رشا عوض بين المغفلين النافعين ومصالح السياسيين
تاريخ النشر: 17th, October 2024 GMT
استنكرت الأستاذة رشا عوض – في بوست كتبته على صفحتها في الفيسبوك – بوستا كتبته عن مناصرتنا نحن الثوار للجيش السوداني، رغم عدم استبعاد التنكيل بنا في أعقاب هزيمة الجنجويد. وأضافتني الأستاذة إلى زمرة المغفلين النافعين. ولي الشرف أن أكون بمعية الدكتور معتصم أقرع ورفاقه في القائمة الميمونة.
□ ووصفتني الأستاذة بأنني صرت بوقا للجيش، ولخصتْ موقفي بأنني أرفع شعار (ادفع حياتك ثمنا لاستعادة نظام سياسي برنامجه التنكيل بك).
□ وفي رأيي أن الشعب ليس مقسوما بين مغفلين نافعين يناصرون الجيش، وأذكياء واعين يقفون ضد الحرب أو يتخذون موقف الحياد، إذا استبعدنا الجنجويد المعلنين جنجوتهم، واذا سلمنا جدلا بان المحايدين كلهم محايدون.
□ إن الأمر في جوهره محض مصالح. هذا لا يمنع وجود مغفلين لا يعرفون مصلحتهم، وحالهم كما في الأغنية (انت ما بتعرف صليحك من عدوك) يقدمون مصلحتهم العاجلة على ضررهم الجسيم الآجل.
□ وظني بنفسي أنني لست مغفلا، وإنما اتخذت موقفا لي فيه مصلحة شخصية مباشرة، و(أزعم) انها تتطابق مع المصلحة الوطنية العامة.
□ ولأن جل السياسيين يزعمون ان مواقفهم ليست سوى للمصلحة العامة، يتوجب علينا ان نحلل مصالحهم الشخصية ونفرزها ونميزها في ثنايا الادعاء.
□ سأكون مغفلا إذا اتخذت موقفا محايدا تجاه هذه الميليشيا التي تأذيت منها شخصيا وذاق منها الشعب الأمرين.
□ دافع الجيش عن ولايتنا، وصد مليشيا الجنجويد في منطقة الفاو، وحال دون دخولهم ولاية القضارف. ولو دخلها الجنجويد – لا سمح الله – سيعيثون فيها قتلا واغتصابا ونهبا وتخريبا، مثل ما فعلوا في سائر المناطق التي احتلوها.
□ سأكون مغفلا ونكّارا للجميل، اذا اتخذت موقف الحياد، ولم أناصر الجيش الذي دافع عنا وقدم أرتالا من الشهداء، من أمثال ابن حينا، حي ديم النور، الشهيد ضابط الصف هيثم البشوش، الذي له من اسمه نصيب، والذي لا علاقة له من قريب أو بعيد بحركة إسلامية او غيرها.
□ إن انتصار مليشيا الجنجويد على الجيش السوداني يعني سيادة الفوضى وأفول الدولة، وتفشي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
□ سأكون مغفلا غير نافع إذا ساويت بين الجيش السوداني وهذه المليشيا الإماراتية، التي بلغ عدد المرتزقة فيها 200,000 مرتزق. أي أن عدد المرتزقة غير السودانيين في المليشيا يفوق عدد منسوبي القوات المسلحة السودانية!
□ إن انتصار الجيش يعني الحفاظ على الدولة – على علاتها – مثل ما هو ماثل الآن في ولاية القضارف، حيث تعمل كل مؤسسات الدولة بغض النظر عن كفاءتها: الأجهزة القضائية تعمل، والخدمة المدنية تعمل، المستشفيات تعمل، والموسم الزراعي يبشر بخير.
□ كما أن التعليم انتظم ويمضي الآن على قدم وساق، إذ انتهت الفترة الأولى من العام الدراسي، وبدأت الفترة الثانية.
□ وإنني شخصيا لي مصلحة في هذا الاستقرار، أعيش آمنا في بيتنا، ويتوفر لي قدر معقول من الخدمات التي تجعل الحياة ممكنة.
□ سأكون مغفلا لو لم أفرح لانتصار الجيش الذي يخدم مصالحي، والتي تتطابق مع المصلحة العامة على حد (زعمي).
□ يتوفر هذا الاستقرار في منطقة سيطرة الجيش في ظل معاناة وضيق اقتصادي وتعقيدات اجتماعية ماثلة.
□ ولكن هذا الحال أفضل مليون مرة، من حال سيادة الفوضى في المناطق التي احتلتها المليشيا.
□ وبحمد الله يحقق الجيش – الآن – تقدما ملحوظا في ولاية الخرطوم وفي دارفور.
□ وأن المناطق التي استعادها الجيش بدأت تدب فيها الحياة بعد ان عشعش فيها موات الجنجويد طويلا.
□ وهذا يدحض ادعاء المحايدين (المنحازين) بأن فرار المواطنين إلى مناطق سيطرة الجيش، ليس لأنها تحت سيطرة الجيش، بل لأن الحرب لم تطأها بعد.
□ وليس لديهم إجابة على السؤال: لماذا تعود الحياة إلى مناطق الحرب التي يحررها الجيش من الجنجويد كما يحدث في ولاية الخرطوم؟
□ إن الجيش السوداني في هذه الحرب يدافع عن الدولة ومليشيا الجنجويد الإماراتية تمثل الفوضى؛ والذي يساوي بينهما لا يكون محايدا وإنما منحازا إلى المليشيا، دع عنك الذي ينحاز بوضوح او في الخفاء.
□ لقد ارتكبت مليشيا الجنجويد في هذه الحرب الإبادة الجماعية ضد المساليت في دارفور، وارتكبت جرائم الاغتصاب وسبي النساء والتهجير القسري والنهب والكثير من المجازر والجرائم ضد الانسانية في دارفور والخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان.
□ ورغم ان الجيش السوداني ارتكب جرائم حرب، ظلت مناطق سيطرته هي الملاذ الآمن للمواطنين. لذلك فان الذي يساوي بينهما إنما ينحاز لمليشيا الجنجويد، لانه يساوي بين غير متساويين.
□ كما إنني لا اقف موقف الحياد لانني استمسك بعروة شعار ثورة ديسمبر (العسكر للثكنات والجنجويد ينحل) فلا يمكن لثائر أن يساوي بين الجيش الذي يطالب الثوار بعودته الى الثكنات، اي ان يتم اصلاحه ويلتزم بمهمته دفاعا عن الارض والشعب، ويخرج من الحياة الاقتصادية والسياسية؛ أما الجنجويد فليس لهم سوى “الحل” كما قالت الثورة وهتف الثوار.
□ وانا اعلم ان الأستاذة رشا عوض لديها راي في هذا الشعار (الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب.. العسكر للثكنات والجنجويد ينحل) حسب حوار دار بيننا عبر تسجيلات الواتساب الصوتية قبل عدة شهور، إذ أنها ترى ان هذا الشعار شعار فرعي، وطالبت بعدم تقديس شعارات ثورة ديسمبر وتناولها بالنقد، وهذا من حقها طبعا.
□ ولكنني استمسك بهذا الشعار الذي لا يساوي بين الجيش والجنجويد، ولا يقف موقف الحياد بينهما، وارى انه احد اهم الشعارات، اذ أنه الشعار الذي تم سكه في خضم الثورة بدماء الشهداء، وظل الشعار السائد لشهور طويلة، في كل المواكب، في جميع انحاء السودان.
□ وهو الآن أكثر شعار تذيل به القوى الثورية بياناتها.
□ فلماذا تقلل الأستاذة رشا من قيمة شعار كهذا؟
□ ذكرت العواقب المتوقعة – في البوست الذي استكرته رشا – حال انتصار الجيش على المليشيا، لأن لقيادة الجيش العليا مصالح سلطوية، رغم أنها تزعم أيضا أنها إنما تعمل لمصلحة الوطن.
□ سيظهر تناقضها مع مصالحنا بوضوح أكبر بعد الانتصار المأمول. مما يعني انني واع بالمخاطر، وهذا يفترض أن يخرجنا من زمرة المغفلين، الذين حالهم مثل “أبو الدقيق” الذي يندفع اندفاعا إلى نار حتفه.
□ فرحت قطاعات كبيرة من جماهير الشعب السوداني عند تقدم الجيش وانتصاره في مناطق الخرطوم وجبل موية. وقد خرجت مواكب عفوية في القضارف فرحة بتقدم الجيش في الخرطوم والانتصار المتخيل في مصفاة الجيلي.
□ هؤلاء ليسوا مخدوعين “معلوفين” او مغفلين – كما تزعم رشا – وانما لهم مصلحة مباشرة وعشم في انتصار الجيش، إذ انهم يريدون الأمن والأمان، وان يعودوا الى منازلهم، وأن ينصلح حالهم في العمل، وأن تتناقص الأعباء الاقتصادية الكبرى التي اثقلت كواهلهم بسبب الجنجويد.
□ كما أن قطاعات منهم – ليس بالضرورة كلهم – يريدون الدولة المدنية الديمقراطية.
□ سأحاول في ما تبقى من فقرات ان افسر سلوك المحايدين وأحلل مصلحتهم في ثنايا هذا الحرب، بمدخل المصلحة وليس بمدخل المغفلين والأذكياء.
إن أبرز هؤلاء المحايدين (افتراضا) هم منسوبَو تنسيقية “تقدم”، الذين يقولون أنهم ينحازون للسلام.
إن منسوبي تقدم يزعمون – كغيرهم – انهم بمواقفهم ينشدون المصلحة الوطنية العليا، لكنهم مثلهم ومثل كل السودانيين لهم مصالح خاصة.
□ إن تنسيقية “تقدم” عقدت كل انشطتها – تقريبا – بتمويل من المنظمات والدول الغربية، وبالتالي فان للتنسيقية مصلحة مباشرة في التماهي مع أطروحة المنظمات الدولية التي تتحدث عن الطرفين وتساوي بينهما. وإن لم تفعل “تقدم” ذلك فلن تجد تمويلا لأنشطتها. وفي ظل هذه التمويلات فإن مصالح شخصية تتحقق للأفراد ايضا.
□ ويبدو ان هذه المصالح تفوق الخسائر الناجمة عن فقدان المنازل والممتلكات لبعض منسوبي “تقدم” في المناطق التي احتلتها مليشيا الجنجويد.
□ كما أن هنالك مصالح سلطوية متوقعة للقيادات في حال تم رسم مستقبل السودان بيد المجتمع الدولي الطولى، الراعي الرسمي لتنسيقية “تقدم”.
وجدير بالتذكير ان رئيس تنسيقية “تقدم” الدكتور عبد الله حمدوك يقيم في دولة الإمارات، ويعمل ويتقاضى راتبا من هذه الدولة، التي تستخدم مليشيا الجنجويد في حربها على الشعب السوداني. وقد عم خبر ولوغ الإمارات في حرب السودان القرى والحضر.
□ ولكن الدكتور عبد الله حمدوك نفى في مقابلة اجرتها معه مجلة إماراتية ضلوع الإمارات في الحرب، وكل قيادة تقدم ومناصريها – بمن فيهم رشا – غضوا الطرف عن هذا التدخل الإماراتي. وهذا لا يستحسن تفسيره بمدخل المغفلين والأذكياء، وإنما يفسر بمدخل المصالح الشخصية المباشرة – مادية كانت أو سطوية – والمصالح المنظماتية والحزبية والتحالفية.
□ فإذا أدانت تنسيقية “تقدم” ولوغ الإمارات في حرب السودان جهرة، فسوف يفقد حمدوك عمله، وسيطرد من دولة الإمارات، وستغلق ابواب “رزق”، وسيجف تمويل منظمات، وجزلان حميدتي سيصير صغيرا!
□ إن مدخل المغفلين والأذكياء الذي تنتهجه الأستاذة رشا، ليس خاطئا تماما؛ إذ أن الذي يسعى إلى تحقيق مصالحه السلطوية؛ أو المادية بالحصول على جنيه الجيش الحرام، أو عملات حميدتي و”جزلانه الكبير”، أو الدرهم الإماراتي الخطير، أو الدولار الأمريكي المثير للعاب – فهو يحقق مصالحه العاجلة، ولكنه يخسر على المدى الطويل، إذ أنه – على أقل تقدير – سيفقد راحة الضمير.
جعفر خضر
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: ملیشیا الجنجوید الجیش السودانی الأستاذة رشا المناطق التی انتصار الجیش یساوی بین
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.