حدود الحرية في قانون الإعلام الجديد!
تاريخ النشر: 16th, November 2024 GMT
د. محمد بن عوض المشيخي **
أثمن وأغلى ما في هذه الحياة هي حرية التعبير التي تعد مقياسًا حقيقيًا للعلاقات السليمة بين السُلطة الحاكمة في أي بلد والفرد أو المجتمع الذي يعيش في كنف تلك السلطة التي تُشرِّع له القوانين وتُنظِّم له مختلف أوجه الحياة؛ كالحقوق المدنية التي يجب أن يكتسبها ويتعرف عليها، وكذلك الواجبات المُلزمة والحدود التي يجب أن يُدركها الجميع من الرعية نحو الوطن، والتي تُشكِّل من وجهة نظر الحكومة "الخطوط الحمراء" التي لا يجب أن يتجاوزها المواطن الصالح، حتى وإن كان المجتمع يمثل الحلقة الضعيفة على وجه الخصوص في المجتمعات التي يُعتقد بأنها غير قادرة على التفريق بين الحق والباطل، وبالتالي تقوم الحكومات بالتصرف نيابة عن الشعب.
وإذا كان حديثنا الذي بدأ بحرية التعبير الذي هو اشمل واعم من الحريات الأخرى التي تعد فروعًا لها، فإن التركيزهنا سوف يتمحور حول حرية الإعلام، وخاصة الصحافة التي هي في الأساس رسول المظلومين وضمير الانسانية؛ لما تتحمله من مسؤوليات كبيرة عن تنوير الناس وتعريفهم بحقوقهم؛ بل في الوقوف أمام المتسلطين عبر التاريخ؛ فالصحفي الحر مثل الشمعة التي تحترق من اجل تُضيء الدروب المظلمة للجماهير. بدايةً بنضال الأوائل من المؤسسين الذين تزامن ظهورهم مع الصحافة في أوروبا أمثال جان جاك روسو مؤلف كتاب "العقد الاجتماعي" الذي يُعد من أهم كتاب عصر التنوير في فرنسا. ومن المؤسف حقًا أن نجد عددًا قليلًا من حكومات العالم لا يتجاوز عددها أصابع اليد الوحدة التي تحترم حرية الصحافة في هذا العالم المترامي الأطراف؛ فأكبر كذبة سمعتُها هي الزعم والافتراء بأن هناك سلطة رابعة اسمها الصحافة، خاصةً في المجتمعات النامية التي يُفترض أن يُراقب فيها الإعلام كل السُلطات، خاصة السلطة التنفيذية، فضلًا عن السلطتين التشريعية والقضائية. وفي حقيقة الأمر هناك صراع أبدي بين الحكومات والإعلام والأخير هو الضحية.
الفكرة التي اريد إيصلها للجميع عبر هذه السطور هي القوانين والأنظمة التي وُضِعَت لحماية الصحفي، والتي تستمد قوتها من الدساتير الموضوعة للأمم، وسرعان ما قد يتم تجاوزها عندما تشعر السلطات بأنها في خطرٍ يُهدد وجودها؛ فتجد الكل يتجاهل القوانين والتشريعات التي وُضِعت في وقت السلم والوئام.
فعلى سبيل المثال اضطترت بعض الحكومات في الشرق الأوسط في اعقاب "الربيع العربي" إلى إغلاق صحفها المشاغبة وتقييد حرية الصحفيين، دون النظر إلى نصوص قوانين الإعلام التي لا تُجيز مصادرة حرية الصحافة إلّا بأمر قضائي.
في المقابل، عرفت سلطنة عُمان عبر تاريخها 3 تشريعات تُنظِّم العلاقة بين الحكومة والإعلام، وإن كان القانون الأول الذي صدر في عام 1975 يتضمن 55 مادة، وقد مَنحت المادة رقم (9) من قانون المطبوعات والنشر لوزير الإعلام صلاحيات واسعة في إيقاف إصدار الصحف ومصادرتها دون الرجوع إلى أي سلطة قضائية، لكن لم يكن القانون الثاني الذي يحمل رقم (49/ 1984) والذي صدر في فترة الازهار الاقتصادي والاستقرار الأمني للبلاد أفضل حالًا مما قبله، على الرغم من استمراره أكثر من 40 سنة.
لكن يجب الاعتراف بأنه خلال السنوات الأخيرة شهدت الصحافة العُمانية وكذلك الإعلام الإذاعي الخاص حريةً نسبيةً معقولةً لا تقل عن غيرها من دول الخليج العربية؛ بل أزعم أننا افضل حالًا من جيراننا في سقف الحرية، التي هي في واقع الأمر تعود بشكل كبير إلى الإرادة السياسية، وليس للقوانين المنظمة للإعلام فقط. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن جميع أمورنا على ما يرام؛ بل في الواقع هناك بعض المقالات وكذلك برامج إذاعية قد تم إيقافها خلال السنوات الماضية، رغم أن ذلك لم يتم إلّا على مستوى ضيق، وقد تكون هناك مُبرِّارات للرقابة الذاتية، وكذلك لمقص الرقيب من وجهة النظر الرسمية.
وقبل أسبوع، صدر قانون الإعلام الجديد بعد طول انتظار امتد لاربع عقود، وتضمن القانون 60 مادة، وحملت المادة رقم (3) العديد من النقاط المُهمة التي نتوقع منها- إذا ما تم تطبيقها بحسن النية من المسؤولين- أن يكون لها الأثر الطيب في حل مشكلة مُزمِنة تتمثل في الحق في الحصول على المعلومات من مصادرها، وتداولها بشكل مشروع، كما إن حرية الرأي والتعبير باستخدام وسائل الإعلام قد أقرها القانون الجديد كحق مكتسب لا لبس فيه، وهذا تطور إيجابي كبير. والأهم من ذلك كله حق الصحفي الاستقصائي، الحفاظ على سرية مصادر المعلومات التي يحصل عليها، فقد نصت المادة (21) على أنه "لا يجوز إجبار الإعلامي على إفشاء مصادر أخباره أو معلوماته، وذلك دون الاخلال بمقتضيات الأمن الوطني، والدفاع عن الوطن".
وتزامنًا مع نشر القانون الجديد، تواصلتُ مع الزملاء رؤساء التحرير ومديري الإذاعات الخاصة الذين تربطني بهم علاقات عمل، واستطلعت وجهات نظرهم حول القانون، فكانت إجاباتهم موحدة ومختصرة في كلمتين مفادهما "غرامات ومحظورات". وبالفعل القانون لا يخلو من بعض التحديات؛ فالعقوبات أُفرِدَ لها 20% من مواد القانون ممثلة في 12 مادة من اجمالي 60 مادة، كذلك الارتفاع الكبير في الغرامات التي تصل إلى 200 ألف ريال عُماني كحد اقصى، وكذلك عقوبة السجن التي تمتد في بعض النصوص إلى 3 سنوات، وكل ذلك يُشكِّل قلقًا وهاجسًا للأسرة الإعلامية، نتيجة ما يمكن أن تتعرض له المؤسسات والإعلاميين من عقوبات رادعة.
والسؤال المطروح الآن: ماذا نتج عن عمل المشرعين في مجلس عُمان خلال المداولات الماضية؟ فقد استبشرنا خيرًا بالأخبار التي وردتنا من مجلس الشورى بعد مناقشة مشروع القانون، والمتمثلة في إلغاء النصوص المتعلقة بالسجن، ولكن سرعان ما تم عرقلة مشروع القنون في بوابة أخرى حسب التسريبات، ثم نسمع عن توافق بين المختصين في مجلس عُمان حول النصوص المختلف عليها. لكن ما حصل من تباين في الآراء حول التعديلات المقترحة على مشروع قانون الحماية الاجتماعية يبدو أنه حدث مع قانون الإعلام، الذي كُنَّا نطمح أن يخلو من العقوبات غير المبررة التي تؤثر بصورة غير إيجابية على مكانة سلطنة عُمان في المؤشرات والمحافل الدولية.
وفي الختام.. كنا نأمل أن تكون مسألة إيقاف المؤسسات الإعلامية- سواء مؤقتًا أو دائمًا- متروكة برُمتها للقضاء والمحاكم وليس للحكومة.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.