاستفادة من الإمكانات الطبيعية الهائلة التي تتمتع بها مصر من مصادر لإنتاج هذه الطاقة.
وأوضحت وزيرة التخطيط أن الدولة المصرية بذلت العديد من الجهود في مجال توطين صناعة الهيدروجين الأخضر، وعلى رأسها إنشاء المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر والذي يهدف إلى توحيد جهود الدولة لتحفيز الاستثمار في مجال الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بما يتماشى مع متطلبات التنمية المستدامة وخطط الدولة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا بالإضافة إلى موافقة مجلس النواب في يناير 2024 على مشروع قانون بشأن حوافز مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، مشيرة إلى الانتهاء من إعداد "الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون"، واعتمادها من قبل المجلس الأعلى للطاقة في فبراير 2024 حيث تستهدف الاستراتيجية جعل مصر أحد الدول الرائدة في اقتصاد الهيدروجين الأخضر على مستوى العالم، من خلال الوصول إلى نسبة تتراوح بين 5 و8% من السوق العالمية للهيدروجين، وتحقيق أمن الطاقة، بالإضافة خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بواقع 40 مليون طن سنويًا بحلول عام 2040، وذلك عن طريق الاستعانة بالخبرات والابتكارات الرائدة عالميًا في إنتاج وتصدير الهيدروجين ومشتقاته، وهو ما يخدم أيضًا الأهداف الاستراتيجية لرؤية مصر2030.
كما أشارت د. هالة السعيد في كلمتها التي ألقتها نيابة عنها مساعد الوزيرة للتنمية المستدامة إلى مؤتمر الاستثمار المصري - الأوروبي، والذي شهد توقيع اتفاقية لإنشاء مركز دولي للهيدروجين الأخضر، وذلك بين جامعة النيل ومنظمة الهيدروجين الأخضر GH2، لتسريع تمويل مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وبناء القدرات في هذا المجال، بما يُسهم في جعل مصر مركزًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر ووجهة رائدة للاستثمار الأجنبي المباشر، كما تم توقيع أربع اتفاقيات في مجال الأمونيا الخضراء بين صندوق مصر السيادي وعدد من المطورين الأوروبيين بتكلفة استثمارية تصل إلى نحو 33 مليار دولار على هامش المؤتمر، وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد من قبل الشركات العالمية للاستثمار في هذا المجال في مصر خاصة في ظل حزم الحوافز الاستثمارية التي أطلقتها الدولة المصرية في الفترة الأخيرة.
وقالت السعيد إنه على مستوى المشروعات، فيتم بالفعل تنفيذ هذا التوجّه من خلال العديد من المشروعات في مختلف القطاعات (منها مشروعات النقل الذكي وانتاج الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية بالاستفادة من المزايا النسبية والقدرات الواعدة لمصر في هذا المجال)، لافتة إلى أن المبادرات التنموية الكبرى تدعم توجّه الدولة نحو التحول الأخضر في كافة المجالات بما يشمل مجال الطاقة، وفي مقدمتها مبادرة حياة كريمة، مشيرة إلى مبادرة "القرية الخضراء" والتي تهدف إلى تأهيل قرى المشروع القومي لتطوير الريف المصري "حياة كريمة"، لتتوافق مع أحدث المعايير البيئية العالمية للمجلس العالمي للأبنية الخضراء، والحصول على شهادة "ترشيد" للمجتمعات الخضراء، حيث تأتي المبادرة في إطار دعم جهود الدولة للتحول إلى الاقتصاد الأخضر، وتطبيق معايير الاستدامة البيئية، كما تم اختيار قرية "فارس" بأسوان، كأول قرية خضراء على مستوى الجمهورية، وفقاً لمعايير واضحة، وتم تقديمها كنموذج مصري في مؤتمر تغير المناخ (COP27)، بالتعاون مع شركة "إي كونسلت" للاستشارات الهندسية والبيئية (استشاري المشروع)، والجمعية المصرية للأبنية الخضراء "جهة تقييم مستقلة"، وتبعتها فيما بعد قرية "نهطاي" بمحافظة الغربية، كثاني قرية خضراء في مصر. ومن المستهدف تأهيل قرية واحدة من كل مركز مُستهدف ضمن المراحل الثلاثة للمُبادرة لتكون نموذجاً يمكن تعميمه بإجمالي 175 قرية.
ولفتت السعيد إلى المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية الرائدة في مجال توطين التنمية المستدامة والتعامل مع البعد البيئي وآثار التغيرات المناخية، من خلال وضع خريطة على مستوى المحافظات للمشروعات الخضراء الذكية، وجذب الاستثمارات اللازمة لها، مشيرة إلى أنه يتم حاليا تنفيذ الدورة الثالثة للمبادرة تحت إشراف وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وبتعاون وثيق مع الوزارات والجهات المعنية.
المصدر
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: التخطيط وزارة التخطيط والتنمية التخطیط والتنمیة الاقتصادیة الهیدروجین الأخضر التنمیة المستدامة الطاقة المتجددة الدولة المصریة وزیرة التخطیط فی هذا المجال هالة السعید رؤیة مصر 2030 على مستوى فی مجال من خلال من الم
إقرأ أيضاً:
اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب
مؤخرًا، أعاد الخبير الاقتصادي داني رودريك إحياء إحدى أكثر المناقشات دوامًا في مجال اقتصاديات التنمية، زاعمًا أن البلدان النامية ينبغي لها أن تحول اهتمامها من التصنيع إلى الخدمات المعززة للإنتاجية؛ وهو بهذا يتحدى الافتراض السائد منذ أمد بعيد بأن التحول إلى التصنيع يظل المحرك الرئيسي للتنمية.
لكن القضية الأعمق ليست ما إذا كان ينبغي للخدمات أن تحل محل التصنيع، بل ما إذا كان فهمنا للتحول البنيوي يجب أن يظل على أنه حركة الموارد بين القطاعات في المقام الأول. الواقع أن هذا الإطار، الذي وجه اقتصاديات التنمية لأكثر من نصف قرن من الزمن، أصبح متعارضا على نحو متزايد مع الطريقة التي تخلق بها الاقتصادات الحديثة القيمة فعليا.
من دبليو. آرثر لويس وراؤول بريبش إلى ألبرت هيرشمان ونيكولاس كالدور، كان التحول البنيوي يُفهم على أنه إعادة توزيع العمالة ورأس المال من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر إنتاجية.
احتل التصنيع مركز الصدارة لأنه جمع بين اقتصاديات الإنتاج الضخم، والتعلم التكنولوجي، ونمو الإنتاجية المستدام. لكن هذا الإطار عكس حقائق عصر حيث كانت المصانع في صميم التقدم التكنولوجي ونمو الدخل.
لم تتغير أهداف التنمية منذ ذلك الحين، حيث تظل الإنتاجية، والتعلم التكنولوجي، والتعقيد الاقتصادي ركائز الازدهار الطويل الأمد. ما تغير هو مكان ــ وكيفية ــ ظهور هذه القدرات.
يقود هذا التحول ثلاثة عوامل؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين العمالة والإنتاج بسرعة، في حين أعاد التشرذم الجيوسياسي السياسة الصناعية إلى صميم الاستراتيجية الاقتصادية. في الوقت ذاته، يعمل التحول نحو الطاقة النظيفة على إعادة تنظيم الإنتاج حول التكنولوجيات الجديدة، والمعادن الـحَرِجة، والصناعات المنخفضة الكربون. ورغم أن أيا من هذه التطورات لا يقلل من أهمية التصنيع، فإنها تشير مجتمعة إلى أنها لم تعد تحدد مسار التحول البنيوي.
ما يهم على نحو متزايد ليس القطاعات بحد ذاتها، بل القدرات الإنتاجية التي تشملها. يعتمد التصنيع الحديث على البرمجيات، واللوجستيات، والتمويل، والمنصات الرقمية، بينما تعتمد الزراعة على التكنولوجيا الحيوية، وصور الأقمار الصناعية، والهندسة الدقيقة.
وتقود الخدمات المتطورة الآن عملية التعلم التكنولوجي، والإبداع، ودينامية التصدير التي كانت ترتبط في الماضي حصريا تقريبا بالتصنيع. نتيجة لهذا، تتلاشى على نحو مضطرد الحدود التي كانت تفصل بين هذه القطاعات في الماضي.
من نواحٍ عديدة، كانت القدرات دوما المحرك الحقيقي للتحول البنيوي. ولأن الخدمات الإنتاجية تضطلع على نحو متزايد بالدور الذي لعبته الصناعة التحويلية تاريخيا، فإن السؤال الأهم هو: ما هي الأنشطة التي تعمل باستمرار على توسيع قدرة الاقتصاد الإنتاجية؟
تكمن الإجابة في النظم الإيكولوجية التي تدمج التصنيع والهندسة مع البحث، والبنية الأساسية الرقمية، والتمويل، والمؤسسات العامة.
لنتأمل هنا مثال بطاريات المركبات الكهربائية. تشجع السياسة الصناعية التقليدية دولا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية على معالجة الكوبالت محليا بدلا من تصدير الخام. لكن التصنيع المحلي وحده لم يعد يضمن حصول الدول على الأجزاء الأكثر ربحية في سلسلة القيمة.
فحتى لو نجحت جمهورية الكونغو الديمقراطية في إنتاج مكونات البطاريات ــ أو حتى البطاريات ذاتها ــ فسوف يتدفق قسم كبير من القيمة إلى أماكن أخرى طالما ظل التصميم، والمعدات المتخصصة، والبرمجيات، والمعايير الفنية، وشبكات التوزيع متركزة في الخارج.
توضح الصين هذه الديناميكية؛ فعلى الرغم من براعتها التصنيعية، لا تنبع ميزة الصين التنافسية من حجم التصنيع بقدر ما تنبع من سيطرتها على التكنولوجيات، والدراية الفنية، والملكية الفكرية، والنظم البيئية الصناعية التي يعمل التصنيع في إطارها. الدرس واضح: يتطلب التحول البنيوي الانتقال من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة امتلاك النظام البيئي الإنتاجي ذاته.
أما في حالة أفريقيا، فإن هذا الدرس يعزز الحجة لصالح التصنيع، حيث يظل بناء القدرات التكنولوجية والاستحواذ على مزيد من القيمة محليا من الأولويات الأساسية. بل يعمل الذكاء الاصطناعي والأهمية المتنامية التي تكتسبها الخدمات الإنتاجية على تعزيز الدور الذي يضطلع به التصنيع كمصدر قوي للتعلم، والتقدم التكنولوجي، وبناء القدرات.
بيد أن المزايا النسبية التي تتمتع بها أفريقيا تتطور هي أيضا. وعلى عكس الدول التي تأخرت في التنمية سابقا، تسعى الدول الأفريقية إلى التصنيع في عالم حيث يعمل التغير الديموغرافي، والتحول المناخي، والتكنولوجيات الرقمية على تحويل المشهد التنموي. ومع تقدم الاقتصادات المتقدمة في العمر، من المتوقع أن تستحوذ أفريقيا على قسم كبير من النمو في عدد السكان في سن العمل والطلب الاستهلاكي على مستوى العالم.
ولأن الدول الأفريقية غير مقيدة بأنظمة الإنتاج الموروثة، فإنها تستطيع بناء أنظمة الطاقة المتجددة، والصناعات المنخفضة الكربون، والبنية الأساسية المتكاملة رقميا من الصفر، بدلا من إعادة تأهيل الأنظمة الكثيفة الكربون التي بُنيت على مدار أكثر من قرن من الزمن. لكن قدرتها على الاستفادة من هذه المزايا ستعتمد على قدرتها على بناء مؤسسات تعزز التعلم والإبداع.
يجب أن تتطور السياسة الصناعية وفقا لذلك؛ فبدلا من الاكتفاء بتشجيع التصنيع أو استهداف قطاعات استراتيجية، يجب أن تعمل الحكومات على تهيئة الظروف الملائمة لتوسيع القدرات الإنتاجية. وهذا يعني رعاية أنظمة بيئية تربط الشركات بالجامعات، والمؤسسات البحثية، والنظم المالية، والبنية الأساسية الرقمية، والأسواق الإقليمية.
كان التصنيع في أفريقيا يرتبط دوما ببناء الأسس المؤسسية التي يقوم عليها أي اقتصاد حديث. تعتمد المجتمعات الصناعية على الأسواق الرسمية، والخدمات اللوجستية الحديثة، والوساطة المالية، والعقود القابلة للإنفاذ، والبيانات الجديرة بالثقة، وكل هذا مدعوم بمؤسسات قادرة على إدارة التفاعلات الاقتصادية المعقدة. لا تمثل المصانع سوى جزء واحد من هذه البنية الأوسع نطاقا.
هنا، تعرض علينا التكنولوجيات الناشئة فرصا جديدة لم تكن متاحة للدول التي تأخرت في التنمية سابقا. فالمدفوعات الرقمية، وأنظمة تحديد الهوية، والمنصات العامة القابلة للتشغيل البيني، والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل كفيلة بتسريع عملية إضفاء الصفة الرسمية، وخفض تكاليف المعاملات، وتحسين إدارة الضرائب، وتوسيع نطاق القدرة على الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرات الدولة.
الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، يملك القدرة على تحديث البنية المؤسسية التي تعمل الأسواق في إطارها. إذا أُدير الذكاء الاصطناعي على النحو السليم، فمن الممكن أن يساعد البلدان على تخطي مراحل من التنمية الصناعية، في حين يخلق فرصا جديدة لتطوير وحماية الملكية الفكرية.
من خلال تحدي مفهوم الاستثنائية الصناعية، قَدَّمَ رودريك خدمة قيّمة لاقتصاديات التنمية. وتتمثل الخطوة التالية في التشكيك في الاستثنائية القطاعية ذاتها وإعادة النظر في كيفية هيكلة الإنتاج.
في عالم يتمحور حول الشبكات الرقمية، والأصول غير الملموسة، والنظم البيئية الصناعية، سوف يعتمد الازدهار على قدرة الاقتصادات على تجميع وتجديد القدرات الإنتاجية. وبدلا من السير على خطى الدول التي تحولت إلى التصنيع في وقت سابق، يجب على أفريقيا أن تغتنم هذه اللحظة لصياغة نموذج جديد للتحول البنيوي.
*كارلوس لوبيس أستاذ في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة بجامعة كيب تاون. وهو مؤلف كتاب "فخ خداع الذات: استكشاف الأبعاد الاقتصادية للاعتماد على المساعدات الخيرية في إطار العلاقات بين أفريقيا وأوروبا".
*خدمة بروجيكت سنديكيت