أفريقيا في القمة الأممية.. حضور بحجم هموم وتطلعات القارة
تاريخ النشر: 4th, October 2024 GMT
اختتمت أعمال القمة الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 30 سبتمبر/ أيلول الماضي، وقد وضعت "قمة المستقبل" -التي استمر انعقادها في مدينة نيويورك على مدى أسبوع كامل- محددات تجديد المنظمة الأممية، فيما يخص مستقبل الشعوب.
وكان لقارة أفريقيا حضور بارز في هذه القمة، حيث استعرضت فيها أهم القضايا التي تشغل دول القارة السمراء، وتناول الزعماء في خطاباتهم الأجندات الإقليمية والمحلية للدول المختلفة.
ضمن الأعمال التمهيدية للقمة، تم انتخاب رئيس للدورة الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة من أفريقيا، وهو الكاميروني المخضرم فليمون يانغ، خلفا لسلفه دنيس فرانسيس من ترينداد.
ويعتبر يانغ سياسيا ودبلوماسيا مخضرما عمل فترة طويلة ممثلا لبلاده الكاميرون في عدد من المواقع الوزارية والدبلوماسية، كما عمل رئيسا للجنة الشخصيات الأفريقية البارزة المعنية بفحص الترشيحات للمناصب المهمة في الاتحاد الأفريقي، كما مثل بلاده في العديد من الاجتماعات الإقليمية والدولية.
انطلقت القمة وعلى جدول أعمالها 8 بنود رئيسية، مع بنود فرعية لكل منها بلغت 15 صفحة، وجاءت أفريقيا في البند الثالث من جدول الأعمال تحت شعار "تنمية أفريقيا" من أجل تنمية القارة ولتقييم التقدم المحرز في تنفيذ إستراتيجية التنمية المستدامة وكيفية تحقيق السلام الدائم.
وخاطبت القمة 190 دولة، وكانت أفريقيا كاملة الحضور بـ54 دولة لم يغب أحد، الجميع كان هناك حيث شكلت ما يقرب من ثلث الحضور، ومن بين 71 رئيسا كان هناك 25 من الرؤساء الأفارقة، بما يفوق 35% من جملة الرؤساء الذين تحدثوا في القمة.
وبالجملة، فإن ملكا واحدا و24 رئيسا و14 وزير خارجية و8 رؤساء وزراء و3 نواب رؤساء وممثليْن دائميْن ونائب رئيس وزراء واحد، جميعهم خاطبوا القمة نيابة عن الشعوب الأفريقية.
قمة المستقبل وأهداف الدورة الجديدةانعقدت الدورة الـ79 تحت شعار "لا تتركوا أحدا خلفكم: فلنعمل من أجل السلام والتنمية المستدامة والكرامة الإنسانية للأجيال الحالية والمستقبلية".
وهدفت بشكل رئيسي إلى إعادة تأكيد ميثاق الأمم المتحدة وتنشيط التعددية، وتسريع الجهود الرامية إلى الوفاء بالالتزامات الدولية القائمة، واستعادة الثقة، والاستجابة للتحديات والفرص الناشئة.
وقد سبق ذلك بيومين انعقاد قمة أطلق عليها "قمة المستقبل" لمناقشة التحديات الكبرى التي تواجهها البشرية مجتمعة، ومعالجة تحديات وثغرات الحوكمة العالمية، وخلق إجماع دولي حول كيفية تحسين الحاضر والمستقبل وإنشاء ميثاق للمستقبل يتضمن التمويل والتنمية المستدامة، والسلام والأمن الدوليين، والعلوم والتكنلوجيا والابتكار والتعاون الرقمي، والشباب والأجيال القادمة.
هموم القارة في خطابات الوفودحملت خطابات القادة الأفارقة في القمة عددا من القضايا الرئيسية التي تشغل القارة السمراء على مستوى الإجماع، إضافة إلى القضايا الإقليمية التي تشغل الكتل السياسية والاقتصادية المختلفة، والهموم الخاصة بالدول الأفريقية كل على حدة، وسيطرت على خطاباتهم عدد من القضايا التي تشكل إجماعا في الرأي والإلحاح منها:
إصلاح المنظومة الدوليةلم يخل خطاب من خطابات الزعماء الأفارقة إلا وكان لمناقشة وطرح قضية إصلاح المنظومة الدولية نصيب وافر، فقد أشاروا إلى أنها تواجه خللا جوهريا قد يُفضي لتآكلها ويهدد بقاءها، بفعل غياب الفعالية، وانعدام المساواة وتفشي المعايير المزدوجة، وأن نزاهة الأمم المتحدة وشرعيتها باتت على المحك.
وأكد القادة أن المنظومة الدولية التي بلغ عمرها الثمانين حولا بحاجة إلى إعادة صياغة أجندتها، وأن القصور الذي تعانيه الأمم المتحدة ينبع من الإحجام وعدم الالتزام والتقيد بالمواثيق، وبالتالي فإنه دون دور جوهري لها يسترشد بمبادئ وميثاق الأمم المتحدة، فهي تتحول بذلك إلى منصة غير ذات جدوى، وفقا لأحد رؤساء الوفود.
وقال وزير خارجية النيجر بكاري ياو سانجاري إن ميثاق الأمم المتحدة بلغ 80 عاما، دون أن تُجرى أي إصلاحات على المنظمة الدولية التي تمثل العالم لجعلها منظمة يشعر الجمع بأنه شريك فيها بحيث تتماشى مع النظام العالمي.
وأضاف أنه قد حان وقت مراجعة الميثاق وإعادة تأسيسها، مع التركيز على إصلاح مجلس الأمن الدولي الذي تقوده 5 دول، وهو ما تطرحه القارة بقوة وقد يتحقق إذا ما بذل القادة الأفارقة ما يكفي من جهد من أجل نظام عالمي يضمن السلام والاستقرار.
إصلاح مجلس الأمن وتمثيل أفريقياكانت قضية إصلاح مجلس الأمن الدولي وأساليب عمله قضية محورية في مجمل مناقشات أجندة القمة، وكانت الوفود الأفريقية أكثر تناولا واستفاضة في عرض القضية أكثر من غيرها من عدة زوايا:
أولها، أهمية إصلاح مجلس الأمن الدولي، من أجل تعزيز مكانة وأهمية ودور الأمم المتحدة ومصداقيتها وتوسيعه بحيث يتوقف احتكار الأعضاء دائمي العضوية للمجلس. ثانيا، إزالة الظلم التاريخي الذي وقع على أفريقيا باستبعادها عن المجلس وهي المؤسسة التي تقرر مصير العالم في قضاياه الرئيسية، وجاءت المطالب بإصلاحات شاملة. ثالثا، البعد الذي تتمتع به أفريقيا جيوسياسيا، إذ إنه من غير المعقول أن يتم استبعاد 54 دولة وهي مواطن لـ1.4 مليار إنسان، بينما يُسمح لدولة واحدة باستخدام حق النقض ضد قرارات الدول الأعضاء والبالغة 191 دولة، وذلك من أجل تمثيل يعكس ما عليه العالم اليوم، وليس ما كان عليه قبل 80 عاما.والمقترح الذي دفع به الزعماء الأفارقة أن تنال أفريقيا مقعدين دائمين بكامل الصلاحيات، يتمتعان بحق النقض، ومقعدين آخرين غير دائمين، ويرى القادة الأفارقة أن الأمر أصبح حتميا ويتطلب تصحيح المظالم التاريخية وأن يكون للقارة تمثيل عادل.
وكان الاتحاد الأفريقي قد شكل لجنة سماها "لجنة العشرة" بقيادة جمهورية سيراليون في 2005 بناء على إجماع إيزولويني وإعلان سيرت اللذين فوضا اللجنة لتقديم مشروع أفريقيا في مسألة إصلاح مجلس الأمن الدولي ومطالب القارة السمراء في التمثيل العادل فيه.
لجنة العشر للاتحاد الأفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن تعلن وضع خطة عمل لرفع ما تصفه بـالظلم التاريخي بشأن عضوية القارة السمراء في مجلس الأمن الدولي
إليك أهم نقاطها: https://t.co/6EN8XchENt pic.twitter.com/cljv7h5Got
— Aljazeera.net • الجزيرة نت (@AJArabicnet) June 11, 2024
التضامن مع القضية الفلسطينيةأما بالنسبة للقضية الفلسطينية وإدانة ما يجري من حرب إسرائيلية في غزة، فقد حضرت بشكل كبير في مخاطبات القادة الأفارقة وبشيء من التفاوت، ولم يخل أي من الخطابات من ذكر ما يجري في غزة إلا النذر اليسير تعاطفا مع الفلسطينيين وإدانة لحرب الإبادة الإسرائيلية التي تشنها في تحد سافر للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كما جاء في خطابات بعض الوفود، وطالبوا بالوقف الفوري للحرب.
وتحدث رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا عن العقاب الجماعي الذي تقوم به إسرائيل ضد المدنيين العزل في غزة، وهو ما يصدم إنسانيتنا الجماعية، بحسب قوله.
كما تحدث وزير الخارجية المصري سامح شكري عن العدوان الإسرائيلي على غزة، ووصفه بأنه يمثل وصمة عار حقيقية على جبين المجتمع الدولي، وأن الأولوية يجب أن تتركز على وقف فوري لحمام الدم وبشكل دائم وغير مشروط، والوقوف بحزم أمام محاولة تصفية القضية الفلسطينية بمختلف الوسائل.
وشدد معظم الزعماء الأفارقة على حل الدولتين، ورحبوا بدولة فلسطينية حرة ومستقلة وذات سيادة تعيش بسلام مع جيرانها، واعتماد فسلطين بعضوية كاملة في الأمم المتحدة.
إصلاح المؤسسات المالية الدولية
وجاءت قضية إصلاح المؤسسات المالية كأحد القواسم المشتركة لدى الوفود الأفريقية، فقد كانت سقف المطالب كبيرة ولغة الخطاب قوية، إذ شدد الزعماء الأفارقة على إصلاح الهيكل المالي الدولي، وقواعد عمل مؤسساته المالية لضمان التمثيل العادل للدول النامية في صنع القرارات المتعلقة بالحوكمة الاقتصادية الدولية التي تؤثر على مسار تنميتها الوطنية.
وإضافة إلى تعزيز نظام تجاري متعدد الأطراف، قائم على أسس وقواعد وغير تمييزي ومفتوح وعادل وشامل وشفاف، وأهمية تقديم المساعدات المالية للدول النامية بشروط مواتية.
عبء الديون والتنمية المستدامةتحدث الأفارقة بقلق بالغ عن التنمية المستدامة، باعتبار أن إستراتيجية التنمية المستدامة في الإطار الأممي كان مقدرا لها أن تنجز بحلول 2030.
وأكد عدد من القادة الأفارقة أن القمة الـ79 تنعقد وهم على مسافة 6 سنوات فقط من نهاية الخطة، ولم تتحقق الأهداف المرجوة.
وأشاروا إلى الحاجة الماسة إلى تدابير شاملة، لتخفيف عبء الديون، لتمكين التمويل المستدام، وأنه لا يمكن لبلدان الجنوب العالمي أن تحقق تقدما اقتصاديا ذا مغزى دون تنازلات خاصة ومراجعة عبء ديونها الحالية، ذلك لأن تحدي التمويل لا يزال ماثلا، ويعتبر من أكبر التحديات التي تقوض جهود البلدان النامية في طريق التنفيذ الكامل لخطة التنمية المستدامة 2030، وتحقيق أهدافها الـ17.
تحديات التغيرات المناخيةنالت تداعيات التغيرات المناخية وآثارها حيزا كبيرا في خطابات القادة الأفارقة، لما يمثله من تهديد حقيقي لمستقبل القارة وأجيالها الحالية والمستقبلية، ودعوا إلى تنفيذ مقررات مؤتمرات المناخ بشجاعة وفعالية، خاصة أن التغير المناخي المضطرب أصبح يهدد بعض البلدان والمناطق الساحلية، إذ ينضم النازحون بسبب المناخ إلى النازحين واللاجئين بسبب الحروب.
وطالبت الدول الأفريقية بأن تأخذ البلدان المتقدمة زمام المبادرة كما تنص اتفاقية باريس في السعي لتحقيق صفر انبعاثات، وتقديم الدعم بما في ذلك تمويل البلدان النامية، وتعويض البلدان المتضررة من الانبعاثات بمقدار 100 مليار دولار للتخفيف من الآثار السلبية لتغير المناخ.
وانتقد عدد من القادة الأفارقة قضية فرض العقوبات الأحادية من طرف واحد، التي لا تسهم في الحفاظ على السلام والأمن، وأن البلدان يجب ألا تملي حلولا على الآخرين، لأن الحلول موجودة في البيئة الأفريقية، ودعوا إلى رفض الهيمنة والإكراه والترهيب والتخلي عن التسول وذل المعونات.
كما جاءت مطالب الوصول العادل إلى التكنولوجيا للجميع بما يحقق مصلحة الجميع، وألا تكون احتكارا على الأقلية التي تتحكم في الأغلبية، لأن المستقبل محكوم بالتطور التكنولوجي، وطالبوا بالعدالة والتغلب على الأنانية من أجل تحقيق التضامن والشعور بالمسؤولية الجماعية.
برزت بوضوح منطقتي الساحل والقرن الأفريقي بهموم خاصة، إذ شهدت المنطقة سلسلة من التغييرات في ظل التحديات الأمنية التي عاشتها، وتحدث قادتها عن تطلعاتهم في تحقيق الأمن والاستقرار.
وطرح وزير خارجية النيجر أنهم أسسوا تحالف دول الساحل الثلاثي من أجل مواجهة التحديات المشتركة، كما تحدثوا عن التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة وأهمية إعادة النظر في منهج حل الصراعات في منطقة الساحل.
أما ممثلو شرق أفريقيا، فقد تناولوا الأوضاع الأمنية المضطربة في البحر الأحمر والمنطقة عموما، وما تشكله المنظمات المتطرفة من خطر على المنطقة، وضرورة بذل الجهود لكبحها.
ودعا ممثل إثيوبيا إلى إعادة رسم مسار جديد للمشاركة الشاملة في الأمن البحري من الدول ذات المصلحة على جانبي البحر الأحمر بشكل متساو.
كان الرئيس الأميركي جو بايدن في مقدمة المتحدثين عن دعمهم لأفريقيا في مواجهة وباء الكوليرا الذي اجتاح عددا من الدول الأفريقية، إضافة إلى دعوته مجلس الأمن الدولي للقيام بواجبه تجاه منطقة القرن الأفريقي ومنع تدفقات السلاح إليها.
وتحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الحاجة الماسة لإنهاء الحرب في السودان، كما تناول دعم بلاده للجهود الأفريقية من أجل السلام والاستقرار والتنمية لشعوب القارة، وأنها تعمل مع أفريقيا على أساس مبادئ الشراكة المتساوية والاحترام المتبادل.
كما وتحدث ممثل الاتحاد الأوروبي عن الحرب في السودان، والتي وصفها بكارثة إنسانية هائلة، حيث قتل 20 ألف شخص، ويعيش حوالي 25 مليونا في حالة طارئة، ونزوح نحو 8 ملايين، كما تحدث عن القرن الأفريقي قائلا إنه بأكمله معرضا للفوضى، واقترح أن يكون للقارة مقعدان دائمان وتجهيز آليات عمل لذلك بشكل عاجل.
وهكذا تشكل المشاركة القوية والمطالب الأفريقية الواضحة -التي تأتي في مقدمتها العدالة والإنصاف- علامة فارقة في بحث أفريقيا عن نفسها وموقعها الصحيح الذي تستحقه بعيدا عن الاعتماد على القوى الكبرى، فهل تتكاف دولها لإزالة الظلم التاريخي، أم تظل كفة الميزان مائلة وإلى الأبد؟ وكما قال وزير خارجية النيجر "ويل لأولئك الذين تركوا وراءهم غير القادرين على تأكيد كرامتهم".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات إصلاح مجلس الأمن الدولی وزیر خارجیة النیجر التنمیة المستدامة الزعماء الأفارقة القادة الأفارقة القارة السمراء الأمم المتحدة أفریقیا فی فی خطابات من الدول عدد من من أجل فی غزة
إقرأ أيضاً:
تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان
المقدمة العامة – الإطار والمنهجية
لا يمكن لتقييم سياسة تربوية أن يختزل في مجرّد تعداد مكوّناتها، بل يتطلّب مقاربة صارمة تستند إلى مرجعية قادرة على تجاوز الوصف إلى إصدار حكم تحليلي حول فعالية الإجراءات المتخذة وأثرها.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يستعين هذا التقرير بـ « الإطار المتكامل لتقييم الجودة التربوية »، الذي وضعته مؤسسة أماكن لجودة التعليم. وهو إطار يستلهم أفضل الممارسات الدولية – لاسيما تلك المعتمدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – مع تكييف دقيق مع خصوصيات المنظومة التربوية المغربية، ليوفر بذلك شبكة قراءة صارمة، جامعة في مرجعيتها، محلية في سياقها.
يتشكّل هذا الإطار من أربعة معايير كبرى تضبط مسار تقييمنا. الأوّل، « الملاءمة والمواءمة »، يختبر قدرة السياسة العمومية على الاستجابة لحاجات المواطنين الفعلية والانضباط إلى الأهداف الاستراتيجية الوطنية. والثاني، « الفعالية والنجاعة »، يقيس مدى بلوغ النتائج المرجوة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المسخّرة. أمّا الثالث، « جودة المسارات والتنفيذ »، فيفحص الحكامة والتنسيق وتمكين الفاعلين. ويأتي الرابع، « الاستدامة وقابلية التعميم »، ليقيّم قدرة السياسة على إحداث آثار دائمة والامتداد إلى مجالات ترابية أخرى.
تتفرّع بنية الإطار إلى أربعة أبعاد استراتيجية كبرى: الرؤية والتخطيط؛ والإنتاج البيداغوجي والتنظيمي؛ والتتبّع والتقييم وضمان الجودة؛ والتكيّف الاستراتيجي والتحوّل. وتنقسم هذه الأبعاد إلى ستة عشر مجالاً، تضم كلٌّ منها معاييرَ ومبادئَ توجيهيةً ومؤشراتٍ محدَّدة، تشكّل مجتمعةً الهيكل المعياري لعملية التدقيق.
تعتمد منهجية إجراء هذا التدقيق على أربع مراحل متعاقبة. تقوم الأولى على االتحكم في لإطار المرجعي، بتفكيك كل مؤشر لتحديد الأدلة المنتظرة، ثم رسم خريطة للسياسة العمومية لاستجلاء آليات اشتغالها. أمّا المرحلة الثانية فهي جمع الأدلة، باستخدام تقنيات التثليث الصارم: تحليل وثائقي معمّق للنصوص التشريعية والأدلة والتقارير؛ ومقابلات شبه موجّهة مع المصمّمين والفاعلين الميدانيين؛ وملاحظات مباشرة للمشاريع قيد التنفيذ. وتخضع المرحلة الثالثة الأدلة المجمّعة لحكم المطابقة، بمقارنتها بمقتضيات الإطار وفق سلم واضح وعملي: مطابق، مطابق جزئياً، غير مطابق، أو غير قابل للتطبيق. وأخيراً، تخلّص المرحلة الرابعة، وهي صياغة التقرير، هذه الوقائع في تحليل مفصّل، مزوّد بجداول قيادية، وتُفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ، محددة الأولويات، وموجّهة بدقة.
يغطي التقييم العقد الممتد بين 2015 و2025، وهي فترة محورية شهدت تزويد المنظومة التربوية المغربية بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي تمثل ترجمتها القانونية في القانون الإطار 51.17. وطموحنا، من خلال هذا المسعى المنهجي الشفاف، هو تجاوز مجرّد الرصد إلى توفير بوصلة موثوقة لصنّاع القرار، تمكنهم من تحديد فجوات المطابقة، واستثمار نقاط القوة، وتصحيح المسارات. والرهان كبير: إنه ليس سوى الإسهام في بناء مدرسة أكثر إنصافاً، وأكثر فعالية، وماضية قدماً نحو المستقبل بكل ثبات.
المعيار الأول: الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم
تمرّ المدرسة المغربية اليوم بمرحلة دقيقة، بل حرجة. فقلّما شهد نظامٌ تربويٌّ هذا الكمَّ من الإصلاحات، أو نظّم هذا العددَ من الندوات، أو حشدَ هذا الفيضَ من الخبراء لإعادة هندسته. غير أن المفارقة التي تجرح في الصميم هي أن الهوّة بين طموح النصوص وإيقاع الواقع لم تكن بهذا الاتساع من قبل. إن تقييم المعيار الأوّل من سياستنا التربوية ــ معيار « الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم » ــ يلقي الضوء على معضلة جوهرية: كيف نوفّق بين الكمال الشكلي لوثائقنا وفوضى الميدان المركّبة؟ والإجابة، مهما بدت قاسية، تفضي إلى حصيلة رمادية تتطلب شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الإصلاح.
إغراء النجاح الشكلي
من باب الإنصاف أن نعترف بالجهد المبذول. فقد زوّد المغرب نفسه، خلال العقد الأخير، بهندسة استراتيجية استثنائية. فلم تكن رؤية 2015-2030 نتاج غرفة مغلقة، بل خرجت إلى الوجود عقب مسلسل استشاري غير مسبوق: أكثر من أربعة وستين ألف مشارك، وندوات عمّت جهات المملكة الاثنتي عشرة، واستماع رسمي إلى ستٍ وعشرين هيئة نقابية وجمعوية. على الصعيد الإجرائي، كان الجهد باهراً، وأثبت المغرب من خلاله أنه قادر على كسر جدران الإدارة المنغلقة نحو فضاء تشاركي أرحب.
وهذا الانفتاح ينعكس بوضوح في النصوص القانونية. فالقانون الإطار 51.17، الذي يُعدّ الذراع التنفيذية للرؤية، ليس مجرد تصريح نوايا عابر. لقد تكررت فيه مفردات « الإنصاف » و »المواطنة » و »العدالة الاجتماعية » أكثر من أربعين مرّة. بل إن المادة الثالثة تنص صراحة على أن المنظومة التربوية مؤسّسة على قيم الهوية المغربية والمواطنة الديمقراطية. أما الكتب المدرسية، لاسيما في التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، فقد أعيد بناؤها لتحتضن مفاهيم التسامح والعيش المشترك. وبدورها، جعلت خارطة الطريق 2022-2026 من « الكفايات العرضية » ركيزةً أساسية، واضعة استقلالية المتعلم وشعوره بالانتماء في صميم أهدافها.
على الورق، إذن، تبدو المنظومة عصية على النقد. بل إن المغرب زوّدها بآليات تتبع مذهلة، من نظام « مسار » المعلوماتي، إلى تقارير المجلس الأعلى للتربية، مروراً بـ »المؤشر الوطني لتنمية التعليم » الذي يضم مئةً وسبعةً وخمسين مؤشراً مركباً لقيادة مسار الإصلاح. لقد غيّرنا البرمجيات النظرية، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أننا لم نُحدث بعدُ برمجيات الفاعلين في الميدان.
سراب المشاركة الحقيقية
غير أن المطبّ الأول، وهو من أكثرها خطراً، يكمن في طبيعة هذه « الاستشارة » ذاتها. ذلك أن الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى القانون الإطار عمل كمنخل سياسي. فإذا كانت المبادئ الكبرى للإنصاف محلّ إجماع، فإن الملفات الشائكة ــ من لغات التدريس إلى مجانية التعليم العالي، مروراً بوضعية هيئة التدريس ــ أبرزت صدوعاً عميقة بين القمة والقاعدة. لقد أُصغِي إلى مساهمات الفاعلين المحليين، لكنها لم تلقَ، في مواضع كثيرة، الأثر المنشود. وينقصنا بشدة ذلك « السجل التتبعي للمساهمات » الذي يوضح مصير كل اقتراح، ويُبقي النقاش شفافاً.
وغياب هذه الشفافية يترك آثاراً ملموسة. فالاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ولا سيما الإضرابات الواسعة في عامي 2023 و2024 حول « النظام الأساسي الموحّد » للأساتذة، ليست مجرد بوادر عابرة، بل هي مقياس حرارة لتوتر متراكم. فقرابة 45% من المدرّسين، بحسب استقصاءات الهيئة الوطنية للتقييم، يرون أن المناخ المدرسي لم يعد صالحاً لنقل القيم. لقد استوفينا الشكل الاستشاري، لكن الشعور بـ »الملكية المشتركة » للإصلاح ظلّ سراباً. استشرنا، لكننا لم نبني معاً، والفارق شاسع، وثمنه باهظ على صعيد السلم الاجتماعي.
فجوة الممارسة والإدراك
لكن الجرح الأعمق يكمن في طبقة الإدراك والممارسة. فالمؤشر الثالث من تقييمنا، والمتعلق برضا الفاعلين، لا يحتمل الجدل. فبينما تعلن النصوص الإدماج والمساواة، يعيش الفاعلون واقعاً متعدّد السرعات. الأرقام هنا تحكي القصة. فبحسب نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب لسنة 2022، يصرح ربع التلاميذ المغاربة (25%) بأنهم يشعرون بأنهم « غرباء » أو منبوذون في مدارسهم، مقابل متوسط 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إن هذا الشعور بالانفصال هو بمثابة ناقوس خطر.
ويقترن ذلك بهجرة صامتة لكنها جارفة نحو القطاع الخاص، الذي يستقطب الآن أكثر من 17% من المتمدرسين، مع نسب تتجاوز 70% في المدن الكبرى. هذه ليست مجرد خيارات بيداغوجية، بل هي تصويتٌ بالرفض من طرف الأسر، التي لم تعد تثق في قدرة المدرسة العمومية على النهوض بوظيفتها الاجتماعية. أما فيما يخص التربية الدامجة للأطفال ذوي الإعاقة، ورغم جمالية خططها، فإن الواقع يبقى قاسياً: النقص الفادح في المرافقين والمعدّات المعمارية يحول دون تجسيد الإدماج على أرض الواقع.
هناك إذن هُوّة سحيقة بين خطاب « السلطة » وممارسة « الميدان ». فخطاب القيم، في كثير من الأحيان، يُقرأ من طرف المدرسين كعبء إضافي لا تصحبه وسائل مرافقة. نقيس المعرفة النظرية بالقيم، لكننا نغفل الممارسة المدنية الفعلية؛ نغرق الكتب المدرسية بالمفاهيم المجردة، لكننا لا نقيس الأثر السلوكي على المتعلمين.
قيادة بعوائق مؤسسية
كيف نفسّر هذا الانفصال المزمن؟ هنا يأتي دور المؤشر الرابع، المتعلق بالتتبّع والمساءلة. يمتلك المغرب أدوات قيادة من الطراز الأول، لكن استخدامها معطّل بعوائق مؤسسية. تقارير الهيئة الوطنية للتقييم، التي من المفترض أن ترشد القرار في الزمن الفعلي، غالباً ما تُنشر بتأخر سنتين، مما يجردها من قيمتها التصحيحية. والأخطر من ذلك، أنه منذ 2023، أصبح حياد التقييم موضع تشكيك من الفاعل الحكومي، إذ أُسندت مهمة تقييم « المدارس الرائدة » إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز حكومي، عوض الهيئة المستقلة. فكيف يمكن القيادة بثقة حين يكون المراقب في قارب الملاح نفسه؟
النتائج تتحدث بوضوح. هدف تعميم التعليم الأولي بنسبة 100% بحلول 2028 يبدو بعيد المنال، إذ لم تتجاوز النسبة 70,4% في 2024. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، ارتفع بأكثر من 56 ألف تلميذ بين 2021 و2024. وفي مجال إتقان المهارات الأساسية، فإن التشخيص مذهل: أقل من 40% من التلاميذ يبلغون العتبة المطلوبة في القراءة، بينما كانت الخارطة تطمح إلى 82% بحلول 2026. نتقدم بثبات على مستوى المدخلات ــ البنايات، التوظيفات، الميزانيات ــ لكننا نفشل فشلاً ذريعاً في بلوغ الأثر الحقيقي على جودة التعلّمات.
الخروج من تضخم النصوص
في نهاية هذا التحليل، لا مفر من حكم قاس ولكن صادق: المعيار الأوّل هو، في مجمله، مُحقَّقٌ جزئياً. قوة المغرب تكمن في قدرته على الصياغة والتوثيق والإعلان، أما نقطة ضعفه الكبرى فتكمن في تعثره أمام تحويل الأقوال إلى أفعال، وتجسيد القيم في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية.
إننا نعاني من « تضخم نصي » مفرط. ظننا أن التصريح بالعدالة الاجتماعية يكفي لجعلها واقعاً ملموساً. ونسينا أن الثقة لا تنتصب بالمراسيم، بل تُربح بالاستمرارية في الفعل، وبالإنصات الصادق، وبالتقييم النزيه. إن مدرسة تتبنى المواطنة وتعامل أساتذتها بارتياب، وتعلن الإنصاف وتتسامح مع نظام ثنائي السرعات، هي مدرسة تحكم على نفسها بالريبة من طرف مستعمليها.
إن علاج هذا الجرح لا يتطلب تقريراً جديداً أو فصلاً إضافياً في القانون، بل يستوجب انتفاضة سياسية شجاعة: إعادة الاعتبار لحياد التقييم، ومنح الفاعلين الميدانيين وسائلهم الحقيقية، وقبل كل شيء، الإقرار بأن القيم لا تدرّس في الكتب وحدها، بل تُعاش في ساحات المدارس، وفي العلاقة التربوية، وفي اتساق الخطاب مع السلوك.
إن إصلاح مدرستنا ليس مهمةً للخبراء وحدهم، ولا يمكن اختزاله في مسائل معيارية جافة. إنه مرهون بمستقبل عقدنا الاجتماعي. فإذا كنا نريد للمدرسة المغربية أن تستعيد مكانتها بوتقة للإنصاف والنهوض، فعلينا أن نتعلم الإنصات مجدداً، وأن نقيم بنزاهة، وأن نصحح مسارنا استناداً إلى حقائق الميدان لا إلى أوهام المكاتب. الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح.