ماذا كسبت تركيا بالقضاء على الانقلابات؟
تاريخ النشر: 15th, July 2024 GMT
تتميّز الأمم الرائدة باحترام سيادة شعوبها، وإقرار الحقوق الإنسانية الأساسية، ومن بينها الحق في التمثيل السياسيّ، وضمان حرية الممارسة السياسية، وعدم مصادرة اختيارات شعوبها من قلة لا تعبّر عنها، وتريد أن ترهن مستقبلها بمغامرات تقضي عليه، وتعيدها إلى شريعة الغاب، حيث لا دولة ولا قانون.
في مثل هذا اليوم 15 يوليو/ تموز، قبل ثماني سنوات، جرت محاولة انقلابية فاشلة، نفذتها منظمة فيتو الإرهابية (FETÖ)، وهي ليست منظمة إرهابية فحسب، بل هي أيضًا منظمة تجسس "بصبغة دينية" بقيادة فتح الله غولن، حيث اخترقت بعض الوحدات العسكرية، بمعزل عن قيادة المؤسسة العسكرية التركية المهنية والرصينة، لم تستمر المحاولة غير ساعات محدودة، إذ سرعان ما استعادت مؤسسات الدولة زمام المبادرة، وطاردت الانقلابيين، والتفّ الشعب خلف قيادته المنتخبة بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
لقد كان وقْع هذه الأحداث كبيرًا على الشعب التركي، إذ فتح هؤلاء الإرهابيون النار على أبناء الشعب الذي أقسموا اليمين لحفظ أرواحه، وصيانة مصالحه، إن هذا أكثر ما يؤلم صدورنا ونحن نتذكر هذا اليوم العصيب، الذي ذهب ضحيته 251 شهيدًا، وأكثر من 2000 مصاب من العسكريّين والمدنيين الذين وقفوا في وجه المتمرّدين.
وإزاء تلك الأحداث الدامية والمؤسفة، أظهر الشعب التركي وطنية وتمسكًا بالوحدة، والتفّ حول الراية الحمراء التي تُظِلّ الجميع، وكان من مكاسب هذه الوحدة، أن اختار الشعب في استفتاء 2017 العبور للمستقبل عبر نظام رئاسي جديد، وبدأت تركيا تحقق الإنجازات في حماية ترابها وسمائها، واستقلال قرارها السياسي، واستكمال مسيرتها الديمقراطية، بردِّ الكلمة للشعب، وهو ما تجلى في سلسلة الانتخابات التي جرت بيسر وسهولة، من رئاسية وبرلمانية وبلدية.
لقد كشفت مؤامرة المحاولة الانقلابية الفاشلة، أن البعض حين يفشل في صناديق الانتخابات، يحمل صناديق الذخيرة، ويفرّغها في صدور شعبه، لذلك سعى الانقلابيون إلى تركيع تركيا مجدّدًا تحت حكم عسكري، وكانت خططهم ترمي إلى رهن هيبة الدولة ومقدّراتها لقوى أجنبية تعادي دولتنا، لكن الشعب التركي له ذاكرة عصيّة على الترويض، فالأمس مازال ماثلًا، ونتائج الحكم العسكري في القرن الماضي، تركت بصماتها على ذاكرة خزان بشري هائل من الأتراك ما بين معتقل وشهيد ومطارد ومفصول من العمل.
لا يدرك بعض من يريد بتركيا شرًا أن الشعب التركي ذكي وفطن، وكما فوّت الفرصة على الانقلابيين ليلة 15 يوليو/ تموز 2016، فقد حرم الذين تحالفوا مع التنظيمات الإرهابية من التحكم في مصير شعبنا، الذي ينشغل برسم مستقبله واستكمال مشروع "قرن تركيا" الذي أطلقه الرئيس أردوغان، بالتزامن مع احتفال بلادنا بالذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يدي الغازي مصطفى كمال أتاتورك.
كسبت تركيا وشعبها كثيرًا رغم هذه الأحداث المؤسفة، وأول ما كسبته هو القطيعة مع تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا، بتعزيز المؤسسات والفصل بين سلطاتها، وتدعيم الحوار المجتمعي، والمكاشفة بالحقائق حول الوضع الاقتصادي للبلاد، الذي شهد تحسنًا ملحوظًا بفضل السياسة المالية المتشددة، وخطّة مكافحة التضخم التي بدأت تؤتي ثمارها مؤخرًا، وتحسنت تقارير مؤسسات التقييم المالي العالمية، بحيث تجددت الثقة الدولية والمحلية في الاقتصاد التركي، مع تجنّب التقلبات الكبيرة في سعر الصرف، واتجاه الأسواق نحو الاستقرار، وبحث فرص الاستثمار الواعدة في مختلف القطاعات التجارية والصناعية التركية.
مؤامرة كبيرةلم تكن خطة الانقلاب محض صناعة محلية فقط، وإن كانت هذه المنظمة الإرهابية واجهة الانقلاب، فالمؤكد أنها نفذت محاولتها استجابة لمؤامرة واسعة شاركت فيها أطراف دولية، خَصّصت لها المليارات، وسخرت لها وسائل الإعلام، ورتبت لها الترحيب والاعتراف فور الإعلان عن نجاحها، لكن وقفة الشعب التركي البطولية في تلك الليلة أجهضت هذه المؤامرة في ساعات قليلة، وإن مرّت كأنها شهور ثقيلة.
ورغم كشف المعلومات الداخلية واعتراف أعضاء منظمة فيتو الإرهابية FETÖ بتنظيم محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز، فإن هناك أشخاصًا كثيرين لا يمكنهم قبول هذه الحقيقة الواضحة، حيث استولت هذه الشبكة المشبوهة على إراداتهم وعقولهم وضمائرهم. كما أنّ الهيكل التنظيمي المشبوه والعناصر الفاسدة التي يتضمنها، يستغلون القيم العالمية لتحقيق أهدافهم الشخصية، مما يشكل تهديدًا حقيقيًا وخطرًا على كل المجتمعات.
إنّ تركيا لا يمكن أن تقبل من شركائها ولا من الدول الديمقراطية، توفير الدعم للمنظمات الإرهابية، التي أطلقت الرصاص على شعبنا في 15 يوليو/ تموز، ولا تزال تهاجم الأراضي التركية، وتشهر السلاح في وجه مؤسسات الدولة التركية؛ العسكرية والأمنية.
نهضة صناعيةولأن الضربات التي لا تقصم ظهرك تقويك، فقد تعلمنا من الانقلاب الفاشل كيف نعتمد على أنفسنا لسد احتياجاتنا الدفاعية والتقنية والاقتصادية.
فعلى سبيل المثال في مجال الدفاع، عززت الصناعات الدفاعية، قدرة الجيش وقوات الأمن التركية بعدد من الأسلحة والمعدات المحلية، وتم إجراء تجارب الطيران الناجحة لمقاتلتنا الحربية الوطنية "كان" (KAAN)، التي ستدخل الخدمة في السنوات القادمة؛ لتعزز من صقور قواتنا الجوية.
كما انطلقت في سمائنا " كيزل إلما" (KIZIL ELMA)، أول مسيرة نفاثة محلية الصنع، لتلحق قريبًا بالمسيرات التي دخلت الخدمة فعليًا في جيشنا: "أقينجي" (AKINCI) و"آق صونغور" (AKSUNGUR)، كما دخلت الخدمة أكبر قطعة حربية في أسطول قواتنا البحرية "تي سي جي أناضولو" (TCG Anadolu)، كأول حاملة طائرات تركية بصناعة محلية وتكنولوجيا فائقة التطور، وتنامت الصناعات العسكرية لتأمين احتياجات البلاد، مع التوسع الكبير في مجال التصدير.
نفخر بأن تركيا واحدة من مصنعي الطائرات غير المأهولة القلائل في العالم، وقد أبرمنا عقودًا مع عشرات الدول لشراء مسيراتنا المتطورة، لا سيما أنها أثبتت كفاءتها في ميدان القتال، وحازت ثقة عدد من الدول، مثل: أذربيجان، وأوكرانيا، وبولندا، وإثيوبيا، وليبيا، وقطر، وساهمت الطائرة المسيرة التركية "أقينجي" في الوصول لمكان سقوط طائرة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي ورفاقه بعد دخولها الأجواء الإيرانية بناء على اتصالات رسمية بين أنقرة وطهران.
مسيرة لن تتوقفلقد عززنا قرارنا الوطني بفرض السيادة على مياهنا الاقتصادية، وها هي سفن الاستكشاف البحري تمسح مياهنا الاقتصادية؛ بحثًا عن مكامن الطاقة، وإليها يرجع الفضل في توصيل الغاز الطبيعي المستكشف في البحر الأسود إلى بيوتنا ومصانعنا، في العام الماضي.
يسعدنا أن نشارك شعبنا التركي إحياء هذه الذكرى المجيدة من أرض قطر الطيبة، التي سجّلت في تلك الليلة موقفًا أخويًا تاريخيًا لا يُنسى؛ إذ كان صاحب السمو أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أول المتصلين بأخيه فخامة الرئيس، رجب طيب أردوغان، للتعبير عن المساندة القطرية المطلقة للحكومة الشرعية، والوقوف مع الشعب التركي لإحباط كل مؤامرة تمسّ أمنه وحقوقه وسلامة مؤسساته.
إننا نؤمن بأنّ مسيرة الحرية والاستقلال التي بدأت في الخامس عشر من يوليو/تموز 2016، سوف تستمر بفضل الإيمان والتضحية وعزيمة الشعب، كما أنّ ثقتنا لا تتزعزع في أن تركيا سوف تنطلق نحو حقبة تنموية جديدة على كافة المستويات تحقّق تطلعات شعبنا وتؤسّس لنهضته الشاملة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الشعب الترکی
إقرأ أيضاً:
بعد وثائقي الجزيرة.. كوثر بن هنية تحوّل مأساة هند رجب إلى فيلم عالمي
المخرجة التونسية كوثر بن هنية بصدد إنجاز فيلم روائي جديد يجسد قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قُتلت في غزة وهي في الخامسة من عمرها، في حادثة هزّت الرأي العام وأثارت استنكارا واسعا على المستوى الدولي.
يُصوَّر الفيلم في تونس ويُشرف على إنتاجه نديم شيخ روحه، المنتج المعروف بفيلم "بنات ألفة" (Four Daughters)، إلى جانب أوديسا راي، منتجة الفيلم الحائز أوسكار "نافالني" (Navalny)، وجيمس ويلسون، منتج "منطقة الاهتمام" (The Zone of Interest). ويحظى المشروع بدعم من شركة "فيلم 4" البريطانية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2محكمة الطفل تقرر إيداع نجل محمد رمضان إحدى دور الرعاية على خلفية واقعة اعتداءlist 2 of 2افتتاح كان السينمائي.. دي نيرو يهاجم ترامب والمصورة فاطمة حسونة حاضرة بعد استشهادهاend of listويرصد الفيلم تفاصيل استشهاد الطفلة الفلسطينية، حيث ظلت محاصرة داخل السيارة التي كانت تقلها وعائلتها لساعات، وهي تحاول التواصل مع الهلال الأحمر الفلسطيني طلبا للمساعدة، قبل أن يعثر عليها بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي.
كيف أصبحت هند رجب رمزا لمأساة الحرب في غزة؟تحولت الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى رمز إنساني مؤلم لتبعات الحرب في غزة، بعدما قُتلت خلال محاولة عائلتها الفرار من المدينة، في واحدة من أكثر الحوادث التي جسدت قسوة الصراع المتواصل منذ عملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في 29 يناير/كانون الثاني 2024، تعرضت سيارة هند لإطلاق نار أثناء الفرار، مما أسفر عن مقتل عمّها وعمّتها و3 من أبناء عمومتها، في حين بقيت هند عالقة داخل السيارة لساعات، تحاول النجاة وتتواصل مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عبر الهاتف، بينما كان المسعفون يسابقون الزمن للوصول إليها.
إعلانلكن في 10 فبراير/شباط، وبعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، عُثر على جثة هند إلى جانب أفراد عائلتها والمسعفين الذين قُتلوا أثناء محاولتهم إنقاذها.
وعلى الرغم من نفي إسرائيل المسؤولية في البداية، فقد كشفت تحقيقات أجرتها عدة جهات مستقلة بما فيها صحف دولية ومنظمة بحثية أن دبابات إسرائيلية كانت في المنطقة ومن المرجح أنها أطلقت النار على السيارة، كما استهدفت سيارة الإسعاف التي جاءت لإنقاذ الطفلة.
وقد أثارت مأساة هند غضبا دوليا واسعا، حيث قامت مجموعة من الطلاب في جامعة كولومبيا بإعادة تسمية مبان جامعية باسمها، في إشارة إلى الألم الذي تعكسه قصتها على الكثيرين حول العالم.
الجزيرة توثق اللحظات الأخيرة من حياة هند رجبوثّقت قناة الجزيرة القطرية القصة المؤلمة لمقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب في فيلم وثائقي بعنوان "الليل لن ينتهي" (The Night Won’t End)، ضمن سلسلة التحقيقات "Fault Lines". يتناول الفيلم جرائم الحرب في غزة من خلال روايات 4 عائلات فلسطينية، من بينها عائلة هند، التي فقدت طفلتها البالغة من العمر 6 سنوات في يناير/كانون الثاني 2024 خلال العدوان الإسرائيلي.
يركز الوثائقي على اللحظات الأخيرة من حياة هند، التي بقيت محاصرة داخل سيارة عائلتها بين جثث أقاربها، ويوثق مكالمتها الهاتفية المؤثرة مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث كانت تستغيث ببراءة. كما يكشف الفيلم عن الصعوبات التي واجهها طاقم الإسعاف أثناء محاولتهم الوصول إليها، إذ تعرضوا لإطلاق نار مباشر من قبل الجيش الإسرائيلي، مما أدى إلى استشهادهم وترك الجثث في الموقع من دون أن تُنتشل لأيام.
كما يتضمن الفيلم شهادات حية من والدتها وموظفين في الهلال الأحمر، إضافة إلى تحليلات الحقوقيين الذين أكدوا انهيار القانون الدولي في ظل الأحداث المأساوية التي وقعت في غزة. وقد أصبح هذا العمل الوثائقي مرجعا هاما لفهم التداعيات الإنسانية للصراع في المنطقة.
إعلان كوثر بن هنية.. صوت إنساني يتجدد في السينما العالميةفي عملها الروائي الجديد، تسلّط المخرجة التونسية كوثر بن هنية الضوء على مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قُتلت في غزة، مقدّمة قصتها في إطار سينمائي عالمي. هذا المشروع يمثل محطة جديدة في مسيرة بن هنية، التي تُعد من أبرز الأصوات السينمائية في العالم العربي، والمعروفة بإثارتها للقضايا الإنسانية العميقة.
لمع نجم بن هنية عربيا ودوليا من خلال فيلم "على كف عفريت" (Beauty and the Dogs) الذي مثّل تونس في جوائز الأوسكار لعام 2018، واستند إلى قصة حقيقية لفتاة تواجه منظومة قمعية بعد تعرضها للاغتصاب.
ثم واصلت تألقها بفيلم "الرجل الذي باع ظهره" (The Man Who Sold His Skin) عام 2020، الذي حظي بترشيح رسمي لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، محققا نجاحا غير مسبوق للسينما التونسية والعربية.
أما في فيلمها الوثائقي "بنات ألفة" (Four Daughters)، فقد تناولت الواقع التونسي من خلال قصة أم فقدت ابنتيها لصالح التطرف، بأسلوب فني يمزج بين الروائي والوثائقي، مما أهله للوصول إلى القائمة القصيرة للأوسكار لعام 2024.
من خلال أعمالها، تؤكد بن هنية أن السينما ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة قوية للمقاومة والتغيير، وصوتا يحمل معاناة المنسيين إلى المنصات العالمية.