التعليم العالي: دعم العلاقات الثنائية مع الأشقاء العرب والأفارقة
تاريخ النشر: 10th, July 2024 GMT
شهد العام المالي 2023/2024 اهتمامًا مُكثفًا من جانب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتعاون الدولي؛ حرصًا على تطبيق مبدأ المرجعية الدولية ضمن الإستراتيجية الوطنية التي أطلقتها الوزارة، ودعمًا لجهود تطوير المنظومة التعليمية والبحثية المصرية لتُضاهي نظيراتها من المؤسسات الدولية ذات المكانة المرموقة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي.
وخلال العام، شارك الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي في العديد من الفعاليات والأنشطة، ومن أبرزها مشاركة سيادته في فعاليات المنتدى العالمي للتعليم الذى أقيم في العاصمة البريطانية لندن، ونظمه المجلس الثقافى البريطانى، واستعرض الوزير خلال مشاركته النمو الذي حققه قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في مصر خلال السنوات الأخيرة، وزيادة الاهتمام بتقديم برامج التعليم العابر للحدود، وتشجيع إنشاء أفرع للجامعات الأجنبية المرموقة في مصر، كما عقد اجتماعًا مع نُخبة من العلماء والأساتذة المصريين المُتميزين في مختلف الجامعات البريطانية الأعلى تصنيفًا لمناقشة الاستفادة من خبراتهم فى دعم المنظومة التعليمية المصرية، واجتمع مع وزيري التعليم العالي والبحث العلمي السعودي، والعراقي، كما التقى بعدد من رؤساء الجامعات البريطانية لبحث أوجه التعاون المشترك، وعدد من مسئولي مؤسسة التايمز البريطانية للتعليم العالي لمناقشة خارطة التعليم العابر للحدود فى مصر وسُبل استدامتها.
واستقبل الوزير وفود من 20 دولة من الدول الأعضاء بمنظمة اليونسكو في زيارتهم لمصر؛ للاستفادة من التجربة المصرية الرائدة عن بنك المعرفة وتعميمها على باقي الدول الأعضاء بالمنظمة، وشاركت الوفود في عدد من الجلسات النقاشية الحوارية حول مشروع بنك المعرفة إلى جانب زياراتهم للمواقع الأثرية والسياحية؛ للتعرف على الثقافة المصرية.
وألقى الدكتور عاشور رئيس اللجنة الوطنية المصرية لليونسكو، كلمة مصر أمام المجلس التنفيذى لليونسكو في دورته (219)، وثمن خلالها التعاون المثمر بين مصر والمنظمة، ودعا لوضع خطة عمل طارئة للتعامل مع المأساة الإنسانية فى غزة، كما التقى خلال زيارته لفرنسا برؤساء الجامعات الفرنسية لبحث التعاون فى إدخال برامج دراسية جديدة وخاصة فى مجال الذكاء الاصطناعي، وكذا عقد لقاءًا مع العلماء المصريين بفرنسا مؤكدًا لهم حرص مصر على فتح قنوات تواصل لتعزيز التعاون مع أبنائها فى الخارج.
وتم توقيع مذكرة تفاهم بين جامعة 6 أكتوبر التكنولوجية والمعهد التقنى العالي للتقنيات الجديدة للصنع فى إيطاليا، وشركة بوليجون سوليوشنز الإيطالية ومعهد دون بوسكو فى برنامج التكنولوجيا الطبية الحيوية، وتوقيع مذكرة تفاهم رباعية مشتركة بين جامعة القاهرة التكنولوجية الجديدة والمعهد التقنى العالى للتقنيات الجديدة للصنع فى إيطاليا، وشركة دانيللى الإيطالية ومعهد دون بوسكو فى برنامج تكنولوجيا الميكاترونيكس.
وبحث الوزير مع الدكتور لان تشينغ رئيس جامعة نانجينع الطبية الصينية، التعاون المشترك فى مجال المستشفيات الجامعية.
وشارك الوزير فى السلسلة الأولى من المناقشات المُثمرة التى عقدتها الوزارة حول برنامج منحة "الشراكة من أجل التعليم" التي تقدمها الوكالة الأمريكية للتنمية بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وقد تمت مناقشة آليات تنفيذ المنحة.
وافتتح الدكتور أيمن عاشور المنتدى الأكاديمي العلمي الأول بين مصر والمجر الذي عقد بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالعاصمة الإدارية، بحضور د. يانوش تشاك وزير الثقافة والابتكار المجري؛ لبحث فرص التعاون العلمي والثقافي والأكاديمي بين البلدين، وشهد المنتدى توقيع مذكرة تفاهم بين جامعة المنصورة ممثلة في كلية الزراعة وجامعة ديبرتسين المجرية ممثلة في معهد نيرغهازا، كما تضمنت فعاليات المنتدى عقد عدة جلسات حوارية؛ لتبادل الآراء والخبرات في عدة موضوعات من بينها (العلوم والتكنولوجيا والدواء والمياه النظيفة وأبحاث الطاقة النووية)، وكذا إمكانية التشارك لتأسيس درجات علمية مشتركة تمنح شهادات مزدوجة.
وعقد الدكتور أيمن عاشور عدة لقاءات دولية مع وزراء ومسئولي التعليم العالي والبحث العلمي بعدد من الدول الأجنبية، وسفراءها في مصر، ومسئولي الهيئات المانحة في مجال التعليم العالي؛ لبحث تعزيز التعاون المُشترك فى المجالات التعليمية والبحثية ومن بينها، عقد لقاء مع السيد كريستيان برجر سفير الاتحاد الأوروبى بالقاهرة، والسيد إريك شوفاليير سفير فرنسا، والسيد/ فرانك هارتمان سفير ألمانيا بالقاهرة، والدكتور جيورج أندرياس هاتشوه وزير الدولة للعلوم والثقافة والسياحة في ولاية ساكسونيا الألمانية، والسيد أوكا هيروشي سفير اليابان بالقاهرة، والسيد كاتو كين رئيس مكتب الجايكا بمصر، والسيد لياو ليتشيانج سفير الصين، والسيدة إيفون باومان سفيرة سويسرا، والسيد آرتوراس جايليوناس سفير جمهورية ليتوانيا، والسيدة آنا ميلينا موتيوس سفيرة كولومبيا، والسيد مارك هيوارد مدير المجلس الثقافى البريطانى بالقاهرة، والسيدة/ أنجريد آمر سفيرة استونيا، ود. جراهام بولدوين رئيس جامعة وسط لانكشاير البريطانية، ود. جون سكاتن عميد كلية إدارة الأعمال بجامعة أبردين البريطانية، والسيد/ إليستر جارفيس نائب رئيس جامعة لندن، ود. أرتور سلفا نائب رئيس جامعة أفييرو البرتغالية للبحث والابتكار، ود. جون باليو المدير الإقليمي للوكالة الجامعية للفرانكفونية، والسيدة ماجدة هيرناديز مديرة جمعية المحاسبين القانونيين المعتمدين البريطانية في أوروبا والشرق الأوسط.
وعلى مستوى دعم العلاقات الإفريقية شهد الدكتور عاشور والدكتور جابرييل تشانجسون تشانج وزير التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا بدولة جنوب السودان، توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء فرع دولى لجامعة الإسكندرية بجنوب السودان، والتقى الوزير مع السيد دان مونيوزا سفير جمهورية رواندا، والسيد كيموكو دياكيت سفير جمهورية السنغال، والسيد كاسونجا موسينجا سفيرة الكونغو الديمقراطية؛ لتعزيز التعاون مع الأشقاء من الدول الإفريقية.
وفي إطار تعزيز علاقات الأخوة والصداقة مع الأشقاء العرب، التقى الوزير بوفد جامعة الشارقة الإماراتية برئاسة السفيرة/ مريم الكعبي؛ لبحث سُبل إنشاء فرع لها بالعاصمة الإدارية،
والتقى الوزير بالدكتور أمجد برهم وزير التربية والتعليم الفلسطينى، والسيد محمد عبدالله التوم سفير دولة السودان، والدكتورة فوزية بنت عبدالله سفيرة مملكة البحرين، والسيد خالد محفوظ بحاح سفير جمهورية اليمن؛ لبحث سبل التعاون المُشترك.
حصاد التعاون الدولى للعام المالى 2023/2024
المصدر
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: جامعة المنصورة وزير التعليم العالى منظمة اليونسكو التعليم العالي والبحث العلمي المجلس الثقافي البريطاني وزير التعليم العالي والبحث العلمي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التايمز البريطاني التعلیم العالی والبحث العلمی سفیر جمهوریة مذکرة تفاهم التعاون الم رئیس جامعة
إقرأ أيضاً:
هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.
بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.
الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعةوفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.
ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.
إعلانوفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.
ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.
ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.
وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.
لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.
وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.
ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.
وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.
وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:
سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلانفقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.
ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.
غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.
وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.
الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطيةليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.
وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".
ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.
وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.
ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.
الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا
تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.
ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".
ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".
وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.
الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقيةنالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.
إعلانوتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.
وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).
ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.
وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.
وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.
إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر
في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.
غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.
وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.