الأبعاد الحقيقية لمعركة طوفان الأقصى
تاريخ النشر: 2nd, November 2024 GMT
لم يكن السابع من أكتوبر المجيد 2023م يوماً عابرا أو مصادفة أفرزتها المرحلة الراهنة، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخ طويل من الصراع والاشتباك مع المشروع الصهيوني في المنطقة، وعلى مدى أكثر من 70 عاماً من الاحتلال والقتل والتشريد والتهجير لأبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني..
مراحل وأزمنة مرت في تاريخ الأمة النضالي والجهادي .
فيما نحن أمرنا بشد الرحال إلى ثلاثة مساجد منها المسجد الأقصى، في إشارة للتنبه وعدم الغفلة أو التفريط.. وبرعاية مشؤومة من دولة بريطانيا العظمى التي حكمت العالم -آنذاك-، جرى التحضير لتلك المؤامرة بدعم الصندوق اليهودي في أسوأ سيناريو شهدته البشرية..
حدث ذلك في ذروة ضعف الأمة وتقاسم دول الغرب الاستعمارية لتركة الرجل المريض وبالتحديد أواخر أيام الاحتلال العثماني للأراضي العربية، ومن ثم تمكنت بريطانيا من فرض سيطرتها على عدد من دول ومناطق العالم ومنها أرض فلسطين وأجزاء من بعض الأقطار العربية والإسلامية، وبينما كانت بريطانيا تجر أذيال خيباتها وتلملم ما تبقى من أطماعها ووجودها تحت ضربات مقاومة الشعوب الحرة رفضاً لوجودها الاستعماري الناهب لثروات ومقدرات الشعوب ..
حينها أدرك الاستعمار الغربي أهمية الحفاظ على بقاء نفوذه ووجوده في المنطقة وفقاً لترتيبات مخططهم الجديد، وبما يضمن استمرار بقاء الهيمنة والسيطرة على مقدرات تلك الشعوب.. وظلت المنطقة العربية محط أطماعهم ومرتكز مخططاتهم التي فرضوا عليها نظرية المؤامرة التي تستهدف الأرض والإنسان والمقدسات… بدءاً باتفاقيات تقسيم الأرض العربية إلى دول، ومن ثم وضع حدود مصطنعة لتعميق الفرقة بين أبناء الأمة الإسلامية، حيث تم إعداد المخططات التي من شأنها إيجاد عداء مفتعل بين ما هو قومي عربي وما هو إسلامي، وتطور الأمر إلى إيجاد صراع عربي عربي وشمال وجنوب وشرق وغرب، مروراً بتقسيم المجتمع المتجانس إلى أحزاب وجماعات متصارعة عمدوا لتفريخ تلك الأحزاب والجماعات والفئات انطلاقا من شعار ” فرق تسد” ودعم ما بسمى بجماعة الإسلام السياسي وجماعات التطرف تحت مسميات القاعدة وداعش وغيرها من التيارات المغلفة بطابع عقائدي، وقد انساق البعض وراء تلك المخططات بوعي أو بدون وعي، لتبدأ الأمة معاناتها في مواجهة تأجيج الغرب للصراعات والحروب بين الأخوة تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان.
وكان الهدف من تلك الصراعات هو حرف بوصلة الصراع بين كل ما هو إسلامي ومعاد للإسلام والمسلمين من جهة، ومن جهة أخرى تمكين الحكام والأنظمة العميلة من السيطرة على أنظمة الحكم في الدول التي تمتلك مخزوناً كبيراً من الثروات النفطية مثل دول الخليج.
وقد تولت الأنظمة العميلة مهمة إشعال الحروب وتغذية الصراعات بين أبناء ومكونات الأمة الواحدة، والهدف الرئيس كما أشرنا، هو صرف أنظار أبناء الأمة عن قضيتهم المركزية فلسطين والأقصى الشريف كقضية وهوية جامعة لأبناء الأمة العربية والإسلامية…
بينما تمحورت المرحلة الثانية من المخطط التآمري في تأمين الكيان ظهر الكيان الصهيوني وتعزيز وجوده لضمان بقائه.. بما في ذلك تسليم أرض فلسطين كوطن قومي لليهود الصهاينة بديلاً عن شتات العالم واسترضاء لليهود الصهاينة بعد تعرضهم لمحرقة الهولوكوست في ألمانيا وان الغرب لن يجد مظلومية أشد حقدا على من حولها من هذه الشرذمة الحقيرة..
وبعد أن ضمنوا ولاء الأنظمة العربية والإسلامية العميلة التي زرعت في جسد الأمة العربية والإسلامية لتؤدي الدور المتخاذل إزاء نصرة القضية الفلسطينية وضمان أمن كيان العدو الإسرائيلي المحتل..
وانطلقت العصابات الصهيونية بدعم غربي أمريكي بريطاني وبعض الأنظمة العربية، وبكل ما أوتيت من قوة للبطش بالشعب الفلسطيني الأعزل، وارتكاب المجازر والجرائم وحرب الإبادة الجماعية وعلى مرأى ومسمع من العالم والمجتمع الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة، والذي جرى تدجينه وتطويعه لحماية قوى الهيمنة والاستكبار العالمي بقيادة أمريكا وبريطانيا واللوبي الصهيوني.
لم يكتف العالم المنافق بالصمت إزاء تهجير أبناء الشعب الفلسطيني والتوسع في بناء المزيد من المستوطنات، بل تجاوز ذلك إلى الأبعاد الحقيقية لمعركة طوفان الأقصى وهي مؤامرة هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، وهذا لن يتأتى لهم إلا من خلال تحقيق حلم تحقيق إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات ..
وتمثلت أخطر المراحل والمنعطفات في الخيانة التي كانت تتعرض لها المقاومة الفلسطينية، ولكن المقاومة استطاعت أن تتجاوز كل المؤامرات والخذلان، لتنتقل من انتفاضة الحجارة إلى تشكيل المقاومة المسلحة وأبرزها كتائب القسام وحماس والجهاد وغيرها من حركات النضال والتحرر العربي كحركة أمل وحزب البعث العربي الاشتراكي وصولا لتشكيل محور المقاومة الإسلامية.
وبذلك يكون محور المقاومة قد أثبت وهم تلك الأباطيل والأكاذيب التي طالما روجت لها الدوائر الغربية والصهيونية من محاولاتها تعميق العداء المفتعل بين العروبة والإسلام من جهة وبين المذاهب الإسلامية بعضها البعض من جهة أخرى ، وذلك لإشغال الأمة بمعارك هامشية، ومن ثم إفساح المجال لقوى الاستكبار العالمي والصهيوني في السيطرة والاستحواذ على مقدرات الأمة وانتهاك سيادتها ومقدساتها..
وفعلا فإن محور المقاومة الذي تشكل من قوى إسلامية محسوبة على الشيعة وأخرى محسوبة على السنة وثالثة من قوى وطنية وقومية كحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا واليمن ولبنان وبعض الأحزاب القومية الأخرى كالأحزاب الناصرية وحركة أمل والعديد من الأحزاب والقوى الحية في دول محور المقاومة.. أثبت محور المقاومة إمكانية وحدة الأمة وإعادة ترتيب استراتيجية المقاومة لتضم كل أحرار الأمة العربية والإسلامية لمواجهة قوى الهيمنة والاستكبار العالمي بقيادة أمريكا وبريطانيا واللوبي الصهيوني ولهذا تم التخطيط والترتيب لمعركة طوفان الأقصى..
انطلاقاً من حجم وعظم المسؤولية الملقاة على عاتق الأحرار والشرفاء، وكل الاعتبارات الدينية والقومية والأخلاقية والإنسانية، وصولاً لإعلان بدء معركة طوفان الأقصى ومن ثم الاجتياح الكبير والمشرف لمستوطنات غلاف غزة.. والذي يشكل أول هزيمة نكراء وضربة موجعة يتلقاها كيان الاحتلال الإسرائيلي المجرم والغاصب، منذ أن تم زرعه في جسد الأمة في عام 1948م بعد انسحاب بريطانيا وتمكينها اليهود الصهاينة من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وبدعم من بريطانيا وأمريكا والغرب لإقامة دولتهم في فلسطين تحت مسمى دولة إسرائيل المزعومة.
ولكن معركة طوفان الأقصى كشفت زيف الأقنعة وأظهر الصهاينة العرب على حقيقتهم أكثر قبحاً في تاريخ الأمة، ما يتطلب من أحرار الأمة اليوم العمل على تصحيح تلك الأخطاء ومحاسبة أنظمة التطبيع والعمالة والانبطاح الموالية لأعداء الأمة أياً كانت مبرراتهم..
وهنا لا بد من وقفة أمام البطولات العظيمة التي سطرها المجاهدون بقيادة القائد يحيى السنوار، مهندس معركة طوفان الأقصى، والتي أظهرت العدو الصهيوني في موقف ضعف وأثبتت مدى هشاشته وحقيقة أن الكيان الصهيوني المحتل عبارة عن كيان مؤقت لا يمكن له الاستمرار والبقاء وأن مصيره إلى زوال..
وما يؤكد حقيقة اقتراب زوال كيان الاحتلال الإسرائيلي هو ردة الفعل الانتقامية من المدنيين والاستهداف المباشر لهم في منازلهم الأمنة وعلى مدى أكثر من عام، دمر كيان الاحتلال الإسرائيلي المجرم ثلثي المساكن في قطاع غزة وكل شمال القطاع، وقتل أكثر من أربعين الفاً من الضحايا معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وإصابة أكثر من مائة ألف من المدنيين، فضلا عن عشرات الآلاف من المحتجزين والمفقودين..
وتوسعت معركة طوفان الأقصى لتدخل اليمن ولبنان والعراق وسوريا في خط الاسناد والدعم لمعركة طوفان الأقصى، ومثل اليمن بقيادة القائد المجاهد عبدالملك الحوثي، الدور المحوري في دعم وإسناد الشعب الفلسطيني من خلال اطلاق المسيَّرات والصواريخ الباليستية والفرط صوتية التي استهدفت عمق العدو الحيوي في مدينة يافا المحتلة، ما يسميها العدو ‘تل ابيب” بعاصمة الكيان الغاصب..
ومن أبرز التأثيرات التي سجلها الموقف اليمني تعطيل ميناء إيلات من خلال قيام القوات المسلحة اليمنية باستهداف السفن المتجهة من وإلى الموانئ الفلسطينية التي يسيطر عليها كيان الاحتلال الصهيوني، وتحقيق نجاح غير مسبوق في إيقاف ومنع وصول إمداد كيان العدو الصهيوني عبر البحر الأحمر، ومن ثم توسيع المعركة لتشمل البحر الأحمر وباب المندب والبحرين العربي والمتوسط…الأمر الذي كبد كيان الاحتلال وداعميه خسائر فادحة، كما توسعت المعركة بعد التدخل الأمريكي البريطاني، لتشمل كافة السفن التابعة للعدو الصهيوني وداعميه وكل من أنضم لما يسمى بتحالف الازدهار، والذي كان الهدف منه حماية كيان العدو الإسرائيلي والتغطية على الجرائم والمجازر البشعة التي يرتكبها بحق أهلنا في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة..
كما كان للدور المساند لدول محور المقاومة في لبنان والعراق وسوريا، تأثيره البارز في إسناد القضية الفلسطينية وما تتعرض له غزة ولبنان من مجازر وحشية وحرب إبادة جماعية، وتدمير ممنهج لكل سبل الحياة.. إضافة إلى استمرار الانتهاكات السافرة للأعراف والقوانين الدولية والإنسانية والأخلاقية.. وعلى مرأى ومسمع من العالم والمجتمع الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة وسط صمت معيب، وتخاذل مخز من دول التطبيع والعمالة لكيان العدو الإسرائيلي المدعوم من دول الاستكبار العالمي أمريكا وبريطاني ومن لف لفها…
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
حزب الله باقٍ.. وهذا ما أعطاه ترمب للرئيس اللبناني
أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون أول زيارة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب منذ 17 عاما، وهنا يجب أن نشير إلى أن ركيزة السياسة الأمريكية تسند للمصلحة، وهي ركيزة ينبغي للجميع إدراكها تماما، وأحسب أن أكثر من يعيها هم حلفاء أمريكا على امتداد هذه المنطقة، وقد نوه إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عندما قال:"المتغطي بالأمريكان عريان".
فكل ما تبتغيه أمريكا في هذه المنطقة هو مصالحها، تليها بالتبعية مصلحة إسرائيل، ومن يظن خلاف ذلك فهو مخطئ تماما. فالمسألة هنا لا تقف عند حدود الشعار، ولا تنطلق من أبعاد أيديولوجية أو قومية معينة، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالقراءات التاريخية لمجمل السياسات الأمريكية في المنطقة.
حقيقة الموقف الأمريكي من السيادة اللبنانية
القول إن لقاء الرئيسين اللبناني والأمريكي يثبت ثقة واشنطن بسيادة لبنان ومساعدتها له، يجافيه الواقع؛ فواشنطن لا تثق بأحد، بل تبتغي حلفاء كالموظفين لتنفيذ إملاءاتها. وما تضخيم تصريح ترمب بأن الرئيس اللبناني: "عرف كيف يخاطبني وسأعطيه ما يشاء" إلا ادعاء باطل؛ فلو صدق، لطالب بانسحاب إسرائيل، ولما اكتفى بكلمة "لنرى" ردا على اعتداءاتها على الجيش اللبناني، متجاهلا بيانات الإدانة الرسمية.
هذا يبرهن وضوح السياسة الأمريكية؛ فالمراهن على كسب ثقتها واهم، ولو أتاها زاحفا. وتاريخهم شاهد على ذلك؛ بدءا من تصريحات "أورتاغوس" الشاكرة لإسرائيل لقتلها اللبنانيين، مرورا باعتبار "توم براك" لبنان دولة فاشلة ينبغي ضمها لسوريا، وصولا لوصف "شولتس" لبيروت بـ"مدينة الطاعون" إبان الاجتياح. تلك حقائق تؤكد استمرارية النهج الأمريكي في لبنان منذ عقود.
عقبات السيادة والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة
هل يثبت هذا اللقاء ثقة واشنطن بقدرة الدولة اللبنانية؟ الواقع أن سيادة لبنان صودرت بالاحتلال الإسرائيلي ووصايات متعددة حظيت بغطاء أمريكي تاريخي، لتغدو الوصاية الأمريكية اليوم هي الحاكمة. فإن أرادت أمريكا حقا استعادة هذه السيادة، فليكن بوقف العدوان فعليا، لا بوقف مزيف لإطلاق النار؛ فمنذ 27 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، يواصل العدو الإسرائيلي خروقاته، مرتكبا جرائم واغتيالات طالت المدنيين والمقاومين، وسط صمت مطبق من واشنطن وباريس رغم صفتهما كضامنين.
إعلانواليوم، يتكرر المشهد ذاته مع "اتفاق الإطار" -الذي تحفظت عليه المقاومة وقوى لبنانية- إذ تواصل إسرائيل غاراتها جنوبا، مختلقة ذرائع واهية كقضية "تلة علي الطاهر" لتبرير انتهاكاتها المستمرة للاتفاق.
في الواقع، لم يثمر لقاء الرئيس اللبناني بترمب عن أي مكسب حقيقي، وما تصريحات الأخير سوى وعود جوفاء لا رصيد لها من الواقع.
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة
السيادة تتجاوز مطار بيروت
هل يجسد استئناف الرحلات المباشرة اعترافا أمريكيا بكفاءة الأمن اللبناني؟ الحقيقة أن واشنطن هي المهيمنة الفعلية على المطار والمرافق الحدودية. وما يشاع عن سيطرة "حزب الله" تفنده الوقائع؛ فتفتيش حقائب الدبلوماسيين الإيرانيين (كـ"لاريجاني")، خلافا للأعراف الدولية، يدحض هذه المزاعم تماما.
إن تشديد الإجراءات الأمنية في مطار بيروت لتبلغ مستويات قياسية عالميا، لا يعكس حضورا للسيادة الوطنية، بل يبرهن على خضوع المطار والمرفأ لوصاية أمنية أمريكية باتت مكشوفة للعيان.
وعليه، فإن السيادة لا تختزل في إدارة المرافق، بل تتحقق فعليا عبر دحر الاحتلال المتمثل في انسحاب العدو الإسرائيلي ووقف عدوانه بالكامل. وكذلك استقلالية القرار المتجسدة في حرية الدولة في قراراتها بمساندة دولية مجردة من الإملاءات.
ومن ينشد السيادة، الأجدر به ألا يقترف هذا الخطأ البروتوكولي، كأن يسعى رئيس الدولة لزيارة وزير خارجية البلد المضيف في مقره، بدلا من أن يقصده الوزير، وهو تجاوز تجاهله الرئيس اللبناني تماما في زيارته الأخيرة.
دور المقاومة وعقيدة الجيش اللبناني
هل يسقط انتشار الجيش مبرر المقاومة؟ إن وجود المقاومة مرهون بالاحتلال والعدوان، وبزوالهما تنتفي الحاجة إليها؛ إذ نشأت كبديل لجيش حالت الانقسامات اللبنانية دون قيامه بواجب الحماية.
تاريخيا، روج اليمين لمقولة "قوة لبنان في ضعفه" لعزله عن محيطه العربي والقضية الفلسطينية. لكن الوقائع دحضتها؛ فإسرائيل لم تحيد لبنان يوما. ورغم نأيه الرسمي عن الحروب العربية، اجتيح لبنان عام 1978، وتعرض لاعتداءات ومجازر سافرة منذ عام 1948 (مرورا بأعوام 68 و69 و73)، أي قبل توقيع "اتفاق القاهرة" ووجود المقاومة الفلسطينية، مما يؤكد أن الجيش لم يتول الدفاع عن البلاد قط.
أما اليوم، فلا يراد للجيش أن يواجه العدو، بل يسعى للعبث بعقيدته القتالية وإخضاعه لوصاية أمريكية-إسرائيلية مبطنة عبر "اتفاق الإطار" و"المناطق التجريبية". ولأن الجيش اللبناني يرفض هذه التبعية، تتعرض قيادته وقائده لحملات استهداف ممنهجة.
موقف حزب الله وتطلعاته
وفي نقاش مع أحد قياديي حزب الله حول ما يسمى بـ"المناطق التجريبية"، استنكر الأمر متسائلا: "كيف تخضع قرية محررة لتجارب يمليها الإسرائيلي؟ وهل هذا هو الدور المراد للجيش؟". ورغم ذلك، يثق الحزب بالجيش اللبناني، ويرى أن رؤيته أوعى بكثير من السلطة السياسية؛ فالمقاومة والجيش نسيج وطني واحد، وتجمعهما رابطة الأخوة والدم.
إعلانيتبنى حزب الله حاليا إستراتيجية الترقب الحذر لمجريات الأحداث خطوة بخطوة، متجنبا الخوض في السجالات أو إطلاق المواقف الاستباقية. وهو يكتفي بثوابته المعلنة: الرفض القاطع للتفاوض المباشر مع العدو، واعتبار "اتفاق الإطار" انحيازا جليا لإسرائيل. ويوقن الحزب تماما أن العدو الإسرائيلي -كما عودنا تاريخيا- سينكث بأي اتفاق، حتى وإن كان يحقق مصالحه.
تريدوننا بلا سلاح؟
لا ينتفي مبرر وجود المقاومة بمجرد انتشار الجيش، بل هو مرهون بانسحاب إسرائيلي شامل، ووقف قاطع للعدوان مع ضمانات أكيدة بعدم تكراره؛ فلبنان لا يزال تحت تهديد إسرائيلي مستمر.
لذا، يعد تسليم السلاح استنادا لوعود باتفاق مرتقب مجازفة خطيرة؛ إذ يجب أن يخضع هذا الملف لتوافقات وطنية خالصة لا لإملاءات خارجية. وهذا الموقف راسخ لدى حزب الله، ولن يزحزحه اشتداد الضغوط أو الحصار.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار
حزب الله والسلم الأهلي
سلاح المقاومة كما يؤكد حزب الله، وسيلة لغاية وليس غاية مقدسة بذاتها؛ لذا لا يمانع الحزب إقرار "إستراتيجية دفاع وطني" توافقية، تخضع بالكامل لإمرة الدولة اللبنانية سياسيا وعسكريا.
أما اختزال استعادة السيادة بانتشار الجيش وحده، واعتبار السلاح منتقصا لها، فمقاربة تجافي الواقع اللبناني. ورغم الانفتاح على مناقشة ملف السلاح ضمن حوار داخلي بحت فإن نزعه كشرط إسرائيلي للانسحاب دونه استحالة قاطعة.
إن الزعم بضعف المقاومة وتسهيل الانقضاض عليها واهم؛ فهي ليست عدوا داخليا، بل محررة الأرض وصانعة الانتصار بدماء أبنائها. لذا، من المعيب التفكير بالاستعانة بالخارج أو بالجيش لضربها. فالمقاومة ليست مجرد فصيل يستأصل، بل هي شعب راسخ وفكرة عصية على الاقتلاع.
لقد اقترف رئيس الجمهورية خطأ كبيرا بمصادرته إرادة اللبنانيين، وتعهده بإنهاء العداء مع إسرائيل نهائيا. فليس لأي مسؤول، مهما علا شأنه، صلاحية احتكار هذا القرار؛ إذ إن الكلمة الفصل تعود لأصحاب الأرض والدم والتضحيات، ولا تصادر إرادتهم بجرة قلم سياسي.
كما تكتنف "اتفاق الإطار" شبهات دستورية وقانونية تجعله فاقدا للشرعية ومحط جدل مستمر، رغم توقيعه ديبلوماسيا ونفي إبرامه نهائيا. وعليه، فإن اندفاع الرئيس لإرساء سلام مع العدو مرفوض ولن يمر، ولن تسعفه أي أكثرية نيابية هشة في تشريع ملف سيادي بهذه الخطورة.
مستقبل المقاومة
لا ينكر حجم الخسارة التي تكبدها حزب الله إثر تغير النظام السوري، وما رافقه من اغتيالات فادحة لكبار قادته. لكن اعتبار ذلك نهاية لقدرته على المواجهة قراءة قاصرة؛ فرغم التضرر، لا تزال قدرات المقاومة فاعلة بقوة، مستندة إلى عقلها الإستراتيجي وتماسها الجغرافي المباشر مع الكيان الإسرائيلي في بلد صغير كلبنان.
وعليه، فإن الزعم بضعفها الوجودي يجافي المنطق والتاريخ، والمستقبل كفيل بإثبات تعاظم قوتها. وفي هذه الأثناء، تترقب المقاومة المشهد الإقليمي بيقين تام بأن ثبات إيران سيكسر المشروع الأمريكي ويجبر واشنطن على التفاوض، لتطرح طهران حينها "البند اللبناني": الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline