“الكيان الصهيوني” .. من التأسيس إلى بوادر الانهيار
تاريخ النشر: 4th, November 2024 GMT
يمانيون- متابعات
منذ نشأته عام 1948، قام الكيان الصهيوني على مزيج من الأفكار الفلسفية والسياسية والعسكرية الناتجة من مسار طويل من الصهيونية والظروف الجيوسياسية، التي تلت الحرب العالمية الثانية. وُلدت الحركة الصهيونية ردَّ فعل على الاضطهاد الذي واجهه اليهود في أوروبا، وسعت لإقامة “وطن قومي” لهم.
تأسست فكرة هذا الوطن اليهودي على أساطير دينية تصف فلسطين بأنها “الوطن التاريخي” لليهود، على رغم الوجود الأصيل المتجذر للشعب الفلسطيني على هذه الأرض.
كان الاستعمار الاستيطاني الإحلالي العنصري هو التجسيد العملي للمشروع الصهيوني الجائر. فبدأ التغلغل اليهودي في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، وتصاعد في القرن العشرين، حتى حدوث النكبة الفلسطينية وإعلان “كيان إسرائيل” عام 1948. واستُعملت أكذوبة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” لتبرير الاستيطان، متجاهلة قصداً الوجود الحضاري والتاريخي العميق والمتواصل للشعب الفلسطيني. وجرت عملية الاستيطان ومصادرة الأراضي، وارتُكبت المجازر والتهجير والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين، بحيث تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من حقولهم وقراهم ومدنهم في محاولة لمحو وجودهم وطمس هويتهم.
اعتمد الكيان الصهيوني منذ قيامه على مفهوم الأمن المطلق كأولوية، مدعوماً بفلسفة “الجدار الحديدي” التي طرحها الصهيوني زئيف جابوتنسكي. وتقوم هذه النظرية على فكرة أن “إسرائيل” لا يمكنها أن تعيش بسلام مع العرب إلا من خلال القوة العسكرية الهائلة التي تُرغم العرب على قبول وجودها. من هنا، أصبحت “إسرائيل” واحدة من أكثر الدول عسكرة في العالم، وركزت على بناء جيش قوي وتطوير تكنولوجيا عسكرية متقدمة، بما في ذلك السلاح النووي.
الدعم الغربي، وخصوصاً الأميركي، كان الركيزة الأساسية لنجاح المشروع الصهيوني. لقد تجاوز الدعم الأميركي لـ “إسرائيل” الأبعاد الاقتصادية والعسكرية ليصبح تحالفاً استراتيجياً عضوياً، بحيث شكلت “إسرائيل” قاعدة أمامية للإمبريالية الغربية في المشرق العربي، لتقوم بوظيفة حماية مصالحها في المنطقة، وتكون القلب والرأس للمنظومة السياسية التي شكلها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، والمعروفة باسم منظومة “سايكس بيكو” المشؤومة.
لم يكن توسع الكيان الصهيوني عملية سياسية أو أمنية فحسب، بل هو أيضاً جزء أساسي من العقيدة الصهيونية الاستعمارية. بعد حرب عام 1967، احتلت “إسرائيل” الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان وسيناء. هذا الاحتلال فتح الباب أمام توسع استيطاني صهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بحيث تم بناء المستوطنات كأمر واقع على الأرض، وهو ما يُعرف بـ “سياسة الأمر الواقع”، التي تهدف إلى فرض حقائق جديدة يصعب التراجع عنها.
إلى جانب هذه العوامل السياسية والعسكرية، أدى الدين، وخصوصاً التلمود، دوراً متزايداً في رسم السياسات الصهيونية. على رغم أن الصهيونية تدعي أنها بدأت كحركة علمانية، فإن التلمود أدى دوراً كبيراً في صياغة توجهاتها وسياساتها، مساهماً في تعزيز تصور التفوق اليهودي وفكرة أنهم “شعب الله المختار”، وعادّاً ان فلسطين حقٌّ لليهود بناءً على التفسيرات التلمودية التي تدعو إلى السيطرة عليها.
يُعَدّ الاستيطان واجباً دينياً لا يقتصر على حدود 1948 أو 1967، بل يتعداها إلى “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات. تؤكد هذه القراءات الصهيونية الدينية تهميش الآخر العربي والتعامل العنصري التمييزي ضده. ورأينا هذا التعامل الصهيوني العنصري الدنيء في حرب الإبادة الجماعية التي يخوضها الكيان الصهيوني ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني. وهكذا، تحول التلمود من مجرد نص ديني قديم إلى قاعدة فكرية تعزز المشروع الصهيوني الحديث، وتبرر التوسع الاستيطاني والعنصرية والإبادة الجماعية، الأمر الذي يضيف أبعاداً دينية إلى الأيديولوجية الاستيطانية الصهيونية.
اعتمد الكيان الصهيوني على الإرهاب بشكل دائم وأساسي كوسيلة لتحقيق أهدافه. وقامت المنظمات الصهيونية الإرهابية، مثل “الهاغاناه” و”الأرغون”، بتنفيذ عمليات إرهابية ضد الفلسطينيين، بما في ذلك مجازر كمجزرة دير ياسين، وتهجير قسري وتطهير عرقي دموي للقرى الفلسطينية. يستمر الكيان الصهيوني في هذا النهج الإرهابي، بحيث يقوم جيشه الفاشي بشن عمليات عسكرية مفرطة في الإجرام والوحشية ضد المدنيين الأبرياء العزّل، من النساء والأطفال والشيوخ الفلسطينيين واللبنانيين، ويستخدم القصف العشوائي والتدمير والتجويع والحصار الغذائي اللاإنساني في حربه الإبادية على فلسطين ولبنان.
وطوّر الكيان أيضاً سياسة دبلوماسية فعالة تعتمد على بناء تحالفات دولية وإقليمية، مستغلًا الفراغ العربي والإسلامي الذليل والانقسامات العربية الداخلية، لبناء شبكة من التحالفات مع بعض الدول العربية المطبّعة، مثل اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الأردن، واتفاقيات التطبيع الإبراهيمي مع بعض دول الخليج. هذه التحالفات تسمح لـ “إسرائيل” بتعزيز نفوذها الإقليمي وتوسيع دائرة حلفائها، ونشر سرديتها الكاذبة التي تقدمها بشكل خادع للعالم كـ “الدولة الديمقراطية” الوحيدة في المنطقة، والتي تعاني تهديدات “الإرهاب العربي الهمجي”.
وعلى رغم أن المقاومة ضد هذا المشروع الاستعماري لم تتوقف منذ بداياته حتى اليوم، فإن تشكّل محور المقاومة في ثمانينيات القرن الماضي مثّل تحدياً استراتيجياً أمام “إسرائيل”. هذا المحور، الذي يشمل المقاومة الفلسطينية وحزب الله وسوريا واليمن والمقاومة العراقية وإيران، يشكل عائقاً فولاذياً أمام “مشروع إسرائيل الكبرى.” فالمقاومة اللبنانية والفلسطينية صمدت وثبتت، وحققت إنجازات وانتصارات أمام آلة عسكرية متفوقة عليها بشكل كبير، وكان العامل الحاسم في هذه المواجهة هو عزيمة المقاوم الفلسطيني واللبناني، وعقيدته وثباته في الميدان، واستعداده للاستشهاد في سبيل وطنه، وهو ما جعل الكيان الصهيوني في مأزق وجودي.
تمثل إيران، الداعم الرئيس لمحور المقاومة، تحدياً آخر لـ “إسرائيل”، وخصوصاً مع تطور قدراتها الصاروخية والطيران المسير وجغرافيتها الواسعة وبرنامجها النووي. يرى الكيان الصهيوني أن إيران نووية تشكل تهديداً وجودياً له، ويسعى باستمرار لمهاجمة إيران ومنعها من تحقيق هذا الهدف بكل الطرائق الخبيثة والقاسية، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو العمليات الأمنية السرية كالاغتيالات، بدعم ومشاركة مباشرين من الولايات المتحدة. لكن إيران استطاعت أن تردع “إسرائيل” بجدارة، والدليل هو أن العدوان الأخير على إيران لم يكن، في أي مقياس، بمستوى التهديدات التي أعلنتها “إسرائيل.” واستنكار العدوان من جانب السعودية والدول المطبعة ليس عابراً، بل هو دليل على التوازنات الجديدة التي بدأت تترسخ في الإقليم.
التحدي الآخر، الذي يقف عقبة رئيسة أمام الكيان، هو التحدي الديموغرافي. فنسبة السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تتزايد بسرعة، وهو ما يهدد بتغيير التوازن الديموغرافي داخل الكيان. وضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى “كيان إسرائيل” سيعني دمج الملايين من الفلسطينيين، الأمر الذي قد يغير طبيعة التركيبة السكانية ويجعل اليهود أقلية في “كيان” يمارس سياسة “الابارتهايد”. هذا السيناريو يُنظر إليه كخطر وجودي على “الكيان” اليهودي، ويؤثر في التأييد العالمي لها. وخطة الكيان الصهيوني للتعامل مع هذا الخطر الوجودي تعتمد على ممارسة سياسات الإبادة الجماعية والتهجير والتطهير العرقي، في محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وطمس الهوية الفلسطينية بشكل نهائي ودائم.
وفي الوقت ذاته، يشهد العالم تحولات كبيرة في موازين القوى الدولية تؤثر بشكل مباشر في الكيان ومشروعه التوسعي. فالتراجع في الهيمنة الغربية، وخصوصاً الهيمنة الأميركية، يتزامن مع صعود قوى عالمية جديدة، مثل الصين وروسيا ودول البريكس، الأمر الذي يعيد تشكيل العلاقات الدولية بشكل معادٍ للهيمنة الغربية، ويزيد في الضغط على الكيان الصهيوني المرتبط بالغرب، في ظل هذه التوازنات المتغيرة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فيعتمد الكيان الصهيوني بشكل كبير على المساعدات الخارجية، وخصوصاً من الولايات المتحدة، وعلى تجارة التكنولوجيا المتقدمة. وأي تغييرات في الاقتصاد العالمي، مثل انخفاض الطلب على التكنولوجيا أو حدوث أزمات مالية، قد يؤدي إلى تأكّل الموارد التي يعتمد عليها الكيان في تمويل مشاريعه الاستيطانية والعسكرية. لذلك، يُعمل على مشاريع مثل “طريق الهند”، الذي يهدف إلى ربط الهند بالكيان لجعله محوراً اقتصادياً للمنطقة وتقليل الاعتماد على المساعدات الأميركية، والتي قد تتضاءل مع تراجع النفوذ الأميركي وارتفاع المطالب الداخلية الأميركية الموجهة نحو تسخير الموارد للمعالجة الاقتصادية الداخلية الملحة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تكلفة المحافظة على الوضع الأمني في الأراضي المحتلة، وبناء المستوطنات، واستمرار العمليات العسكرية، تُثقل ميزانية الكيان بشكل كبير. وإنفاق الموارد المالية الضخمة على هذه المشاريع يعني تخصيص ميزانيات أقل لقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية داخل “إسرائيل”، وهو ما يؤدي إلى تزايد الاستياء الداخلي. الأزمات الاقتصادية العالمية تزيد في هذا الضغط، الأمر الذي قد يؤدي إلى احتجاجات داخلية متزايدة.
وانسجاماً مع مسار التطور الطبيعي للمجتمعات الاستيطانية العنصرية، انزاح المجتمع الصهيوني نحو التيار اليميني المتطرف، بعد انهيار التيار الليبرالي الذي كان يرى أن السبيل الصحيح إلى ضمان بقاء “الكيان” اليهودي هو في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين. هُزم التيار الليبرالي الصهيوني أمام التيار اليميني الفاشي، الذي يرفض أي نوع من التسوية ويؤمن بضرورة السيطرة المطلقة على “أرض إسرائيل الكبرى”، مؤكداً أن أي تنازل عن الأراضي خيانة للمشروع الصهيوني وللدين اليهودي. هذا التحول في المجتمع الصهيوني واصطفافه خلف الفكر التلمودي العنصري، إلى جانب تزايد نفوذ المستوطنين المتطرفين الفاشيين وتسليحهم، أمرٌ يؤكد بوضوح أن الصراع مع هذا الكيان هو صراع وجودي، وليس مجرد خلاف على الحدود.
ومن الاستراتيجيات الرئيسة التي تسعى “إسرائيل” لتعزيزها في الأعوام الأخيرة مسألة التطبيع مع الدول العربية والإسلامية. وتُعَدّ اتفاقيات التطبيع التي وُقعت مع بعض دول الخليج، مثل الإمارات والبحرين، جزءاً من محاولات الكيان الخروج من العزلة الإقليمية، وبناء تحالفات جديدة تعزز مكانتها في المنطقة. هذه الاتفاقيات تُعَدّ جزءاً من رؤية “إسرائيل” بشأن تقليص المقاومة العربية لمشروعها التوسعي.
وعلى رغم النجاح النسبي لهذه الاتفاقيات، فإنها لم تحظَ بدعم شعبي واسع في تلك الدول. فالشعوب العربية، التي ترى في القضية الفلسطينية قضية مركزية، تعارض بشدة أي تطبيع مع “إسرائيل” من دون التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. هذا الوضع يجعل الحكومات العربية، التي وقعت على هذه الاتفاقيات، تحت ضغط داخلي كبير، ويحد قدرتها على تعزيز العلاقات بالكيان بصورة كاملة.
كما تشهد السياسة الأميركية تجاه الكيان الصهيوني بعض التحولات، وخصوصاً مع صعود قوى تقدمية داخل الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة. هذه القوى تنتقد الدعم غير المشروط لـ “إسرائيل”، وتطالب بفرض شروط على المساعدات الأميركية، وخصوصاً فيما يتعلق بالاستيطان وحقوق الإنسان.
بالإضافة إلى ذلك، تتزامن هذه التحولات السياسية مع تغييرات في الرأي العام الأميركي والغربي تجاه القضية الفلسطينية، وخصوصاً بين الأجيال الشابة والأوساط الطلابية والأكاديمية، والتي أصبحت أكثر انتقاداً للسياسات الصهيونية، وتطالب بإنهاء الاحتلال ووقف الدعم العسكري والاستيطاني الأميركي لـ “إسرائيل.” وهذا يشكل تحدّياً استراتيجياً آخر للكيان الصهيوني المتهالك.
هذه المتغيرات تضع ضغوطاً إضافية على الكيان، الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الأميركي في المحافل الدولية. فحرب الإبادة الجماعية، التي يشنها الكيان الصهيوني الفاشي على الشعبين الفلسطيني واللبناني، كشفت زيف السردية الصهيونية التي ظل العالم مخدوعا بها مدة طويلة. هذه التحولات السياسية قد تؤدي إلى تخفيف الدعم العسكري والاقتصادي لـ”إسرائيل” في المستقبل، الأمر الذي يزيد في عزلتها العالمية، وفي قدرتها على الاستمرار في مشاريع التوسع، وفي قدرتها على البقاء.
في نهاية المطاف، وعلى رغم كل ما تمتلكه “إسرائيل” من قوة عسكرية ودعم غربي غير محدود، فإنها تتجه نحو مستقبل قاتم كارثي مع تقلص خياراتها بوتيرة متسارعة. فالكيان الصهيوني لا يدرك أنه يوجد في بيئة عربية معادية ترفض وجوده ككيان استعماري استيطاني عنصري. لقد استنزفت الأساطير والادعاءات الدينية والتاريخية، التي بُنيت عليها “إسرائيل”، مشروعيتها، ولم تعد تقنع أحداً.
وإن الدماء الغزيرة والألم العميق والدمار الهائل، الذي خلّفه هذا المشروع، بلغت مستويات تفوق القدرة الإنسانية على الاحتمال، الأمر الذي يجعل تفكيكه ضرورة مُلحّة قد تأخرت كثيراً.
إذا لم يستوعب المجمع الصهيوني هذه الحقيقة ويتخذ خطوات جادة لإيقاف آلة القتل والتدمير، ويبدأ عملية تفكيك طوعية منظمة بتنسيق مع القوى الغربية المسؤولة عن هذا الظلم التاريخي ومغادرة المنطقة، فسيأتي اليوم الذي سيُجبر فيه على ذلك بالقوة رغماً عنه، وهذا اليوم ليس ببعيد.
————————————————
– الميادين – ميشال شحاد
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الکیان الصهیونی الأمر الذی بشکل کبیر على رغم وهو ما
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني