لماذا خسرت كامالا هاريس الانتخابات الرئاسية الأمريكية أمام ترامب؟
تاريخ النشر: 8th, November 2024 GMT
في النهاية، لم ينجح التحالف الذي احتاجته هاريس لهزيمة ترامب، وأظهر رفض الناخبين المدوّي للديمقراطيين أن الحزب لديه مشكلة أعمق من مجرد رئيس غير محبوب..
التغيير: وكالات
أجرت نائبة الرئيس الأمريكي، كامالا هاريس، قبل أقل من شهر، مقابلة لبرنامج “ذا فيو”، على قناة “إيه بي سي” الأمريكية، وكان متوقعا أن تكون تلك المقابلة ودّية وتهدف إلى تقديم نفسها للأمريكيين الذين يريدون معرفة المزيد عنها.
بيد أن ردها على سؤال بشأن ما ستفعله مختلفا عن الرئيس الحالي جو بايدن بـ “لا شيء يتبادر إلى ذهني حاليا”، أثر سلباً على صورتها خلال المقابلة.
وأكد رد هاريس، الذي استخدمه الجمهوريون للهجوم المتكرر عليها، تلك الرياح السياسية المعاكسة، التي أخفقت حملتها في التغلب عليها، كما أوضح أسباب خسارتها الحاسمة أمام دونالد ترامب يوم الثلاثاء.
اعترفت هاريس بهزيمتها في السباق الانتخابي الأربعاء، وقالت لأنصارها: “لا تيأسوا”.
بيد أن البحث عما أخطأت فيه هاريس، وماذا كان بإمكانها أن تفعل، قد يستغرق وقتاً ليبدأ الديمقراطيون في توجيه أصابع الاتهام وإثارة الأسئلة بشأن مستقبل الحزب.
التزم مسؤولو حملة هاريس الصمت تماماً في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء، بينما أعرب بعض المساعدين عن صدمتهم بالدموع بشأن ما توقعوا أن يكون سباقاً انتخابياً أقرب لفوز مرشحتهم.
وقالت مديرة حملة هاريس، جين أومالي ديلون، في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى فريق العمل يوم الأربعاء: “الخسارة مؤلمة بشكل لا يصدق، إنها خسارة صعبة، وسيستغرق الأمر وقتاً طويلاً لمعالجته”.
لم تستطع هاريس، بصفتها نائبة الرئيس الحالي، جو بايدن، فك ارتباطها عن رئيس غير محبوب، كما عجزت عن إقناع الناخبين بأنها قادرة على إحداث تغيير كانوا يسعون إليه وسط قلق اقتصادي واسع النطاق.
“إرث بايدن”بعد انسحاب بايدن من السباق الانتخابي، في أعقاب أداء كارثي خلال مناظرة أمام ترامب، دُفعت هاريس إلى صدارة قائمة الحزب، متجاوزة أي تدقيق خلال الانتخابات التمهيدية.
وبدأت حملتها الانتخابية، التي استمرت مائة يوم، وتعهدت فيها بتقديم “جيل جديد من القيادة”، وحشدت دعم النساء حول حقوق الإجهاض، وتعهدت باستعادة الناخبين من الطبقة العاملة من خلال التركيز على القضايا الاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة والقدرة على تحمل تكاليف الإسكان.
وقبل ثلاثة أشهر فقط حتى يوم الانتخابات، ولّدت هاريس موجة من الزخم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقائمة تأييد كان من بينها دعم النجمة تايلور سويفت، فضلاً عن جمع تبرعات قياسية، بيد أن هاريس لم تستطع التخلص من مشاعر الناخبين المناهضة لبايدن، التي سيطرت على كثير منهم.
ظلت نسبة التأييد لبايدن تتأرجح باستمرار عند مستويات منخفضة طوال سنواته الأربع في منصبه، بينما أعرب نحو ثلثي الناخبين عن اعتقادهم بأن الولايات المتحدة تسير في المسار الخطأ.
وتساءل بعض الحلفاء بشكل خاص عما إذا كانت هاريس ظلت مخلصة للغاية لبايدن في خوضها السباق خلفا له، غير أن جمال سيمونز، مدير الاتصالات السابق لنائبة الرئيس، وصف الأمر بأنه “فخ”، بحجة أن أي مسافة تباعد بينهما وبين بايدن كانت ستمنح الجمهوريين خط هجوم آخر ووصفها بأنها غير مخلصة له.
وقال: “لا يمكنك حقا الهروب من رئيس اختارك”.
سعت هاريس إلى السير على خط رفيع لمعالجة سجل إدارة بايدن دون إلقاء ظلال على رئيسها، كما أظهرت نوعا من الإحجام عن التنصل من أي سياسات اتخذها بايدن، في ظل عدم ترويجها لتلك السياسات علناً خلال حملتها الانتخابية.
بيد أنها أخفقت بعد ذلك في تقديم حجة مقنعة بشأن قيادتها للبلاد، وكيف ستتعامل مع الإحباطات الاقتصادية لدى الناخبين، فضلاً عن المخاوف واسعة النطاق بشأن الهجرة.
وكان ثلاثة من كل عشرة ناخبين قد تحدثوا عن تراجع الوضع المالي لأسرهم، وهي زيادة عن نحو اثنين من كل عشرة ناخبين قبل أربع سنوات، وفقا لاستطلاعات رأي وكالة “أسوشيتد برس” للأنباء لجمع وتحليل بيانات حول تصويت الناخبين في الانتخابات الأمريكية، وهو استطلاع شمل ما يزيد على 120 ألف ناخب أمريكي أجراه “مركز الأبحاث الوطنية للرأي العام” في جامعة شيكاغو.
كما أظهرت استطلاعات الرأي أن تسعة من كل عشرة ناخبين أعربوا عن قلقهم للغاية أو إلى حد ما بشأن أسعار المواد الغذائية.
وأظهر نفس الاستطلاع أن أربعة من كل عشرة ناخبين طالبوا بترحيل المهاجرين الذين يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني إلى بلدانهم الأصلية، وهي زيادة أكبر مقارنة بثلاثة من كل عشرة ناخبين طالبوا بنفس الشيء عام 2020.
وعلى الرغم من سعي هاريس خلال المرحلة الأخيرة من حملتها إلى التأكيد على أن إدارتها لن تكون استمراراً لإدارة بايدن، إلا أنها أخفقت في تحديد ملامح سياساتها الخاصة بوضوح، وتجنبت القضايا بدلاً من توضيح كيفية معالجة الإخفاقات المتصورة بشكل مباشر.
“بناء على قاعدة دعم بايدن”كانت حملة هاريس تأمل في حشد قاعدة التصويت التي دعمت فوز بايدن في عام 2020، والفوز بالدوائر الانتخابية الديمقراطية الأساسية التي تتألف من الناخبين السود والأمريكيين من أصول لاتينية والشباب، فضلاً عن تحقيق المزيد من المكاسب والدعم من الناخبين في الضواحي من فئة المتعلمين بالجامعات.
بيد أنها لم تحقق أداءً جيداً مع هذه الكتل التصويتية الرئيسية، إذ خسرت 13 نقطة مع الناخبين من أصول لاتينية، ونقطتين مع الناخبين السود، وست نقاط مع الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، وفقا لاستطلاعات الرأي، والتي قد تتغير مع فرز الأصوات، لكنها تعتبر ممثلة لاتجاهات الناخبين.
وقال السناتور المستقل، بيرني ساندرز، عن ولاية فيرمونت، الذي خسر الانتخابات التمهيدية الرئاسية الديمقراطية عام 2016 أمام هيلاري كلينتون والانتخابات التمهيدية عام 2020 أمام بايدن، في بيان إنه “ليس من المستغرب” أن يتخلى الناخبون من الطبقة العاملة عن الحزب الديمقراطي.
وأضاف: “في البداية، كانت الطبقة العاملة بيضاء، والآن أصبح العمال من أصول لاتينية والسود أيضاً. وبينما تدافع القيادة الديمقراطية عن الوضع الراهن، أعرب الشعب الأمريكي عن غضبه وأنه يريد التغيير”.
وقال واصفاً الشعب الأمريكي “هم على حق”.
وعلى الرغم من دعم النساء لهاريس إلى حد كبير على حساب ترامب، لم يتجاوز تقدم نائبة الرئيس النسبة التي كانت حملتها تأمل أن يحققها ترشيحها التاريخي، إذ لم تتمكن من تحقيق طموحاتها في الفوز بأصوات النساء الجمهوريات في الضواحي، وخسرت 53 في المائة من أصوات النساء البيض.
وفي أول انتخابات رئاسية منذ إلغاء المحكمة العليا الحق الدستوري في الإجهاض، علّق الديمقراطيون أملاً على أن يؤدي تركيز هاريس على دعم حقوق الإنجاب إلى تحقيق فوز حاسم في الانتخابات.
وعلى الرغم من إدلاء نحو 54 في المائة من الناخبات بأصواتهن لصالح هاريس، إلا أن هذا لم يصل إلى نسبة 57 في المائة التي سبق ودعمت بايدن عام 2020، وفقاً لبيانات استطلاعات الرأي عقب الإدلاء بأصوات الناخبين في مراكز الاقتراع.
“التركيز على ترامب جاء بنتائج عكسية”سعت هاريس، حتى قبل دفعها على رأس قائمة ترشيح الحزب لخوض الانتخابات، إلى رسم ملامح السباق كما لو كان استفتاء على ترامب، وليس بايدن.
واستعانت نائبة الرئيس بسجلها في إنفاذ القانون لمقاضاة الرئيس السابق.
غير أن حملتها اختارت في البداية التخلي عن حجة بايدن الأساسية القائلة بأن ترامب يشكل تهديداً وجودياً للديمقراطية، وأعطت الأولوية لرسالة “تفاؤل” مستقبلية بشأن حماية الحريات الشخصية والحفاظ على الطبقة المتوسطة.
بيد أنه في المرحلة الأخيرة من حملتها اتخذت هاريس قراراً تكتيكياً سلط الضوء مرة أخرى على مخاطر رئاسة ترامب الثانية، ووصفت الرئيس بأنه “فاشي” وأنه شن حملة مع الجمهوريين الساخطين الذين سئموا من خطابه.
وبعد أن قال كبير موظفي البيت الأبيض السابق، جون كيلي، لصحيفة نيويورك تايمز إن ترامب تحدث بإيجابية عن أدولف هتلر، أدلت هاريس بتصريحات خارج مقر إقامتها الرسمي واصفة الرئيس بأنه “غير متوازن وغير مستقر”.
وقال فرانك لونتز، خبير استطلاعات الرأي الجمهوري المخضرم، مساء الثلاثاء: “خسرت كامالا هاريس هذه الانتخابات عندما تحولت للتركيز بشكل شبه حصري على مهاجمة دونالد ترامب”.
وأضاف: “يعرف الناخبون فعلاً كل شيء عن ترامب، لكنهم يريدون معرفة المزيد عن خطط هاريس للساعة الأولى واليوم الأول والشهر الأول والسنة الأولى من إدارتها”.
وقال لونتز: “كان فشلاً كبيراً لحملتها أن سلطت الضوء على ترامب أكثر من أفكار هاريس الخاصة”.
وفي النهاية، لم ينجح التحالف الذي احتاجته هاريس لهزيمة ترامب، وأظهر رفض الناخبين المدوّي للديمقراطيين أن الحزب لديه مشكلة أعمق من مجرد رئيس غير محبوب.
نقلاً عن BBCعربي
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: نائبة الرئیس عام 2020 بید أن
إقرأ أيضاً:
عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟
طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.
فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".
وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.
في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".
إعلانأما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".
في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".
وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".
ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.
وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".
وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".
وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".
إعلانثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".
حقيقة جوهرية
وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.
وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.
وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.
وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.
وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.