الفكر المكيافيلي.. كيف يؤثر على قرارات قادة العالم؟
تاريخ النشر: 10th, September 2024 GMT
يتمحور الفكر المكيافيلي حول فكرة أن "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث يبرر استخدام القوة والخداع لتحقيق الأهداف السياسية، وذلك نسبةً إلى نيكولو مكيافيلي (1469م-1527م)، الفيلسوف والسياسي الإيطالي الذي يعتبر كتابه "الأمير" مرجعًا أساسيًا في فلسفة السياسة الواقعية. وقد أثرت أفكار مكيافيلي بشكل كبير على التفكير السياسي والإستراتيجيات التي يتبناها العديد من قادة العالم.
الفكر المكيافيلي هو فلسفة سياسية تركّز على استخدام السلطة بطرق عملية وواقعية. ويعتبر كتاب "الأمير" المصدر الإرشادي للقادة حول كيفية الحصول على السلطة والحفاظ عليها. ونستعرض فيما يلي المفاهيم الرئيسية لهذا الفكر:
الواقعية السياسية: ويُقصد بها التعامل مع السياسة بناءً على الحقائق والمواقف الفعلية، بدلًا من التركيز على الأهداف المثالية أو الطموحات الأخلاقية. الواقعية العملية: يجب على القادة أن يتخذوا قرارات مستندة إلى الظروف الواقعية، حتى وإن كانت هذه القرارات صعبة أو غير شعبية. قرارات غير أخلاقية: أحيانًا قد تتطلب السياسة اتخاذ قرارات لا تتوافق مع المعايير الأخلاقية المعتادة، مثل استخدام الخداع أو القوة. ويمكن استحضار مثال على ذلك، إذا كان الحفاظ على السلام يتطلب عقد تحالف مع طرف غير موثوق به، فإن الواقعية السياسية تعتبر هذا التحالف ضروريًا لتحقيق هدف أكبر. الغاية تبرر الوسيلة: هي فكرة تعني أن الهدف النهائي يبرر استخدام أي وسيلة لتحقيقه، مهما كانت هذه الوسائل غير أخلاقية أو قاسية. أهمية تحقيق الأهداف: في السياسة، يُعتبر تحقيق الأهداف السياسية المهمة أكثر أهمية من الالتزام بالمعايير الأخلاقية. استخدام الخداع والقوة: قد يكون من الضروري استخدام الخداع أو القوة لتحقيق الاستقرار أو الحفاظ على السلطة. ففي حالات الحرب، مثلًا، يمكن استخدام التضليل الإعلامي لإرباك العدو وتحقيق النصر، حتى لو كان ذلك يتم بطريقة غير أخلاقية. المرونة والتكيّف: وتعني أن القادة يجب أن يكونوا قادرين على التكيف مع التغيرات السريعة والمفاجئة في الظروف السياسية المتقلبة. الاستجابة للتغيرات: يجب على القادة أن يكونوا مستعدين لتغيير إستراتيجياتهم وسياساتهم بسرعة إذا تغيرت الظروف. استخدام الظروف لصالح السلطة: يمكن للقادة استخدام التغيرات غير المتوقعة لصالحهم؛ لتعزيز سلطتهم. وكمثال على ذلك، أنه إذا واجه قائد ما أزمة اقتصادية، يجب أن يكون لديه القدرة على تعديل سياساته الاقتصادية بسرعة للتعامل مع الأزمة، والاستفادة منها؛ لتعزيز موقفه السياسي. تأثير الفكر المكيافيلي على قادة العالمتأثر العديد من رؤساء وقادة العالم بأفكار مكيافيلي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمكن في هذا السياق سرد بعض الأمثلة البارزة على ذلك:
هنري كيسنجر: مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي السابق، الذي يعتبر من أبرز المدافعين عن الواقعية السياسية، استخدم في سياسته الخارجية تكتيكات تتماشى مع الفكر المكيافيلي، بما في ذلك دعم الأنظمة الاستبدادية لتحقيق التوازن في الحرب الباردة. ومن ذلك دعمه نظام بينوشيه في تشيلي، حيث تغاضى عن الانتهاكات الحقوقية؛ لتحقيق استقرار سياسي في المنطقة يحمي مصالح الأميركيين. ونستون تشرشل: رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، الذي استخدم الخداع والمعلومات المضللة كجزء من إستراتيجياته الحربية، مما يعكس تأثير الفكر المكيافيلي في تحقيق أهدافه. حيث استخدم عملية "الطعام الجاهز" (Operation Mincemeat)، وهي عملية خداع تضمنت إسقاط جثة تحمل وثائق مزورة للإيهام بأن الحلفاء سيغزون اليونان بدلًا من صقلية. فلاديمير بوتين: الرئيس الروسي الحالي، الذي يتبنى سياسات واقعية قائمة على استخدام القوة والضغط السياسي؛ لتعزيز مصالح روسيا، مستخدمًا تكتيكات تتماشى مع الفكر المكيافيلي للبقاء في السلطة والتأثير على السياسة الدولية.فقد ضمّ شبه جزيرة القرم واستخدم القوة العسكرية والسياسية في النزاعات الإقليمية؛ لتعزيز موقف روسيا في مواجهة تدخلات حلف الناتو الغربي الذي بدأ يلعب على الحدود الروسية.
ريتشارد نيكسون: الرئيس الأميركي السابق، الذي استخدم تكتيكات سرية ودبلوماسية خلف الكواليس؛ لتحقيق أهدافه السياسية، مثل تدشين العلاقات مع الصين، وهو ما يعكس تأثرًا واضحًا بالفكر المكيافيلي، فقد قام نيكسون برحلة إلى الصين عام 1972، سرًا ودون إعلان مسبق؛ لتحقيق تحول إستراتيجي في العلاقات الدولية هدفه الأساس محاصرة أميركا للاتحاد السوفياتي. النقد والجدل حول الفكر المكيافيليرغم التأثير الكبير لفكر مكيافيلي على السياسة العالمية، فإنه لا يخلو من النقد، إذ يعتبر البعض أن هذا الفكر يبرر الأفعال غير الأخلاقية ويعزز الأنانية والاستبداد.
إفساد القيم الأخلاقية: يرى البعض أن المكيافيلية تبرر استخدام الوسائل غير الأخلاقية، مثل؛ الكذب والخداع لتحقيق الأهداف السياسية، مما يفسد القيم الأخلاقية، ويؤدي إلى تدهور المعايير الأخلاقية في المجتمع. كأن يلجأ بعض السياسيين في المعارك الانتخابية، إلى نشر معلومات مضللة أو تشويه سمعة المنافسين للفوز في الانتخابات، مما يضر بثقة الجمهور في النظام الديمقراطي، ويزيد من حدّة الاستقطاب.
تشجيع الانتهازية: يُعتقد أن الفكر المكيافيلي يشجّع القادة على أن يكونوا انتهازيين، بمعنى أنهم يسعون لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة العامة. فقد يتخذ بعض القادة قرارات قصيرة الأجل لزيادة شعبيتهم أو سلطتهم، حتى لو كانت هذه القرارات تضرّ بالبلاد على المدى البعيد، مثل؛ الإنفاق الزائد على المشاريع غير الضرورية لشراء الأصوات.
تعزيز الاستبداد: يعتبر بعض النقاد أن هذا الفكر يمكن أن يستخدم وسيلة للاستبداد والقمع، حيث يمكن للقادة تبرير الإجراءات القمعية بأنها ضرورية للحفاظ على الاستقرار والسيطرة، حيث يتم قمع الحركات المعارضة؛ بحجة أنها تهدد الأمن والاستقرار، كما في بعض الأنظمة الدكتاتورية التي تسجن أو تقتل المعارضين السياسيين.
في المقابل يدافع البعض عن الفكر المكيافيلي بأنه يقدم رؤية واقعية للسياسة تتماشى مع الطبيعة البشرية والتحديات التي تواجه القادة.
الواقعية يدافع مؤيدو المكيافيلية بأن السياسة تتطلب أحيانًا قرارات قاسية وغير شعبية؛ للحفاظ على الاستقرار والأمن. ويقدمون مثالًا على ذلك، أنه في حالة الأزمات الوطنية، قد يكون من الضروري اتخاذ إجراءات قاسية، مثل؛ فرض حالة الطوارئ أو تقييد الحريات المدنية لضمان بقاء الدولة.
التكيف مع الطبيعة البشرية: يجادل المؤيدون بأن البشر ليسوا دائمًا أخلاقيين أو مثاليين، والسياسة تحتاج إلى الاعتراف بهذه الحقيقة والعمل بناءً عليها لتحقيق الأهداف. مثل استخدام الدبلوماسية الخادعة للتفاوض على اتفاقيات السلام، أو التحالفات التي قد لا تكون ممكنة إذا كان الجميع يتبع المبادئ الأخلاقية الصارمة.
التعامل مع التحديات: يبرر المدافعون عن المكيافيلية بأن السياسة مليئة بالتحديات المعقدة التي تتطلب مرونة واستعدادًا لاستخدام وسائل غير تقليدية لتحقيق الأهداف المهمة. ويقدمون مثالًا على ذلك، إبرام صفقات سياسية مع دول غير ديمقراطية؛ لضمان الاستقرار الإقليمي أو المصالح الاقتصادية، كما في العلاقات بين الدول الغربية وبعض دول الجنوب، حيث الأزمات مستفحلة.
أمثلة من لحظتنا المعاصرةالحرب على الإرهاب: يوجه المنتقدون للمكيافيلية سهامهم لبعض الدول التي استخدمت "الحرب على الإرهاب" ذريعةً لتمرير قوانين قمعية وتقييد الحريات المدنية. في حين يعتبر المؤيدون أن هذه الإجراءات كانت ضرورية لحماية المواطنين ومنع الهجمات الإرهابية.
التعامل مع جائحة كوفيد- 19: يوجه المنتقدون اللوم لبعض الحكومات التي فرضت إجراءات صارمة، مثل؛ الإغلاق الكامل، والحجر الصحي الإجباري، مما أثر على الاقتصاد وحقوق الأفراد. في حين يرى المتشبعون بالميكيافيلية، أن هذه الإجراءات كانت ضرورية لحماية الصحة العامة ومنع انتشار الفيروس.
ختامًا:عمومًا يبقى الفكر المكيافيلي مؤثرًا بشكل كبير على السياسة العالمية وأسلوب حكم العديد من القادة، من خلال الاختباء خلف أو التركيز على مفاهيم الواقعية السياسية والمرونة في استخدام الوسائل المختلفة؛ لتحقيق الأهداف. حيث قدَّم مكيافيلي إطارًا يمكن للقادة السياسيين استخدامه للتعامل مع التعقيدات والتحديات السياسية.
ومع ذلك، يبقى الجدل قائمًا حول الجوانب الأخلاقية لهذا الفكر وتأثيره على القيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان. إذ رغم التأثير الكبير للفكر المكيافيلي على السياسة العالمية، فإنه لا يخلو من النقد، حيث يعتبر البعض أن هذا الفكر يبرّر الأفعال غير الأخلاقية، ويعزّز الأنانية والاستبداد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الواقعیة السیاسیة لتحقیق الأهداف على السیاسة هذا الفکر على ذلک
إقرأ أيضاً:
نشاط الرئيس الأسبوعي.. قرارات جمهورية مهمة ورسائل حاسمة من السيسي للمصريين
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
شهد الأسبوع الرئاسي نشاطا كبيرا حيث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى، قرار رقم 296 لسنة 2026 بفض دور الانعقاد العادى الأول من الفصل التشريعى الثانى لمجلس الشيوخ، اعتبارًا من يوم الأحد 5 من صفر سنة 1948 هجرية، الموافق 19 من يوليو سنة 2026
السيسي يصدق على القانون رقم 77 لسنة 2026 بربط الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026-2027كما صدق الرئيس عبد الفتاح السيسى، على القانون رقم 77 لسنة 2026 بربط الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026-2027.
جاء ذلك بعد أن أقر مجلس النواب القانون رقم 77 لسنة 2026.
كما نشرت الجريده الرسمية تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على 8 قوانين، خاصة بربط موازنة بعض الهيئات والأجهزة في الدولة، بالسنة المالية 2026/ 2027.
وجاءت تلك القوانين كالتالي:
-قانون رقم ۸۷ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة جهاز تنظيم إدارة المخلفات للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بمبلغ 395 مليون و236 ألف جنيه.
-قانون رقم ۸۸ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بمبلغ 43 مليار و417 مليون و10 آلاف جنيه.
-قانون رقم ۸۹ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك للسنة المالية ٢٠٢٧/، ٢٠٢٦، بمبلغ 765 مليون و860 ألف جنيه.
-قانون رقم ۹۰ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بمبلغ 192 مليار و435 مليون و300 ألف جنيه.
-قانون رقم ۹۱ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بمبلغ 14 مليار و493 مليون و989 ألف جنيه
-قانون رقم ۹۲ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بمبلغ 120 مليون جنيه.
-قانون رقم ۹۳ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة الهيئة القومية لسكك حديد مصر للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بمبلغ 107 مليار و274 ألف و765 ألف جنيه.
-قانون رقم ٩٤ لسنة ۲۰۲٦ بربط موازنة هيئة النقل العام بالقاهرة للسنة المالية ٢٠٢٧/٢٠٢٦، بملبلغ 4 مليار و678 مليون جنيه
نشرت الجريدة الرسمية كما تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على 56 قانونًا جديدًا بشأن ربط موازنة هيئات وأجهزة الدولة ومؤسسات الدولة بالسنة المالية 2026/ 2027.
ومن أهم القوانين التي تم التصديق عليها قانون رقم 97 لسنة 2026، بربط موازنة هيئة قناة السويس بالسنة المالية 2026 /2027، بمبلغ 137 مليارًا و203 ملايين جنيه.
وقانون رقم 102 لسنة 2026 بربط موازنة الهيئة القومية للأنفاق بالسنة المالية 2026 /2027، بمبلغ 357 مليارًا و730 مليونًا و196 ألف جنيه.
وقانون رقم 103 لسنة 2026، بربط موازنة الهيئة القومية للبريد بالسنة المالية 2026 /2027، بمبلغ 106 مليارًا و339 مليونًا و84 ألف جنيه.
وقانون رقم 104 لسنة 2026 بربط موازنة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالسنة المالية 2026/2027. بمبلغ 398 مليارًا و486 مليونًا و40 ألف جنيه.
وقانون رقم 106 لسنة 2026 بربط موازنة وكالة الفضاء المصرية بالسنة المالية 2026/ 2027، بمبلغ مليار و989 مليونًا و50 ألف جنيه.
وقانون رقم 108 بربط موازنة الهيئة العامة للسلع التموينية بالسنة المالية 2026/ 2027. بمبلغ 226 مليارًا و968 مليونًا و399 ألف جنيه
وقال الرئيس السيسي خلال كلمتة بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة: مصر بفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل شعبها العظيم، لا يستطيع أحد؛ أن يمسها أو ينال من مقدراتها فهى محروسة بعناية الله، ومحصنة بوعى شعبها، ومصونة بقوة جنودها لتظل دائما وأبدا؛ حصنا منيعا، وركيزة راسخة للأمن والاستقرار.
وجاء نص كلمة الرئيس السيسي بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة:
شعب مصر العظيم
نحتفل اليوم؛ بالذكرى الرابعة والسبعين، لثورة يوليو المجيدة، بعد أيام من إحيائنا، لذكرى ثورة الثلاثين من يونيو العظيمة … وليس استحضار ذكرى هذه المناسبات الوطنية؛ هو مجرد الاحتفال، بل هو فرصة لتجديد الوفاء والتقدير للأبطال، ولتقييم التجارب والخروج بالدروس والعبر، لتجنب الأخطاء والبناء على الإنجازات، والمضى بمصرنا العزيزة، نحو مستقبل أكثر إشراقا، يليق بمكانتها القيمة بين الدول.
لقد كانت توجهات ثورة يوليو المجيدة، منارة أضاءت دروب الشعوب فى العالم الثالث، وأشعلت جذوة التحرر، فى ربوع أمتنا العربية وقارتنا الإفريقية وبفضلها استعادت مصر سيادتها، ورسخت استقلال قرارها الوطنى، استقلالا مصونا؛ لن يمس ولن يتزعزع أبدا.
وما زلنا؛ حتى يومنا هذا، نستقى العبر والدروس، من تجربة ثورة يوليو المجيدة، ولاسيما تلك؛ التى ارتبطت بتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء الدولة القوية ولا نقف عند حدود التأمل الواعى فحسب؛ بل نتخذ الإجراءات، وننخرط فى التفاعل البناء مع نجاحات تلك التجربة كما نستقى الدروس من إخفاقات مسيرتها، حتى نواصل بفهم ووعى تشييد الجمهورية الجديدة مصر الحديثة المتقدمة والقوية، القادرة على حفظ حقوق شعبها وصون مقدراتها.
منذ عام ٢٠١٤؛ انطلقت مصر بعزيمة لا تلين، وإيمان لا يتزعزع، لتخوض مسيرة التنمية الشاملة، والتطوير المنشود الذى يليق بمكانتها وبشعبها العظيم فواجهنا الإرهاب وهزمناه، دون أن نتوقف عن البناء، ورسخنا حرية الاعتقاد وأقمنا دور العبادة، وشيدنا بنية أساسية عصرية، وأزلنا العشوائيات، وأقمنا مدنا جديدة، واستصلحنا الصحارى، وأنشأنا محطات لتوليد الطاقة التقليدية والمتجددة .. وكثفت الدولة جهودها؛ لزيادة الاكتشافات البترولية والغازية، بما يعزز أمنها الاقتصادى، ويدعم مكانتها كمركز إقليمى للطاقة.
وفى السياق ذاته؛ واصلنا العمل الدءوب، لتطوير منظومتى التعليم والصحة، وافتتحت الدولة العديد من المتاحف المتميزة عالميا، لتعيد تقديم حضارتنا العريقة للعالم بأبهى صورة، كما نالت السياحة اهتماما خاصا، لتعزيز مكانة مصر كمقصد سياحى عالمى، ونسعى جاهدين لتوطين الصناعة، وتحقيق ما نصبو إليه من تقدم وازدهار.
وأطلقنا المشروع القومى "حياة كريمة"، ليحيا ملايين المصريين، فى بيئة حضارية تليق بكرامتهم الإنسانية، وتجسد رؤية الدولة الحديثة، التى تجمع بين القوة والعدل، وبين التنمية والحرية، وتشق طريقها نحو المستقبل.. بثبات واقتدار.
لقد مضت مصر فى مسيرتها، رغم ما يحيط بها من ظروف عصيبة، وضغوط جسيمة وتحديات غير مسبوقة، وفى منطقة تموج بالحروب والأزمات المتلاحقة، التى عصفت – وللأسف الشديد – بالعديد من دولها .. وبرغم الخسائر الاقتصادية البالغة، التى تكبدتها الدولة المصرية، نتيجة عوامل خارجة عن إرادتها، مضت مصر وبقيت ثابتة على نهجها، راسخة فى طريقها، لا تحيد عن هدفها الأسمى، فى بناء المستقبل وصون مقدرات الوطن.
كما أجدد التأكيد؛ على أن نجاح الدولة فى الحفاظ على أمن مصر واستقرارها، وفى اجتياز ما واجهناه؛ وما نزال نواجهه من أزمات وتحديات، ما كان ليتم لولا عزيمة الشعب المصرى، وعمله الدءوب واجتهاده وصبره، ووعيه العميق بالظروف المحيطة، وتمسكه بثبات الدولة، أمام كل تهديد يستهدف مصر.
وفى هذا المقام؛ أوجه التحية الواجبة، للشعب المصرى الأبى، وجيشه الباسل وشرطته المدنية، وسائر مؤسسات الدولة، على تكاتفهم فى مواجهة التحديات، وتمسكهم بهوية الدولة المصرية .. كما أخص بالتحية كذلك؛ شهداءنا الأبرار، الذين ارتقوا دفاعا عن الوطن، فكانوا مشاعل نور، تضىء لنا طريق العزة والكرامة.
ودعونى أعاود التأكيد؛ أن مصر بفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل شعبها العظيم، لا يستطيع أحد؛ أن يمسها أو ينال من مقدراتها فهى محروسة بعناية الله، ومحصنة بوعى شعبها، ومصونة بقوة جنودها لتظل دائما وأبدا؛ حصنا منيعا، وركيزة راسخة للأمن والاستقرار.
وفى ظل الظروف الأليمة القاسية، التى تموج بها المنطقة، فإننى أود اليوم توجيه رسالتين:
الأولى- رسالة سلام؛ من مصر القوية المحبة للسلام، أدعو بموجبها دول العالم، إلى بذل كل جهد لوقف الحروب والصراعات، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط، والتصدى للنزعات التخريبية؛ الرامية إلى اسـتمرار الكراهيـة، وسـفك الدماء والدمار وأشدد هنا؛ على ضرورة عدم توقف المساعى الجادة الحثيثة، لتحقيق سلام عادل يضمن الاستقرار والازدهار لكل الشعوب فالعالم يتسع للجميع، والتاريخ أثبت أن العنف؛ لا يجلب إلا المزيد من العنف، ونتيجته المعروفة؛ هى الخراب والدمار
كما أجدد موقف مصر الثابت، الرافض لأى اعتداء على الدول العربية الشقيقة، وأطالب جميع الأطراف المعنية، بالكف عن استخدام القوة، وضبط النفس، ووقف التصعيد، والعودة إلى طاولة المفاوضات، إعلاء لقيمة السلام، وصونا لحقوق الشعوب.
أما الرسالة الثانية- فهى رسالة أمل وتفاؤل؛ أوجهها إلى الشعب المصرى العظيم، مؤكدا أن القادم – بإذن الله وتوفيقه – هو الأفضل حيث نعمل بكل جد، على بناء مستقبل واعد برؤية علمية، ونواجه الفساد بكل صوره، ونسعى دائما للخير والسلام، والله تعالى
﴿لا يضيع أجر من أحسن عملا﴾.
وفى الختام؛ أوجه تحية خالصة، لقادة ثورة يوليو المجيدة، ولجيش مصر الأبى، وشرطتها الباسلة، ولكل يد مصرية؛ تبنى وتنمى الوطن.
كل عام وأنتم بخير.
ودائما وأبدا.. وبالله العلى العظيم:
تحيا مصر، تحيا مصر، تحيا مصر..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.