أميركا تطوّر قنبلة جديدة خارقة للتحصينات.. لماذا الآن؟
تاريخ النشر: 1st, December 2025 GMT
فجر 22 يونيو/حزيران 2025، أطلقت القاذفات الشبحية الأميركية طراز "بي-2 سبيريت" وابلا من القنابل الخارقة للتحصينات "جي بي يو 57" (GBU-57)، على منشأة فوردو النووية الإيرانية، المحصّنة بعمق داخل جبل من الحجر الكلسي، في أول استخدام لهذه القنبلة في قتال حقيقي، بعد سنوات من تطويرها وتجاربها فقط.
وعلى الرغم من ضخامة تلك القنابل، إذ يبلغ وزن الواحدة نحو 13 ألف كيلوغرام، فقد بدت التحصينات الجبلية عصيّة على التدمير النهائي؛ إذ أشارت تقارير إلى أن التقييمات الاستخباراتية الأميركية الأولية لا تتوافق مع الرواية الرسمية التي أعلنتها واشنطن عقب الضربة.
فبينما أكّد الرئيس دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث أن المنشآت النووية الإيرانية قد "دُمّرت بالكامل"، كشف تقييم لـ"وكالة الاستخبارات الدفاعية" (DIA) أن الضربات لم تُزل المشروع من جذوره، بل أحدثت أضرارا جسيمة أدّت إلى تأخيره لعدة أشهر.
كما أبلغت إدارة ترامب مجلس الأمن الدولي لاحقا، أن الهجوم "أضعف" البرنامج النووي الإيراني، في صياغة أكثر حذرا بكثير من التصريحات العلنية التي أعقبت الضربة.
هذا الاختلاف في مستوى التصريحات يعكس مدى الشكوك داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، حول ما إذا كانت القنابل الخارقة للتحصينات قد بلغت فعلا قلب المرافق المدفونة داخل جبل فوردو، وذلك في ظل تكتّم طهران عن إظهار مدى الضرر الحقيقي الذي لحق بالمنشآت النووية التي تم استهدافها.
اختبار أول غير مُقنعمن جهة أخرى، تداولت وسائل إعلام أميركية ودولية، بعد ساعات قليلة من انتشار صور الفوهات العميقة التي خلّفتها الضربة في فوردو ونطنز، معلومات لافتة، تشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل منذ مدة على تطوير خليفة للقنبلة المستخدمة في الهجوم، وهو برنامج "المخترِق من الجيل التالي" (NGP).
هذا التزامن مع الجدل الذي أثارته نتائج الضربة بدا أكثر من مجرد مصادفة، إذ جرى تقديم أخبار السلاح الجديد بوصفها امتدادا مباشرا للسياق الذي فتحته العملية، وكأن إعادة تسليط الضوء عليه يلمّح ضمنا إلى أن "جي بي يو-57"، على الرغم من قوتها وقدرتها على اختراق طبقات سميكة من الصخور، لم تُظهر الأداء الحاسم الذي كان مأمولا في مواجهة منشأة محصنة على غرار فوردو.
إعلانوعلى الرغم من أن أغلب تفاصيل برنامج "مُخترِق الجيل الجديد"، تعود إلى إشعار تعاقد صدر قبل أكثر من عام، فإن إعادة تداولها فور الضربة منحها طابعا تفسيريا إضافيا. فالمعلومات التي أُعيد إبرازها أوحت بأن واشنطن كانت تُعِدّ بالفعل لسلاح يسد فجوة ظهرت بوضوح في مسرح العمليات، وأن الاستخدام القتالي الأول لـ"جي بي يو-57″، كشف حدودا معينة في قدرتها الفعلية على التعامل مع منشآت مدفونة عميقا داخل الجبال.
ويتقاطع ذلك مع ما أوردته تقارير عدة حول قرار تسريع البرنامج في أعقاب الضربة الإيرانية، مشيرةً إلى أن أول استخدام عملياتي للقنبلة بعد سنوات من الاكتفاء بتجارب الإطلاق الحي، كشف عن قيود مهمة في أدائها.
كما أوضحت التقارير أن الوصول إلى نقطة واحدة في فوردو تطلّب 6 ضربات متتابعة على الإحداثيات نفسها. فالقنابل الأولى أزالت الطبقات العليا من الصخر والخرسانة، في حين واصلت القنابل اللاحقة الحفر تدريجيا مستفيدة من ثقب كل ضربة سابقة، إلى أن بلغت قلب المنشأة المدفونة على عمق كبير.
وقد اعتُبر هذا دليلا على صعوبة التعامل مع منشآت محصّنة داخل جبال كثيفة، وعلى الحاجة إلى سلاح أخف وزنا وأكثر قدرة على الاختراق العميق، بدون الاعتماد على هذا العدد الكبير من القنابل في الهجوم الواحد.
في هذا السياق، بدا الحديث عن القنبلة الجديدة أقرب إلى إقرار غير مباشر بأن الضربة، مهما بلغت شدتها، لم تُنهِ التحدّي الذي تمثّله التحصينات الإيرانية الثقيلة، وأن الولايات المتحدة تميل اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى تطوير جيل أشد ذكاء وفاعلية من الأسلحة الخارقة للتحصينات.
برزت الحاجة إلى تطوير أسلحة قادرة على ضرب أهداف مُحصّنة تحت الأرض خلال حرب الخليج عام 1991. ففي ذلك الحين، ابتكرت القوات الأميركية على عجل قنبلة "جي بي يو-28"، التي بلغ وزنها نحو 2.3 طن، بغرض اختراق ملاجئ القيادة العراقية المتوارية في باطن الأرض.
فضلا عن ذلك، طوّر سلاح الجو الأميركي نماذج أكثر دقة مع نهاية التسعينيات، مثل "جي بي يو-37″، القادرة على ضرب أهداف تحت الأرض حتى في ظروف جوية معقدة أو منخفضة الرؤية.
أما على الجانب النووي، فأدخلت واشنطن إلى الخدمة القنبلة "بي 61-11" نهاية القرن الماضي، بوصفها أول قنبلة نووية معدّة خصيصا للاختراق الأرضي. إذ جرى تعديل إحدى نسخ عائلة "بي 61″، لتزويدها برأس خارق للهيكل قادر على الانفجار تحت السطح مباشرة.
وبلغ الحد الأقصى لقوة هذه القنبلة نحو 400 كيلوطن، وهو ما عوّض محدودية دقة تسديدها بقوة تفجير هائلة. وعلى الرغم من أن اختراقها الفعلي للأرض لا يتجاوز بضعة أمتار، فإن تفجيرها تحت السطح يضاعف تأثير الضرر، بحيث يعادل تأثير قنبلة أكثر قوة في حال انفجرت على السطح.
إعلانومع دخول الألفية الجديدة، اتّسعت دائرة النقاش داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، حول جدوى تطوير "مُخترقات نووية فائقة" قادرة على الوصول إلى أعماق أكبر، من تلك التي تتيحها القنبلة النووية الاختراقية "بي 61-11". وبرزت آنذاك مقترحات لتعديل القنبلة النووية الثقيلة "بي 83″، بحيث تصبح مخترقا أرضيّا قادرا على النفاذ داخل طبقات صخرية أكثر صلابة. غير أنّ هذه المشاريع اصطدمت باعتراضات حادّة، تمحورت حول مخاطر التسرب الإشعاعي، قبل أن يغلق هذا الباب نهائيا عام 2005.
وبعد إغلاق هذا المسار النووي، وجّهت وزارة الحرب جهودها نحو تطوير ذخائر تقليدية فائقة الثقل، أبرزها "جي بي يو-57″، التي مُنح عقد تطويرها لشركة بوينغ عام 2007. وبذلك أصبح لدى البنتاغون نمطان مختلفان للتعامل مع التحصينات العميقة، أولهما تقليدي شديد القوة يصلح للعمليات المحدودة (جي بي يو-57)، والآخر نووي تكتيكي مثل "بي 61-11" للسيناريوهات الأكثر تعقيدا.
كيف تعمل القنابل الخارقة للتحصينات؟ولكي نفهم كيف تؤدي هذه القنابل مهامها، ينبغي البدء من لحظة سقوطها من القاذفة. فمنذ خروجها من حاضنتها تبدأ رحلة معقّدة لضبط المسار، فبينما تكتسب الذخيرة سرعتها الهائلة إثر سقوطها الحُر، يتم مباشرة تفعيل أنظمة التوجيه الدقيقة للتحكم بمسارها.
وتعتمد القنابل الخارقة للتحصينات في ذلك على منظومة مزدوجة، تجمع بين نظام القصور الذاتي (INS) ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، بما يضمن بقاءها على خط الاستهداف المراد لها، حتى لو كان الهدف مدخل نفق ضيق أو سقف منشأة مدفونة تحت طبقات كثيفة من الصخور.
هذه الدقة تعدّ حاسمة في عمليات استهداف التحصينات العميقة، فأي انحراف بسيط عن المسار قد يؤدي إلى انفجار القنبلة على السطح أو في طبقة صخرية عليا، بدل الوصول إلى النقطة الحساسة المراد تدميرها داخل البنية الجوفية، وهذا الانحراف سيعني بالضرورة فشل المهمة.
وبعد مرحلة التوجيه تبدأ المعركة الحقيقية مع الحصن. فجسم القنبلة مصنوع من فولاذ عالي الصلابة قادر على تحمّل الارتطام العنيف بسرعة كبيرة، ثم الاستمرار في التقدّم داخل الطبقات الصخرية أو الخرسانية قبل الانفجار. كما أن ضخامتها تمنحها طاقة حركية هائلة عند السقوط. ومع تصميمها الانسيابي وهيكلها الفولاذي، تصبح القنبلة أشبه بمثقاب عملاق يندفع داخل طبقة الأرض العليا قبل أن يبدأ عمل المتفجّر الداخلي.
وعندما تخترق القنبلة السطح، يعمل صاعق ذكي (مُبرمج مُسبقا) على تأخير انفجار الرأس الحربي لبضعة أجزاء من الثانية، بما يسمح بوصول القنبلة إلى عمق كاف داخل التحصين قبل الانفجار. هذا التأخير يعدّ أهم ما في التقنية، فبدل انفجار على السطح يبدّد معظم طاقته في الهواء، فإن الانفجار الجوفي يولّد موجة ضغط زلزالية تنتشر داخل الصخور والأنفاق وتفتّت الهياكل الخرسانية من الداخل نحو الخارج.
وتختلف حدود الاختراق بحسب نوع التربة وسماكة الصخر. فبحسب التقديرات المنشورة، تستطيع "جي بي يو-57" اختراق ما يصل إلى 18 مترا من الخرسانة المسلحة، أو نحو 60 مترا من التربة المضغوطة أو الحجر الجيري قبل أن تنفجر، وهي قدرة لا يمكن لأي ذخيرة جوية أصغر توفيرها.
ومع ذلك، فهذه القدرة ليست مطلقة، فالمنشآت الأكثر عمقا، والتي تصل إلى 80 مترا أو أكثر داخل جبل، قد تصمد جزئيا حتى بعد ضربة مباشرة، وهو ما يفسّر لماذا تلجأ القوات الأميركية في بعض الحالات، إلى إسقاط عدة قنابل على النقطة نفسها لتعميق أثر الصدمة الانفجارية.
فيما يتصل بالقنبلة الجديدة التي تعتزم واشنطن تطويرها، فمن المفترض ألا يتجاوز وزنها 10 أطنان، أي أقل بنحو 25% من وزن القنبلة الحالية.
إعلانهذا التخفيض في الوزن لا يعدّ خيارا هندسيا فحسب، بل ضرورة عملياتية أيضا، إذ تهدف الولايات المتحدة إلى امتلاك ذخيرة اختراق أرضي، يمكن دمجها مع قاذفتها الشبحية الجديدة "بي-21 رايدر"، التي لا تستطيع حمل قنبلتين من طراز "جي بي يو-57″، على غرار "بي-2″، كما أن ذلك قد يُمكّنها أيضا من استخدام القنبلة الجديدة مع طائرات أصغر حجما.
وفضلا عمّا يهدف إليه التصميم الجديد من توسيع قابلية حمل القنبلة على عدد أكبر من الطائرات، وزيادة مدى استخدامها العملياتي، يدرس المسؤولون إمكانية تزويدها بمحرك صاروخي يمنحها قدرة أكبر على الاختراق، ويتيح إطلاقها من مسافات أبعد بكثير من الوضع الحالي، الأمر الذي يقلّل بشكل ملحوظ من تعرض الطائرات أو منصات الإطلاق لتهديدات الدفاعات الجوية المتقدمة.
وبذلك، تتحول القنبلة الجديدة من مقاربة "القوة الضخمة"، التي تمثّلها "جي بي يو-57″، إلى مقاربة "القوة الذكية"، المعتمدة على دقة التوجيه وفعالية التصميم بدلا من زيادة الكتلة وحدها. فالمرونة في الوزن تعني مدى أوسع للطائرة وقدرة على حمل ذخائر مرافقة واحتمال إدماج السلاح في عمليات أشد تعقيدا، تتطلب اختراقا صامتا بدون الاقتراب الشديد من الهدف، وهي نقاط حاسمة في سيناريوهات صراع مستقبلية مع إيران أو كوريا الشمالية أو الصين.
ووفق ما أعلنته شركة "الأبحاث التطبيقية" الأميركية (ARA)، المسؤولة عن تطوير القنبلة الجديدة والمتخصصة في صناعات مقذوفات الاختراق الأرضية، فإن مخترِق الجيل التالي لن يكون مجرد نسخة مخففة من "جي بي يو-57″، بل سلاحا جديدا بالكامل، سيُصمَّم ليجمع بين قدرة الاختراق وقوة الانفجار الداخلي وقدرات التشْظية، في خليط واحد قادر على التعامل مع الطبقات الصخرية الأشد صلابة. وسيجري اختبار نماذج مصغرة وكاملة الحجم خلال فترة تتراوح بين 18 و24 شهرا، في إطار تقييم شامل لقدرة السلاح على استهداف منشآت تصل إلى "مئات الأمتار" تحت سطح الأرض.
وتلعب بوينغ (المُصنّعة الحالية للقنبلة) دورا رئيسا كذلك في المشروع الجديد، إذ تتولى تطوير ما يُعرف بـ "ذيل التوجيه". ويُنتظر أن يشتمل هذا الذيل على منظومة ملاحة قادرة على العمل في بيئات تُعطَّل فيها إشارات " تحديد الموقع العالمي" بالكامل، وهي سمة تزداد أهميتها مع احتمال المواجهة مع خصوم يمتلكون قدرات تشويش متقدمة.
هذا التركيز على "الصمود الملاحي" يعكس رؤية البنتاغون القائمة على أن مبدأ القوة وحده لا يكفي، إذ لا بد من إيصال القنبلة إلى نقطة الضعف داخل البنية الجوفية، وبدقة عالية.
سعي الولايات المتحدة إلى تطوير قنبلة جديدة خارقة للتحصينات، يعكس إدراكها المتزايد بأن التحدّي لم يعد مرتبطا بإيران وحدها، بل ببنية كاملة من الدفاعات الجوفية التي يبنيها الخصوم. فهذه الدول فهمت مبكرا أن التفوق الجوي الأميركي يمكن الالتفاف عليه بالنزول عميقا تحت الأرض، وأن العمق نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة دفاع فعّالة تحدّ من قدرة واشنطن على ضرب الأهداف الحساسة.
ففضلا عن إيران، تورد تقارير صحفية واستخبارية أن كوريا الشمالية بنت ما يشبه "دولة تحت الأرض"، من شبكات أنفاق وقواعد صواريخ وثكنات بعمق يفوق 100 متر. بل إن شبكة مترو بيونغ يانغ نفسها أُنشئت على عمق مماثل، لتعمل كمخبأ ضخم للسكان والقيادة عند الحاجة.
الصين بدورها، شيّدت شبكة هائلة تُعرف بـ"السور العظيم تحت الأرض" وهي شبكة أنفاق معقدة تمتد لآلاف الكيلومترات، يقال إنها مخصصة لإخفاء تحركات منصات الصواريخ الباليستية عابرة القارات وإطلاقها من مواقع سرية. وفي السنوات الأخيرة، شيّدت الصين حقولا جديدة لصوامع صواريخ باليستية عابرة للقارات في شمالي البلاد، كما بنت منشآت قيادة وسيطرة إستراتيجية في أعماق الجبال لحماية قيادتها النووية.
هذا الانتشار الواسع تحت الأرض، يعني أن أي خصم يفكر في تحييد قوة الصين، سيتوجب عليه التعامل مع مدن عسكرية تحت الأرض، وهي مهمة شبه مستحيلة بدون أسلحة مصممة لهذا الغرض.
أما روسيا، فتعدّ رائدة هذا النهج منذ الحرب الباردة، إذ تحتفظ بمنشآت قيادة نووية محصنة في جبال الأورال، مثل كوسفينسكي كامين ويامانتاو، ومصفوفات صوامع قادرة على تحمل ضربات تقليدية أو نووية منخفضة القوة. ويُعتقد أن هذه المنشآت المبنية على عمقٍ هائل، كانت السبب الرئيسي وراء تطوير قنبلة "بي 61-11" من جانب الأميركيين. ففكرة وجود مركز قيادة روسي محمي بمئات الأمتار من الغرانيت، شكّلت كابوسا للخطط الحربية الأميركية، وهذا دفعها لإيجاد وسيلة لاختراقه إذا لزم الأمر.
إعلانهكذا يبدو أن واشنطن لا تطوّر قنبلة خارقة جديدة لرفع كفاءتها العسكرية فحسب، بل لإعادة تشكيل ميزان الردع، في بيئة أصبح العمق الجيولوجي فيها جزءا من معادلة القوة. فالخصوم، عبر نقل المنشآت الحساسة إلى باطن الأرض، يجعلون أي عملية استهداف تقليدية مكلفة وغير مضمونة. ولذلك، فإن تطوير قنبلة أكثر خفة ودقة وقدرة على النفاذ العميق، يهدف قبل كل شيء إلى كسر شعور الحصانة الجبلية الذي يتراكم لدى هذه الدول.
غير أن إدخال سلاح اختراقي أقوى إلى الميدان لن يمرّ بلا مقاومة. ففي المقابل، ستسعى القوى المنافسة إلى تعميق منشآتها أكثر، وتوزيعها على مواقع متعددة. فربما يحفّز هذا المسار سباقا خفيا جديدا تحت الأرض، بين سلاح قادر على بلوغ الهدف، وهدف يسعى إلى الاختفاء أعمق فأعمق. فإذا ما كانت واشنطن لا تقبل بوجود ملاذات محصّنة خارج متناول قوتها، فإن خصومها بدورهم سيحاولون البحث عن حلول في سباق عمق يبدو بلا نهاية واضحة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات أبعاد القنابل الخارقة للتحصینات الولایات المتحدة خارقة للتحصینات على الرغم من التعامل مع تحت الأرض قادرة على جی بی یو 57 قادر على ر قنبلة إلى أن
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.