عربي21:
2026-07-24@06:56:25 GMT

راسك لتحت (قصة قصيرة من وحي المعركة)

تاريخ النشر: 8th, October 2024 GMT

أمعن في السّير بدءا من منتصف الليل بهمّة متقدة عالية وعزم من حديد، خرج من ضجيج الحياة وأضوائها إلى ليل الجبل البهيم، صار وحيدا مع الليل، كم هو عاشق لهذه الصحبة العزيزة، فضاؤك مفتوح على ملك السماوات والأرض، هناك خنقوا لك فضاءك وجعلوك في سجن ضيّق بليد وحشروا معك نفر من الناس، كلّ يغنّي على مأساته ويعزف لحنه الحزين، لتختلط الأحزان مع الأشواق والحنين فتفجر بركانا من ألم.

كان شريط ذاكرته الذي امتدّ على مساحة ستة شهور زمنية قريبة قضاها في سجونهم يلحّ عليه إلحاحا شديدا:

"راسك لتحت" أكثر عبارة خرقت رأسي، ممنوع أن ترفع رأسك، عليك أن تسير كما الدابّة رأسها للأرض، إذا اضطررت للخروج إلى المحكمة أو للعيادة أو للنقل من غرفة أو قسم أو سجن، طبعا دون أن يخبروك إلى أين هذا السفر البغيض، فستسمع هذه العبارة: "رأسك لتحت"، والويل لهذا الرأس إن ارتفع أو رفع بصره إلى أعلى ولو قليلا، ستغامر حينها بحياتك، ستلعب العصيّ على رأسك، وسيدعس الشداد الغلاظ في بطنك، قد تنجو منها وقد تصبح شهيدا. وقد تُكسر أضلاع من صدرك فتعود لزنزانتك مهيضا أو كسيحا موجوعا لا تحظى بحبة مسكّن أو أكمول لتُهدئ من روع آلامك.

حبسة من ستة شهور بعد معركة طوفان الأقصى كانت له بمثابة ستين سنة، تلقى إبراهيم ابن الثلاثين خريفا عاشها في كنف الاحتلال الصهيوني البغيض كل صنوف التنكيل والمهانة، ذاق من أشكالها وألوانها ما لم يخطر على بال أوسع الناس خيالا. حُبس عدة مرّات كانت تمرّ خفيفة يسيرة، أمّا هذه الحبسة فكانت ثقيلة ثقل الجبال، عسيرة عسر الشدائد العاتية، كسروا ريشا في صدره عندما انقضّوا عليه وهو مكبّل من يديه وقدميه، لأنه لم يخفض رأسه عندما نعق عليه أحدهم: "راسك لتحت". وجهه الحنطي الأسمر الناعم أصبح أزرقا كالحا شقّت به الأخاديد طريقا لها، طارت من أسنانه ثناياها وانهدل جبينه عن إحدى عينيه، أربعة شهور مرّت وهو غارق بآلامه، ثم بدأت الأوجاع أحيانا تهجع أو تأخذ لها قسطا من الراحة فتأخذه سنة من النوم.

كان هناك ضابط يصدر التوجيهات اللعينة وأوامر التعذيب الفاشية، يحمل سحنة الرجل الأبيض بكل ما تحمل من عنصرية بغيضة، كان إبراهيم يراه يجمع كل قوى الشر الذي ذكرها التاريخ في رجل واحد، مركّب تختلط في تركيبته كل قوى التوحّش والإجرام من الصهيونية وحتى النازية والأمريكية والصليبية والمغولية وو.. إحدى مرّات القمع بعد تكسير كلّ من في القسم وإسالة الدماء العزيزة في ساحة القسم، لم يعد هناك لإبراهيم ما يخسره، كان هذا الضابط يقف متفرّجا على ما تفعله قواته الباسلة، ينظر بعيون شامتة، يودّ لو يحقّق أعلى درجات المتعة فيما يرى ويشاهد كأنّه في حفل عرس لأعزّ أحبابه، أراد المزيد من المتعة فأشار إلى جنده أن يدفعوا له إبراهيم صاحبنا إليه.

عق بسخرية واستعراض:

- سمحت لك أن ترفع رأسك، قل لي ما رأيك فيما فعلته حماس؟

نظر أبراهيم إليه شزرا بطرف عينيه وهتف بنبرة هادئة:

- فعلت ما يجب أن يُفعل مع الاحتلال.

- ولكنها قتلت واغتصبت نساء وأطفال؟

- هذا وفق دعايتكم الكاذبة، لم يثبته أحد، أمّا ما هو مثبت ما يفعله جيشكم فينا من نكبة 48 إلى غزة هذه الأيام، كم مجزرة فعلتم؟

- المشكلة فيكم، تعرف المثل العربي "الكف لا يناطح مخرز"؟ أنتم مصرّون على مناطحة المخرز، مخرزنا ماض ولن تقدروا عليه.

- إذا هو منطق القوّة.

- طبعا القوّة، وهل هناك أحلى من القوّة، هب لو أن الأدوار تبدّلت ماذا تفعلون بنا؟

- لا يمكن أن نعذّبكم هذا العذاب ولا عشر عشره، وقد رأيت الأسرى الذين خرجوا من عند المقاومة الفلسطينية كيف كانت حالتهم؟

- إنت لسانك طويل ولازم أقصّلك إياه (وأشار إلى جنده).

تناولوه بركلات أقدامهم وسحلوه إلى بوابة زنزانته.

إبراهيم تألّم كثيرا، حمل من أثقال الضرب المبرح ما لم يذكر أمام هذه الوقفة المذلّة المهينة، وكان للتخفيف من حجم هذه الآلام أن يتخيّل يوما يمكّنه الله من هذا الشرّير، ماذا نراه يفعل بعد كلّ ما رآه وسمعه من غطرسة وعجرفة ولؤم وامتهان مريع للكرامة من جذورها وأعماقها؟ هذا بالتحديد كان يشعره بالإضافة للثأر من كونه احتلالا بغيضا ساهم في الاعتداء على بلده، إلا أنّه أيضا هناك ثأر شخصي خاص بهذا المخلوق.

وصل شيك المستوطنة، هذه التي أنشأوها منذ عشرين سنة على أراضي قريتهم التي اغتصبوها من أصحابها عنوة، كان عليه أن يتخطّاه دون أن يمسّ بالخط الساخن الكهربائي والالكتروني الموصول بأيّ اهتزاز تحدثه الاسلاك الشائكة، أيّ خطأ ستنطلق صافرات الإنذار فتفشل محاولة الاختراق، يعود به الشريط ليرى عيون الضابط الهدف وقد أعيد إلى السجن (لا سمح الله) فيلتقيه ثانية ليمارس عليه كل الطقوس النازيّة من جديد، ترتعد فرائصه لمجرّد مرور هذا الخاطر في قلبه، يستعين بالله ليثبّت به قلبه، ويجأر إلى الله بدعاء خالص من أعماق أعماقه، أخرج خلويّه فعّله وأخذ ينظر في خانة تحديد الموقع الذي اخترقه وأراد أن يستهدفه بهذه الفدائية الفريدة، في قلب المستوطنة وفي عقر بيته.

أخرج من حقيبته الصغيرة لباسا يشبه لباسهم، سار على هدي برنامج تحديد المواقع، يا له من غبيّ رغم أنه ضابط أمن، إلّا أنّ إبراهيم تمكّن من الحصول على معلومات كثيرة من خلال صفحته على فيسبوك، منها إحداثيّة سكنه في هذه المستوطنة.

الليل يسير بطيئا والساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، والسؤال الذي كان يقضّ مضجع ضميره: كيف لو كان في البيت أطفال؟ كيف سيسحبه إلى مضجعه من القتل خارج البيت بعيدا عن أعين أطفاله؟

انتظر إبراهيم وهو كامن يرقب البيت خلف سور استناديّ مقابل له على حافّة الطريق، وصلت قوّة حراسة تجوب شوارع المستوطنة على سيارة تراكتور مكشوفة، وجوههم فرحة جذلة كأنّهم في رحلة صيفية جبلية ممتعة، يحرّكون كشافات قويّة تسلّط ضوءها إلى حيث يمّمت وجهها فتحيل المكان نهارا، بلغ قلبه حنجرته، اشتدّت ضرباته، أحكم اختباءه جيّدا خلف السور فمرّت بسلام، ولمّا ابتعدت هتف من أعماقه يا الله وانطلق. طاف البيت فوجد نافذة مفتوحة ولكنها محميّة بحماية حديديّة قويّة، تسلّقها وقفز إلى السطح، من هناك نزل سلّما يفضي إلى باب خشبيّ داخليّ، كان لا بدّ من خلعه بضربة واحدة والانقضاض بسرعة البرق إلى الهدف في ثانية واحدة، أخذ نفسا عميقا فضربه بكتفه بكلّ ما أوتي من قوّة، دهم الغرفة التي انطفأ ضوؤها قبل ساعة فوجد حضرة الضابط يقلّب عينيه، نهض رافعا رأسه يريد أن يستطلع الخبر فداهمه إبراهيم بقوله بعبرية فصيحة:

- راسك لتحت.

انتشر الهلع بسرعة البرق في وجهه وعينيه، ارتعدت أوصاله وهو يرى السكين متجها لرقبته، لم يمهله ثانية، جلس على صدره وحزّ رقبته، أسرع شريط السجن ليمرّ عذابهم الشّديد بذاكرته مسرعا، هزّ رأسه، وهتف: رأسك لتحت يا واطي.

غادر مسرعا قبل أن يصحو أطفاله من نومهم في الغرفة المجاورة، أغلق الباب عليه، نظر بحزن لأطفاله: كم أحزن أبوكم من الأطفال الفلسطينيين بتعذيب آبائهم.

وكتبوا في صحفهم: سجين فلسطيني ينتقم من سجّانه بعد الإفراج عنه.

(إبراهيم منصور من قرية بديا غربيّ يالقدس)


المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات الاحتلال التعذيب الفلسطينية اسرى فلسطين الاحتلال تعذيب سجون مدونات مدونات مدونات تكنولوجيا سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟

منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.

واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of list

ويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.

مظاهرة للاحتجاج على إقالة وزير الدفاع فيدوروف والمطالبة بعزل سيرسكي في كييف 20 يوليو/تموز 2026 (رويترز)ينتمي لجيل جديد

ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.

ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.

وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.

دراباتي خلال اجتماعه مع الرئيس زيلينسكي في العاصمة كييف في يوليو/تموز 2026 (أسوشيتد برس)استعادة رؤية فيدوروف

غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.

إعلان

لكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.

وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.

ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".

المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة

بواسطة مارك سانتورا

قائد جريء

وتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.

وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.

ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.

مهمات جديدة معقدة

غير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.

كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.

ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.

نهاية مرحلة

في المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.

وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.

إعلان

لكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.

صراع بين مدرستين

وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.

وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.

وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.

أزمة الموارد البشرية

ويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.

وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.

وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.

مقالات مشابهة

  • إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • ثروت : أنا ضد التنمر بكل أنواعه ولكن فيه اللي لازم نتنمر عليه
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه