النيابة العامة تنبه لخطورة إعتماد المرونة في مواجهة المجرمين على أمن المجتمع والأفراد
تاريخ النشر: 10th, August 2023 GMT
زنقة 20. الرباط
أكدت رئاسة النيابة العامة، اليوم الأربعاء، أنها ما فتئت تعمل جاهدة على مواكبة موضوع الاعتقال، والتفاعل مع وضعية المؤسسات السجنية التي تعرف بعضها اكتظاظا في ساكنتها، من خلال توجيه عمل النيابات العامة بمقتضى دوريات أو عقد اجتماعات مع مسؤوليها، وكذا عبر تنظيم دورات تكوينية في هذا المجال.
وأوضحت رئاسة النيابة العامة، في بلاغ حول العوامل والإكراهات التي تتحكم في عدد نزلاء المؤسسات السجنية بالمغرب، و”في إطار الحق في الحصول على المعلومة المكرس بمقتضى الدستور والقانون”، أن ذلك يأخذ بعين الاعتبار التلازم بين مواجهة استفحال الجريمة وحماية المواطن والمجتمع من آثارها كأولوية، انطلاقا من مبدأ التزامات الدولة في هذا الاتجاه، وتفاديا لنسف جهود المصالح الأمنية والشرطة القضائية في محاربة الجريمة من جهة، وتكريسا لدور القضاء في تفعيل مبدأ حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحريتهم وأمنهم القضائي طبقا لمقتضيات المادة 117 من الدستور من جهة أخرى”.
وقالت “من تم فإن المبالغة في اعتماد المرونة في الإبقاء على المتورطين في جرائم تتسم بنوع من الخطورة في حالة سراح، سوف تكون له عواقب وخيمة على أمن المجتمع والأفراد على حد سواء”.
واعتبرت رئاسة النيابة العامة أنه “انطلاقا من هذه الإكراهات، فإن مقاربة معالجة الجريمة تختلف من دولة لأخرى حسب خصوصيتها والثقافة السائدة لدى مواطنيها، وبالنسبة لبلادنا فإن الأمر يتطلب العمل المتواصل من أجل تغيير الثقافة السائدة حاليا لدى فئات من المواطنين الذين يرون أن العدالة الجنائية الناجعة تكمن في الاعتقال، وأن الردع الصائب هو العقوبات السالبة للحرية في جميع القضايا، وإلا فإن هذه العدالة تبقى منتقدة وغير مجدية، علما أن القضاء بصفة عامة لا يأبه بهذا الاتجاه، وإنما يحرص على التطبيق السليم والملائم للقانون”.
وشددت على أنه “وأمام هذه الوضعية، فإن الأمر يقتضي معالجة موضوع اكتظاظ المؤسسات السجنية من خلال مقاربات متعددة تروم أنسنة المؤسسات السجنية، وتوفير الظروف الملائمة للعاملين بها لأداء مهامهم بيسر، مع استحضار استمرارية ضمان أمن وسلامة المجتمع”.
وأكدت رئاسة النيابة العامة، في هذا الإطار، “على أهمية ما ورد في بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج من حيث تشخيص وضعية المؤسسات السجنية والمطالبة بالإسراع في إيجاد الحلول الكفيلة بمعالجة إشكالية الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية لتفادي الانعكاسات المشار إليها بالبلاغ”.
وأبرزت أنها “سوف تواصل دورها التأطيري والتحسيسي لقضاة النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم من تدابير وفق ما يفرضه القانون من أجل بذل المزيد من الجهود ما أمكن بهدف ترشيد الاعتقال الاحتياطي في أفق تحقق الأهداف المأمولة السالف ذكرها”.
وأعلنت عزمها الدعوة لعقد لقاء، خلال شهر شتنبر المقبل، يجمع المؤسسات والجهات المعنية لمناقشة الموضوع، وكل الآراء والمقترحات والإمكانيات المناسبة لتجاوز كل الصعوبات والإكراهات التي ترتبط بتدبير الاعتقال الاحتياطي ووضعية المؤسسات السجنية، في أفق تدخل المشرع في المنظور القريب لإيجاد الحلول التشريعية المنتظرة، سواء ما يتعلق بسن مقتضيات حديثة من شأنها تعزيز بدائل الاعتقال الاحتياطي، والتعجيل بإخراج المقتضيات المتعلقة ببدائل العقوبات السالبة للحرية، وأيضا قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي بصفة عامة”.
وبعدما عبرت عن مشاطرتها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج “قلقها بشأن وضعية المؤسسات السجنية، وفق ما جاء في بلاغها، لما لذلك من انعكاس سلبي على ظروف إقامة ساكنتها وعلى حسن تدبيرها”، أشادت رئاسة النيابة العامة “بكل الجهود التي تبذلها المندوبية بغاية تجويد ظروف إيواء هذه الساكنة بكل حمولاتها وحسن تدبير المؤسسات السجنية ومختلف المبادرات الجيدة الرامية إلى إعادة إدماج السجناء”.
من جهة أخرى، أكدت رئاسة النيابة العامة أن التطور النوعي الذي عرفته مظاهر الجريمة في السنوات الأخيرة، سواء من حيث خطورة الأفعال المرتكبة، أو الوسائل المستعملة فيها أو طبيعة الأشخاص الذين يقترفونها، لاسيما الذين يوجدون في حالات العود، وما لذلك من انعكاس على طمأنينة وسكينة المواطن والمجتمع، فرض على كل الجهات الساهرة على إنفاذ القانون التصدي لكافة هذه المظاهر”.
وأوضحت أن ذلك يأتي بهدف الحفاظ على أمن وسلامة الأشخاص وحماية ممتلكاتهم، حيث بذلت المصالح الأمنية والشرطة القضائية بكل أصنافها ولازالت، في هذا السياق، جهودا مضنية لمواجهة كل الخارجين عن القانون، وضبطهم وإحالتهم على النيابات العامة المختصة.
وأشارت إلى أن عددهم بلغ خلال النصف الأول من السنة الجارية حوالي 309 ألف و259 شخصا، أغلبهم من أجل الاتجار في المخدرات، وشغب الملاعب المرتبط بالتظاهرات الرياضية، وجرائم الأموال والجرائم المالية التي تندرج في إطار مواجهة الفساد المالي والاعتداء على الأشخاص سواء في إطار عصابات إجرامية أو السرقات الموصوفة أو غيرها من الجرائم الخطيرة.
وأبرزت، في هذا السياق، أن المجهودات الجبارة التي قامت بها مصالح الشرطة القضائية بكل أصنافها في إطار إسهامها في عدم الإفلات من العقاب وتطويق الفارين من العدالة، أسفرت عن توقيف حوالي 162 ألف و545 شخصا كانوا موضوع برقيات بحث على الصعيد الوطني، خلال النصف الأول من هذه السنة الجارية، تمت إحالتهم على النيابات العامة المختصة من أجل اتخاذ الإجراء القانوني المناسب في حقهم.
وشددت على أن النيابات العامة حرصت، في نفس الإطار، أيضا على تنفيذ الأحكام الباتة القاضية بعقوبات سالبة للحرية الصادرة في مواجهة المحكومين في حالة سراح، حيث بذلت مصالح الشرطة القضائية، تفاعلا مع ذلك، مجهودات متميزة في سبيل ضبط هؤلاء المحكوم عليهم وإيداعهم بالمؤسسات السجنية المعنية.
كما تم كذلك، يضيف البلاغ، “إيداع مجموعة من الأشخاص الصادرة في مواجهتهم أوامر بالإكراه البدني بعدما تخلفوا عن أداء الغرامات المالية، أو الديون العمومية أو الخصوصية المتخذة في ذمتهم، وفق ما يفرضه القانون، ودون شك فإن كل هذه العوامل ساهمت في ارتفاع عدد ساكنة المؤسسات السجنية”.
وذكر أنه “لما كان توفير الأمن والطمأنينة لكافة أفراد المجتمع وضمان حقوقهم وسلامتهم الجسدية يشكل أحد أولويات السياسة الجنائية، فقد عملت رئاسة النيابة العامة باعتبارها الجهة المشرفة على حسن تنفيذها على حث النيابات العامة على التفاعل بالمسؤولية اللازمة مع الأشخاص المقدمين أمامها من أجل ارتكابهم للأفعال ذات الخطورة، وذلك في إطار الملاءمة والتوازن ما بين ضمان حماية سلامة المواطنين وممتلكاتهم من جهة، والحفاظ على حقوق وحريات المشتبه فيهم من جهة أخرى، مع مراعاة وضعية الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية”.
وأوضحت رئاسة النيابة العامة أنه، انسجاما مع هذا التوجه، ووعيا من النيابات العامة بضرورة عقلنة تدبير الاعتقال، فقد دأبت على عدم اللجوء إلى إعماله إلا عند الضرورة، وهو ما تعكسه نسبة الاعتقال التي لم تتجاوز 24 في المائة من بين المقدمين أمامها والبالغ عددهم 309 ألف و259، خلال النصف الأول من هذه السنة، وهي نسبة تبقى جد معقولة مقارنة مع النسب المرتفعة المسجلة لدى بعض الدول الأخرى.
وشددت على أنه “انطلاقا مما سلف فقد عرف عدد المعتقلين احتياطيا بالمؤسسات السجنية، إلى غاية شهر يوليوز من هذه السنة، انخفاضا، حيث بلغ حوالي 39 في المائة مقابل 40 في المائة خلال نفس الفترة من السنة الماضية، وعلى عكس النسب المسجلة خلال السنوات الفارطة الممتدة من سنة 2010 التي تراوحت ما بين 38 في المائة و47 في المائة، إذ بلغت هذه النسبة على سبيل المثال سنة 2010 حوالي 43 في المائة وخلال سنة 2011 حوالي 47 في المائة، مما يوحي بأن تدبير الاعتقال يتماشى مع تطور الجريمة صعودا أو نزولا منذ أمد بعيد.
واعتبرت أنه “إذا كانت هذه النسب المسجلة بشأن معدلات الاعتقال الاحتياطي لا ترقى إلى طموح رئاسة النيابة العامة رغم الجهود المبذولة في هذا الإطار، فإنها تبقى مقبولة مقارنة مع نسب الاعتقال الاحتياطي المسجلة في بعض دول الاتحاد الأوربي بحسب الأرقام التي نشرها مجلس أوروبا خلال سنة 2022، كما هو الحال بالنسبة لهولندا 45.2 في المائة، وبلجيكا 38.4 في المائة وفرنسا 28.5 في المائة، وإيطاليا 31.5 في المائة، والدنمارك 41.3 في المائة، واللكسومبورغ 43.3 في المائة.
وأكدت أنه رغم انخفاض نسبة الاعتقال خلال النصف الأول من السنة الجارية “بحسب ما أشير إليه أعلاه، والجهود المبذولة من طرف النيابات العامة بشأن ترشيد الاعتقال الاحتياطي، فإن فئات مختلفة داخل المجتمع دأبت في مناسبات عدة وعبر العديد من المنابر بما في ذلك وسائط التواصل الاجتماعي وغيرها على المطالبة بتفعيل آلية الاعتقال لردع مرتكبي الجرائم حتى ولو كانت بسيطة بدل المتابعة في حالة سراح، انسجاما مع ما ترسخ من ثقافة لديها بأن تحقيق العدالة والزجر لا يكون إلا بالاعتقال وصدور أحكام بعقوبات سالبة للحرية”
وقالت رئاسة النيابة العامة إنه “مع ذلك، فإن قضاة النيابة العامة يلتزمون بالتطبيق السليم للقانون دون تأثر بما ذكر، حيث يجنحون في إطار اعتماد مبدأ الملاءمة إلى عقلنة تدبير وضعية الاعتقال، واعتمادها في مستواها الأدنى بالنسبة لأغلبية الأشخاص المقدمين أمامها، وهو نفس الاتجاه الذي يعتمده السادة قضاة التحقيق في إطار سلطتهم التقديرية واستقلاليتهم”.
وذكرت بأنه “تبعا للتفاعل الإيجابي بين رئاسة النيابة العامة والمصالح المركزية للشرطة القضائية بكل أصنافها الهادف إلى الرفع من النجاعة القضائية من خلال ترشيد إنجاز الأبحاث الجنائية داخل أجل معقول. فقد أصبحت الأبحاث تنجز في أغلبها خلال ثلاثة أشهر مع إحالة العديد من المعنيين بها على النيابات العامة المختصة، حيث يتخذ تدبير الاعتقال الاحتياطي في حق القليل منهم متى توفرت موجبات لذلك، لا سيما خطورة الأفعال أو انعدام الضمانات، كما هو الحال على سبيل المثال في جرائم الشيكات بدون مؤونة، والنصب والتزوير، والإتجار بالبشر وغيرها”.
وبحسب تصنيف الساكنة السجنية، فقد توزعت خلال سنة 2022 بين حوالي 30 في المائة من أجل الاتجار في المخدرات، و31 في المائة في إطار الجرائم المالية وجرائم الأموال، و30 في المائة من أجل جرائم الاعتداءات الخطيرة على الأشخاص، كالقتل أو تكوين عصابات إجرامية أو استعمال السلاح الأبيض إلى آخره.
كما ذكرت بأن القضايا الزجرية بالمحاكم تشكل حوالي 62 في المائة من مجموع القضايا الرائجة بها، وقضاة الحكم يبذلون مجهودات جبارة من أجل تصفيتها داخل آجال معقولة رغم عدة إكراهات مرتبطة بالجانب القانوني والواقعي، ولا سيما مسألة التبليغ.
وأشارت إلى أن ذلك “ما تعكسه نسبة 87 في المائة من القضايا الزجرية المحكومة خلال سنة 2022، حيث يتجاوز معدل عدد الأحكام التي أصدرها كل قاض ألفي (2000) حكم، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصاص في عدد القضاة بصفة عامة، علما أن هذا المعدل يتجاوز ما هو مسجل لدى بعض الدول”.
وأكدت رئاسة النيابة العامة أن هذه التوضيحات جاءت تبعا للبلاغ الصادر عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج (7 غشت الجاري)، والذي أثار وضعية المؤسسات السجنية من خلال ارتفاع عدد الساكنة بها وما ترتب عنه من اكتظاظ نتيجة تزايد وتيرة الاعتقال مع ما قد ينجم عن ذلك من اختلالات وآثار سلبية وفق ما تضمنه البلاغ.
المصدر
المصدر: زنقة 20
كلمات دلالية: خلال النصف الأول من فی المائة من خلال سنة فی إطار من خلال فی هذا من جهة من هذه من أجل وفق ما
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني