تشكل عملية التوغل الأوكراني في منطقة كورسك الروسية منذ 6 أغسطس 2024، نقطة تحول في مسار الحرب الجارية. فبعد نحو عامين ونصف العام من فشل أوكرانيا في شن هجوم مضاد في مسرح القتال الرئيسي في إقليم دونباس، نقلت الحرب إلى العمق الروسي. وتراهن كييف على أن يعزز هذا التطور موقفها التفاوضي مع موسكو مستقبلاً؛ ولاسيما إذا عاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وقرر تغيير السياسة الأمريكية في هذا الملف باتجاه التسوية ووقف الحرب.

وبحسب المنظور الأوكراني، يتعين تطوير الهجوم في العمق الروسي، مع القدرة على الحفاظ على الأراضي التي سيطرت عليها كييف والتمدد منها إلى مساحات أخرى، حتى يمكنها المقايضة على مساحة معادلة من روسيا مقابل دونباس. بيد أن هذه الرؤية تواجه العديد من التحديات، لعل أبرزها مدى سماح القوى الغربية لأوكرانيا باستخدام أسلحتها في العمق الروسي، وضمان تدفقاتها إليها، بالإضافة إلى التحديات الميدانية في إطار رد الفعل الروسي على ذلك.

وبشكل عام، فإن قراءة سياق هذا التطور، وتداعياته، واحتمالاته المستقبلية، تنطوي على عدة مؤشرات واعتبارات، وهو ما يمكن تناوله في سياق هذا التحليل.

معادلة جديدة:

تقليدياً، تشمل ديناميكية أي حرب عاملي الدفاع والهجوم، وأخفقت أوكرانيا منذ بداية الحرب الحالية في تطوير هجوم مؤثر في مواجهة روسيا بما يمكن أن يشكل عامل ضغط لدفع موسكو للانسحاب أو الجلوس إلى طاولة التفاوض. وعلى الرغم من تكرار محاولاتها؛ لم تنجح كييف في تطوير مثل هذا الهجوم، واستمرت في نطاق العمل الدفاعي، وبررت ذلك بالقيود الغربية على إمدادات واستخدامات الأسلحة الهجومية الاستراتيجية.

وقد قدّم حلف شمال الأطلسي “الناتو” لأوكرانيا برامج تدريب وتسليح كفيلة بتحويلها إلى قوة عسكرية غربية، وذلك بعد استهلاك ترسانة الأسلحة الشرقية (السوفيتية) خلال العامين الأولين للحرب. كما شملت عملية إعادة الهيكلة العسكرية بناء قدرات التصنيع العسكري المحلي، في ظل تزايد الطلب الغربي على احتياجات الدفاع الأساسية ومحدودية المخزون الاستراتيجي، بالإضافة إلى تفادي المسؤولية القانونية ورد الفعل الروسي حال التورط في استخدام الأسلحة الغربية.

وعلى الرغم من أن تقارير الصحافة الغربية تتبنى وجهة نظر مفادها أن أوكرانيا لم يكن بمقدورها أن تحقق المفاجأة من دون ضوء أخضر غربي، خاصةً مع اعتمادها على أسلحة مثل: “ستورم شادو” (Storm Shadow)، و”أتاكمز” (ATACMS)، ومقاتلات “إف-16″ (F-16)، بشكل رئيسي؛ فإن المواقف الرسمية الغربية تنفي ذلك، حتى لا تثير غضب روسيا.

لكن في الوقت ذاته، لم تشر القوى الغربية إلى تمسكها بـ”الخط الأحمر” الذي يمنع أوكرانيا من استخدام هذه الأسلحة، باستثناء ألمانيا التي كانت أكثر حزماً في هذا الأمر، وطالبت كييف بعدم السماح باستخدام صواريخ “توروس” (Taurus)، وهو سياق مفهوم بطبيعة الحال؛ كون الصاروخ الألماني الأطول مدى (يصل إلى 500 كيلومتر) في ترسانة الصواريخ الغربية التي حصلت عليها أوكرانيا؛ يمثل تهديداً أكبر على روسيا، ولا تضمن برلين رد فعل الأخيرة في هذه الحالة.

رهانات كييف:

يتمحور المبرر الأوكراني في شن هجوم على العمق الروسي بالقيام بعملية استباقية تقطع الطريق على خطة موسكو في التحرك للسيطرة على كل من سومي وخاركوف شرقاً. كما أن التحرك في هذه الجغرافيا من اتجاه الشمال الشرقي قد يسمح بالتحام قوات من بيلاروسيا لإسناد القوات الروسية؛ ما قد يشكل تهديداً للعاصمة كييف؛ ومن ثم فإن أوكرانيا تؤكد أنها بصدد عملية دفاعية في المقام الأول.

وتكتيكياً، تراهن أوكرانيا على فكرة مقايضة الأراضي محل السيطرة، فقد احتلت مساحة كبيرة في العمق الروسي، بالإضافة إلى زيادة المدى النيراني انطلاقاً من كورسك باتجاه العمق الروسي؛ بما يشكل تهديداً لمناطق حيوية في روسيا. مع ذلك قد لا تكون نظرية المقايضة في صالح أوكرانيا؛ لأنها في الأخير وصلت إلى السيطرة على نحو 1300 كيلومتر من الأراضي الروسية، في حين أن القوات الروسية تضع قدمها على أكثر بـ65 مرة من مثل هذه المساحة في دونباس على أقل التقديرات من دون إضافة مساحة القرم.

لكن من الناحية العملية والميدانية، قد تكون هناك اعتبارات أخرى، منها نظرة روسيا لهذا التطور المفاجئ وانعكاساته الداخلية، بالإضافة إلى التهديد الذي شكلته أوكرانيا فعلياً على البنية التحتية واللوجستية الروسية، والتهديد الأوسع الذي يمكن أن تشكله في حال واصلت هذا المسار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن “معهد دراسات الحرب الأمريكي” استعرض خريطة تضم ما يصل إلى 250 موقعاً عسكرياً في مجال مديات الصواريخ الأوكرانية وحددها بما يناسب كل نوع من هذه القدرات، وفي حدود القدرات الأوكرانية التي تصل إلى 300 كيلومتر، إذا لم تستخدم الصواريخ متوسطة وطويلة المدى.

وأعلنت كييف أنها أرسلت وفداً إلى واشنطن في أواخر أغسطس الماضي للنقاش حول هذه التطورات والمتطلبات الدفاعية، والأهم من ذلك المتطلبات الاستراتيجية الخاصة بالموافقة على استخدام الأسلحة الغربية عموماً وليس فقط الأمريكية؛ بحكم أن معظم الأسلحة الغربية بها مكون أمريكي. وفي هذا السياق، يُعتقد أن الموقف الأمريكي هو الحاسم ليس فقط في المعارك، ولكن أيضاً بالنسبة لروسيا.

ومن ثم فإن أي رهان أوكراني سيتوقف في الأخير على الحسابات الأمريكية؛ وهي مسألة معقدة، وثمة تناقض ما بين صفقات التسلح، ومبررات وحق الاستخدام. فعلى سبيل المثال، هناك تقديرات دفاعية تشير إلى احتمال إطلاق صاروخ “أتاكمز” الأمريكي من منصة “هيمارس”، وفي حال صحة ذلك؛ فالمسألة لا تتوقف على عامل الاستخدام من دون موافقة، وإنما على عملية النقل الميداني من العمق الأوكراني إلى الأطراف في المنطقة الشرقية؛ وهو ما يؤكد ضرورة الموافقة المسبقة. ولكن هل يمكن أن تمضي واشنطن مع كييف في هذا المسار إلى ما هو أكثر من ذلك؟

ويفتح هذا السياق الباب لتساؤلات عديدة من الصعب الإجابة عنها بشكل قاطع، وفي المقدمة منها، على سبيل المثال، هل كانت واشنطن ترغب في تحريك الوضع بشكل مختلف لوقف التقدم الروسي في أوكرانيا، خاصةً أن معدلات تسارع السيطرة الروسية في النصف الأول من العام الحالي هي الأعلى والأسرع منذ بدء الحرب وفق رصد وتحليل خرائط السيطرة؟

وثمة انطباع ينعكس بشكل واضح في وسائل الإعلام الغربية يشير إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن ربما تميل إلى استغلال الوقت المتاح لديها، لحين وصول إدارة جديدة تكمل المسار الحالي أو أخرى تنقلب عليه وتبدأ مساراً مختلفاً.

رد موسكو:

من المُرجح أن روسيا استوعبت مفاجأة كورسك، وفي غضون أسبوعين من التوغل الأوكراني بدأت في التحركات التكتيكية المضادة ميدانياً وسياسياً بشكل متزامن ومتشابك، على نحو ما يمكن الإشارة إليه في النقاط التالية:

1- اتجهت موسكو إلى تركيز ثقل الجهد العسكري في دونيتسك، والسيطرة على منطقة بوكروفسك ذات الأهمية الاستراتيجية وفقاً لحسابات موسكو باعتبارها بوابة الإقليم، إضافة إلى أهميتها اللوجستية كخط إمداد رئيسي للجانب الأوكراني في تلك الجبهة. وفي مقابل ذلك، قامت القوات الأوكرانية بانسحاب متدرج من بوكروفسك. وتشير التقديرات الأوكرانية التي تستند إلى الموقف الميداني، إلى تراجع القيمة الاستراتيجية لبوكروفسك؛ كونها تشكل تحصيل حاصل للسيطرة الروسية. لكن هذا التقدير قد لا يعكس الواقع؛ إذ قد يكون المغزى الأكثر واقعية هو أن أوكرانيا بالفعل حشدت جهدها العسكري الرئيسي لدعم مسار التوغل في الأراضي الروسية، كما أنها ربما تدرك أن روسيا تناور بعملية بوكروفسك لدفعها للانسحاب أو تشتيت الجهد العسكري؛ لذا لا تفضل الاستجابة للاستدراج الروسي.

2- لم تستخف روسيا بالمفاجأة الأوكرانية؛ بل على العكس كانت تحركاتها منظمة لاستيعاب المفاجأة، من عمليات الإجلاء السريعة للمدنيين، وإخلاء العديد من القواعد التي قد تصبح هدفاً مكشوفاً، ومع ذلك تكبدت الكثير من الخسائر، ثم بدأت في رد الفعل الهجومي لوقف التقدم الأوكراني لكن بشكل متباطئ. وترجع حسابات هذا التباطؤ الروسي إلى عامل استيعاب المفاجأة، لكن ثمة تقديرات عسكرية ترى أن التكتيك الروسي ممنهج؛ بهدف إفشال المبرر الدفاعي لأوكرانيا، وتبرير حجة الانتقام الروسي بالرد في العمق الأوكراني؛ ولاسيما المنطقة الغربية، التي استهدفتها موسكو على نطاق بنك أهداف واسع ولإخراج البنية التحتية واللوجستية عن الخدمة مثل: محطات الطاقة والوقود والمياه، على نحو ما فعلت كييف في النطاق الروسي.

3- لجأت موسكو إلى ورقة التهديد النووي، فمن جهة سلطت الضوء على تداعيات التوغل الأوكراني على محطة كورسك النووية بما يشكل تهديداً، خاصةً مع سقوط طائرة من دون طيار في الموقع وتحميل كييف المسؤولية عن ذلك. ومن جانب آخر، أعاد مسؤولون ومحللون روس تسليط الضوء على مراجعة العقيدة النووية، وإذا كانت المراجعات السابقة تُمكن روسيا من اللجوء للخيار النووي حال تعرض البلاد لخطر وجودي، فما هو الحال في ظل انتقال المعركة إلى الأراضي الروسية نفسها؟ ومن غير المُرجح أن تغامر موسكو باللجوء للسلاح النووي، وسيبقى مجرد بند في قائمة الردع تحسباً لتطورات أكثر صعوبة في مواجهة حلف “الناتو” والقوى الغربية.

مسارات قادمة:

على الأرجح، يتمثل التكتيك الرئيسي للقوى الغربية في تحريك أوكرانيا للجبهة الروسية بشكل يؤثر في موسكو، ويدفعها إما إلى وقف الزحف المتسارع في دونباس، أو الجلوس إلى طاولة التفاوض. ومع ذلك ترفض روسيا هذه الطريقة (سلام زيلينسكي)، في إشارة إلى موقف الرئيس الأوكراني وأهدافه من هذا التحرك؛ ومن ثم فإن السيناريو الأقرب للواقع هو أن عملية التوغل الأوكرانية قد تكون مؤقتة، وقد تضطر كييف للاستدارة مرة أخرى لحماية خطوطها الخلفية، بدلاً من الاندفاع إلى المزيد من التقدم المساحي دون ضمانات أو تغطية كافية من الحلفاء؛ وهو ما سيتضح في ضوء الزيارة التي قام بها وفد عسكري أوكراني إلى واشنطن في أواخر شهر أغسطس المنقضي.

من جانبها، تدرك القوى الغربية تكلفة الاستمرار الأوكراني في عملية التوغل داخل روسيا، وإن كان لا يوجد موقف غربي موحد للهجوم داخل الأراضي الروسية، فقد سبق وأشارت فرنسا إلى الموافقة، وبدرجة أقل بريطانيا، في حين حاولت ألمانيا كبح هذا الاتجاه. وإجمالاً تتخوف القوى الغربية من أن تتحول عملية التوغل الأوكرانية إلى مغامرة غير محسوبة.

فلا شك أن تركيز الجهد العسكري الأوكراني على التوغل في العمق الروسي، قد يحقق أهدافاً تكتيكية عديدة، لكن تحديات الصمود، والقيود على تدفقات الأسلحة، ورد الفعل الروسي، كل ذلك قد يأتي بنتائج عكسية. كما أنه لا يمكن لأوكرانيا المُضي منفردة في هذا السيناريو، ولا يمكنها أيضاً الاستعاضة عن التسليح الغربي بالتصنيع المحلي، بالرغم من الحديث عن امتلاك قدرات معادلة مثل صاروخ “غروم” (Groom). والعامل الآخر أنه باستثناء صاروخ “أتاكمز” الذي لا تمتلك أوكرانيا مخزوناً كبيراً منه، سيتعين عليها الحصول على المزيد من مقاتلات “إف-16” كمنصات إطلاق للأنظمة الأخرى التي تُطلق جواً، هذا بافتراض أنها حصلت على ضوء أخضر في الأساس.

في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم التكلفة الهائلة على روسيا، مع اللجوء إلى استخدام أسلحة عالية القدرة والكفاءة مثل: “كينجال” و”إسكندر”، والتي تستخدمها موسكو بشكل اضطراري ومحدود، بالإضافة إلى عملية التعبئة الواسعة للقوات للتحرك على أكثر من موقع. لكن تنظر روسيا إلى أنها في الأخير تمتلك أوراقاً تتفوق بها على أوكرانيا، أقربها أنها تغير واقع دونباس بشكل عام، على عكس طبيعة التوغل الأوكراني الذي يظل في حدود السيطرة المكانية على مواقع يمكن استعادتها في نهاية المطاف، فضلاً عن ميل معادلة مساحات السيطرة لصالحها؛ ومن ثم لا يتعين عليها تقديم تنازل كبير لكييف أو النزول عند رغبتها في المقايضة.

الخلاصة، أنه على الرغم من محاولة كل طرف إعادة ضبط قواعد الحرب الروسية الأوكرانية لصالحه، لا توجد ضمانات في الحروب، وقد يفتح هامش الخطأ الباب على سيناريوهات أسوأ، طالما أنه لا يمكن التحكم في قواعد اللعبة في مباراة تُستدعى فيها نذر حرب عالمية ثالثة “حرب نووية”، حتى وإن كانت معطيات الواقع تقول إن المشهد لم يتدهور بعد إلى ذلك الحد.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


المصدر

المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

حزمة مخفّفة من العقوبات على روسيا.. وأوكرانيا تطلب بإجتماع طارئ لـمجلس الأمن

عواصم "وكالات": اكدت اوكرانيا اليوم انها طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي في 27 يوليو، على خلفية هجمات روسية استهدفت سفنا في البحر الأسود.

واكد القائم بأعمال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها في بيان نشره على منصة إكس إن ما لا يقل عن ثلاث سفن شحن مدنية تعرضت لهجمات مؤخرا، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من أفراد أطقمها.

وكتب: لم تمر أي سفينة عبر الممر البحري الأوكراني في البحر الأسود، في ذروة موسم الحصاد. هذا إرهاب اقتصادي وإنساني متعمد".

وأضاف: "روسيا تحتجز الأمن الغذائي العالمي رهينة".

وقال سيبيها إن على المجتمع الدولي أن يرد على ذلك.

وأضاف:"نحث جميع الدول، ولا سيما الدول المتضررة، على مطالبة روسيا فورا بوقف هجماتها على حرية الملاحة في البحر الأسود".

وتابع: "لا يحق لأي دولة أن تجوّع العالم. ويمكن للضغط العالمي أن يوقف الإرهاب الروسي".

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن روسيا يجب أن "تشعر بضغط متزايد" وإنه يتعين فرض عقوبات أكثر صرامة عليها.

وقال ف:"عقوباتنا بعيدة المدى، وضرباتنا متوسطة المدى، ومواقفنا القوية على الجبهة. كل ذلك سيتم تنفيذه".

وأضاف زيلينسكي أنه التقى السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ماثيو ويتاكر لبحث منظومة باتريوت للدفاع الجوي.

وقال زيلينسكي:"نحتاج إلى صواريخ لحماية أرواح شعبنا. لا يمكن أن يكون هناك نقص في صواريخ اعتراض الصواريخ الباليستية كما هو الحال الآن، فقد كانت الأشهر القليلة الماضية صعبة للغاية. ومن المهم أن يساعدنا شركاؤنا".

وقال إنه تحدث أيضًا مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بشأن تنشيط الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا.

بالمقابل، اكدت موسكو بان الجانبان يتبادلان الهجمات على السفن والموانئ منذ عدة اسابيع.

لافروف يحذر واشنطن

ودبلوماسيا، حذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الأمريكي ماركو روبيو خلال اجتماع عُقد بينهما في مانيلا من استمرار عمليات تسليم الأسلحة إلى أوكرانيا، معتبر أن ذلك أمر "غير مقبول"، وفق ما ذكرت وزارة الخارجية الروسية في بيان.

وعقد اللقاء بين الوزيرين الذي استمر حوالى نصف ساعة، بعد ساعات على مكالمة هاتفية بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بهدف "إعادة تنشيط الدبلوماسية" بحثا عن مخرج للحرب مع روسيا، بحسب زيلينسكي.

وكان هذا أول لقاء بين روبيو ولافروف منذ سبتمبر 2025، وعُقد على هامش اجتماع لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في الفيليبين، على وقع تعثر جهود الوساطة الأميركية بين كييف وموسكو منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير.

وجلس روبيو الذي حل ضيفا على اجتماع آسيان ولافروف حول طاولة قبل دخول الصحافيين إلى القاعة ولم يدليا بأي تصريحات بعدها.

وذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن الوزيرين "بحثا العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا وضرورة وضع حد للحرب بين روسيا وأوكرانيا".

في المقابل، أشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن لافروف، خلال مناقشته ملف أوكرانيا مع روبيو، "شدد على أن استمرار إمداد نظام كييف بالأسلحة أمر غير مقبول".

كما ندد بـ "السياسة التي تزعزع الاستقرار، والتي تنتهجها الدول الأوروبية التي تصر على السعي لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا"، بحسب المصدر ذاته.

وجدد لافروف التأكيد على أن "الجانب الروسي مستعد لتسوية سياسية دبلوماسية للنزاع" الذي اندلع إثر الهجوم الواسع الذي شنته روسيا على أوكرانيا في فبراير 2022.

كما تطرق النقاش إلى الحرب في الشرق الأوسط، وفق الخارجية الروسية. ونددت موسكو بالضربات الأمريكية على ايران.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للصحافيين إنه أجرى "محادثة جيدة ⁠وصريحة" مع ⁠نظيره الروسي سيرجي لافروف، مؤكدا أن واشنطن ‌مستعدة للقيام ​بدور ⁠بناء للمساعدة في ​إنهاء الحرب في ‌أوكرانيا.

وأضاف ​روبيو "نحن مستعدون ‌للاضطلاع بدور ​بناء للمساعدة في ​وضع ‌نهاية لحرب عبثية ⁠وعلى استعداد للقيام ​بذلك"، وقال: "أعتقد بأن حرب أوكرانيا أعاقت، بطرق عديدة، قدرة روسيا والولايات المتحدة على إيجاد مجالات توافق بشأن قضايا أخرى".

وأضاف أن ذلك "لا يعني بأننا لن نسعى لإيجاد مجالات أخرى للتعاون المحتمل"، مؤكدا "نرغب في أن تنتهي هذه الحرب".

حزمة جديدة من العقوبات على روسيا

وفي سياق تشديد الضغط على موسكو، اتّفقت بلدان الاتحاد الأوروبي اليوم الخميس على رزمة جديدة مخفّفة من العقوبات على روسيا على خلفية حرب أوكرانيا بعد أسابيع من النقاشات تنص على تثبيت السقف المفروض على أسعار النفط.

وتأخرّت الحزمة، وهي الحادية والعشرون التي يعلنها التكتل منذ بدا الحرب الروسية في اوكرانيا قبل اكثر من اربع سنوات، بسبب اعتراضات عديدة من دول أعضاء على عدد من المقترحات.

وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في منشور على الإنترنت "تستهدف حزمة عقوباتنا الـ21 القطاعات الأكثر تأثيرا: الطاقة والخدمات المالية والعملات المشفرة والتجارة".

وأفاد دبلوماسيون بأنه تم تجاوز العقبة الأخيرة بعدما مُنحت اليونان إعفاء يتيح لإحدى شركات الشحن البحري التابعة لها بمواصلة نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي من المنطقة القطبية الشمالية.

وسعى سفراء من دول التكتل الـ27 للتوصل إلى اتفاق يجمّد السقف المفروض على صادرات الخام الروسي ليبقى سعرها عند 44 دولارا قبل مهلة نهائية كان من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعارها.

وبموجب الاتفاق، سيبقى مستوى الأسعار الراهن على حاله للأشهر الـ12 المقبلة، في وقت يحاول الاتحاد الأوروبي منع روسيا من الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط بسبب حرب الشرق الأوسط.

تستهدف الحزمة الجديدة أيضا قطاع موسكو المالي ومجال العملات المشفرة وتدرج المزيد من المسؤولين الروس على قوائم الاتحاد الأوروبي السوداء على خلفية الحرب.

لكن تم التخلي عن حظر على التأشيرات تم اقتراحه لمنع الروس الذين قاتلوا في أوكرانيا من دخول بلدان التكتل.

وأفاد دبلوماسيون بأنّ هناك التزاما فقط بالعمل باتّجاه فرض حظر من هذا النوع في المستقبل.

كما تم التخلي عن العديد من البنود الأخرى المقترحة.

وقالت بلغاريا إنها نجحت في منع إدراج بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية كيريل على قائمة تجميد الأصول وحظر التأشيرات.

كما اعترضت البرتغال وفرنسا، بحسب دبلوماسيين، على حظر استيراد أسماك البقلة وألاسكا بولوك من روسيا.

وتأتي الحزمة الجديدة في وقت يبدو أن كييف تتقدّم ميدانيا على موسكو.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين "في ظل الزخم العسكري الأوكراني، تواصل عقوباتنا إضعاف الأسس الاقتصادية للمجهود الحربي الروسي".

اوكرانيا تستهدف روسيا والقرم

وعلى الارض، قتل ثلاثة أشخاص بينهم طفل وجُرح ثمانية آخرون في قصف أوكراني استهدف روسيا وشبه جزيرة القرم اليوم الخميس، وفق ما ذكرت السلطات المحلية.

وصعّدت موسكو وكييف تبادل الضربات الجوية في عمق المناطق التابعة لهما في العام الخامس للاجتياح الروسي واندلاع الحرب بينهما، ما رفع عدد الضحايا المدنيين إلى نسبة هي الأعلى منذ بدء الحرب عام 2022، بينما القتال على خطوط الجبهة في حالة جمود.

وقال حاكم مدينة فورونيج ألكسندر غوسيف على منصة "تلغرام"، "توفي طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات" على أطراف المدينة نتيجة حريق اندلع في منزله بعد تحطّم طائرة مسيّرة عليه.

وأضاف أن والدي الطفل أصيبا "بجروح مختلفة". وأوضح أن شابا آخر جُرح في هجوم منفصل بطائرة مسيّرة في المنطقة نفسها الواقعة على بعد 500 كيلومتر (310 أميال) جنوب موسكو.

وذكرت سلطات المنطقة في بيان على تلجرام أن رجلا قُتل وآخر جُرح إثر استهداف مسيّرة أوكرانية مركبة في منطقة بيلغورود الروسية المحاذية لأوكرانيا.

وقال حاكم شبه جزيرة القرم المعيّن من موسكو سيرغي أكسيونوف إن شخصا قُتل وأربعة آخرين بينهم طفلان أصيبوا بجروح في هجوم أوكراني استهدف شبه الجزيرة التي ضمّتها موسكو في العام 2014.

وبدا في الأشهر الأخيرة أن كييف تصد هجوم موسكو المستمر في الشرق، ووسّعت بشكل كبير نطاق هجماتها بالطائرات المسيّرة، ما أدى إلى تعطيلات في الحياة اليومية في روسيا خلال العام الخامس للحرب.

غير أن موسكو صعّدت من ضرباتها الصاروخية الدامية، مع إطلاقها عشرات الصواريخ البالستية التي يصعب اعتراضها، فيما تعاني أوكرانيا استنزاف مخزونات الدفاع الجوي.

وتطالب روسيا بانسحاب أوكرانيا من الأجزاء التي لا تزال تسيطر عليها في إقليم دونباس في شرق البلاد، واضعة ذلك شرطا مسبقا لأي اتفاق سلام، إلا أن كييف رفضت هذا المطلب معتبرة أنه سيكون بمثابة استسلام.

وتوقفت المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بشأن حلّ النزاع بين أوكرانيا وروسيا منذ تحوّل اهتمام واشنطن إلى الشرق الأوسط.

مقالات مشابهة

  • روسيا تعلن إسقاط 571 مسيرة أوكرانية خلال ليلة واحدة
  • الهنقاري يبحث مع مشايخ المنطقة الغربية استراتيجية هيئة تنمية الصادرات “2027 – 2035”
  • “أوبك” تخفض توقعاتها لنمو الطلب في 2026 إلى 800 ألف برميل يوميا
  • مستشارة للرئيس الروسي تدعو دولا أخرى إلى الاقتداء بروسيا في مكافحة تمجيد النازية في أوكرانيا
  • خبراء ومحللون عسكريون لـ”الثورة نت”: معادلة “الحصار بالحصار” تضرب شريان الاقتصاد السعودي
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • حزمة مخفّفة من العقوبات على روسيا.. وأوكرانيا تطلب بإجتماع طارئ لـمجلس الأمن
  • معادلة “الحصار بالحصار”.. أبعاد ودلالات التصعيد الجديد في بيان القوات اليمنية
  • إنفوجرافيك | معادلة “الحصار بالحصار”.. أبعاد ودلالات التصعيد الجديد في بيان القوات المسلحة اليمنية
  • “الأمل الأخير”.. نجوم ألعاب القوى الروسية يعلقون على معركة العودة إلى الساحة الدولية