الكتاب: تاريخ القرصنة في العالم
الكاتب: ياتسيك ماخوفسكي، ترجمة أنور إبراهيم
الناشر: مؤسسة هنداوي عام 2022
عدد الصفحات:  278 صفحة

ـ 1 ـ


يعود الكاتب ياتسيك ماخوفسكي في أثره " تاريخ القرصنة في العالم" إلى أزمنة الإغريق والرومان والقرطاجنيين في حوض البحر الأبيض المتوسط ما قبل الميلاد. فيعرض بداية ظهور أعمال القرصنة.

ثم يتدرج  من القرون الوسطى  إلى العصور الوسطى والحديثة في البحر الكاريبي  وبحار أمريكا الشمالية والمحيط الهادي وبحار الجنوب. ويبحث في مدى إسهام القراصنة في تشكيل التحالفات بين الدّول بعد أن أصبحوا يشكلون جيوشا غير نظامية. ويحاول من وراء ذلك أن يسد فراغا في المكتبة الروسية، اللغة الأصلية للكتاب، وفق مؤلفه. فيردّ نشأة هذه الظاهرة إلى الفينيقيين أولا ثم لجأ إليها الإغريق لاحقا، خاصّة قبائلهم المقيمة على السواحل. وإليها يرد الفضل في ظهور الملاحة البحرية.

ـ 2 ـ

ورغم قيام القرصنة على النهب والاستيلاء على أملاك الغير، عدّت عند الإغريق حرفةً رفيعة المنزلة. فتغنوا بها في ملاحمهم. فأخيل بطل حرب طروادة مثلا، يعترف بفخر في الإلياذة بأنَّه احترف القرصنة. أما بوليكراتس طاغية ساموس في أواخر القرن السادس ق م، الذي اشتهر بإحسانه للمواطنين الفقراء، ورعايته للفنون والعلوم وتقريب أبرز الشعراء والمعماريين والأطباء إليه، فقد بنى مجده من القرصنة ومن سيطرة أسطوله الضخم على بحر إيجه. وبعد أن استولى على ساموس بمساعدة إخويه، قتل أولهما (بانتاجنوت)، ونفى أخاه الآخر (سيلوزدن)، ليستأثر بالسلطة كلّها وليضاعف ثرواته من الإتاوات الضخمة التي كان يفرضها على قباطنة السفن.

تمثّل القرصنة موضوعا بالغ الأهمية يمكن للمرء أن ينظر منها لتاريخ العالم من زاوية مختلفة وينتهي إلى نتائج جديدةيفسر الباحث تحويل الإغريق للقرصنة إلى قيمة ايجابية، رغم ثقافتهم الروحية الرفيعة إلى فقرهم المادي مقارنة بجيرانهم الفينيقيين. "وهكذا فكلما سار تطور التجارة إلى الأفضل بالنسبة للفينيقيين، وازدادت الثروات المنقولة على مراكبهم، اشتدت عملية السطو في بحر إيجه" وكان على الفينيقيين أن يدفعوا الأموال للصوص البحر في هيئة فدية وتعويضات سخية.

ـ 3 ـ

أصبح القراصنة لاحقا من القوة والتنظيم ما خوّل لهم إنشاء دويلات ومكّنهم من عقد الاتفاقيات مع الدّول الكبيرة. وكانوا يعوّلون على الهجومات المباغتة ليلا بعد أعمال تجسس دقيقة فيسرقون الحلي الثمينة والمشغولات الفضية والذهبية، وينهبون المعابد ويختطفون النساء والأطفال، لبيعهم بأسعارٍ باهظة في أسواق الرقيق المنتشرة في بلدان البحر الأبيض المتوسط. أو يحاصرون الجزر، ويجبرون السكان على دفع الإتاوات، وإبَّان رسو مراكبهم على الشواطئ يتحوّلون إلى قطاَع  طرق.

وعلى خلاف الإغريق كان الرومان أكثر صرامة مع القراصنة. يذكر الكاتب وفق سرد أدبي بيّن، تعرض يوليوس قيصر، الجنرال والقائد السياسي والكاتب الروماني وقائد الجيوش الرومانية في حروب الغال الأهلیة، لهجوم القراصنة لما نفاه لوسيوس كورنيليوس سولا القائد والديكتاتور (138 ق.م-78 ق.م) من روما، وانتقامه لاحقا بإعدام ثلاثمائة وخمسين منهم وصلب ثلاثين من قادتهم. وهذا ما خلّص شعوب البحر الأبيض المتوسط من خطرهم لزمن. ولكن بعد موته سنة 44 ق. م.  ستعود القرصنة من جديد. فقد كان بأسهم يشتدّ كلما كان الإمبراطور الجالس على العرش أضعف. واستمرّ الوضع حتى سقوط إمبراطوريتهم في القرن الخامس الميلادي.

ـ 4 ـ

لأسباب حضارية تعني التاريخ الإسلامي، نكون أكثر انتباها إلى الفصل المهم الذي يخصصه الأثر للحديث عمن أسماهم بقراصنة البربر. فقد اقترنت مراكز قوى القراصنة في القرون الوسطى بهم. فيقدّر أنهم  تولوا تمزيق خطوط الملاحة والتجارة في البحر الأبيض المتوسط بدءًا من عام 1440 ميلادية، وعلى مدار ثلاثة قرون، لما أخذت دولة الحفصيين في التفكك، وجعلت دويلات صغرى تحلّ محلها. فأمكن لحركة القرصنة هذه وفق الكاتب أن تستولي على معظم الموانئ الكبرى في شمال أفريقيا، شأن مواني طرابلس وتونس والجزائر. فمارسوا النهب البحري على نطاق واسع. ويردّ سطوتهم إلى إبرام محمد بن الحسن آخر حكام الدولة الحفصية،  معاهدة مع الأخوين بارباروس، فقد خوّل لهما الهيمنة على جزيرة جربة مقابل مبلغ من المال وقدر دائم من الغنائم.

ينتهي الكاتب إلى أن قراصنة البربر القادمين من جزيرة جربة كان، [يحدوهم الإحساس بارتباطهم الديني والاقتصادي بالأتراك، بالوقوف ضد أعدائهم مُغيرين على السواحل الجنوبية لكلٍّ من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، حيث كانوا يُعملون النهب في الموانئ المحلية الغنية، ويأسرون الآلاف من السكان. كان الأغنياء منهم يدفعون فديةً ضخمة، بينما كان الفقراء يبقون ليرزحوا في أغلال العبودية.

على هذا النحو تعاظمت القدرة الاقتصادية والسياسية للقراصنة البربر، وما هي إلا سنوات معدودة، حتى استولوا تقريبًا على الساحل الشمالي المطلِّ على البحر الأبيض المتوسط]. ويصف تنصيب عروج (1447- 1516) لنفسه سلطانًا على الجزائر باسم بارباروس الأول بظهور أول دولة للقرصنة في شمال أفريقيا. ورغم انتباهه إلى الصلات العميقة بين ازدهار عمل القرصنة في المتوسط ومحاولة الأسبان التوسع شرقا على حساب بلدان شمال أفريقيا.

ـ 5 ـ

يختتم الأثر بالبحث في القرصنة في العصر الحديث. فيؤكد تراجعها مع انتهاء القرن التاسع عشر، وعدم تمثيلها  خطرًا حقيقيًّا على الملاحة البحرية، مستثنيا بعض أعمال النهب البحري الفردية خاصةً في البحر الأحمر وفي البحار المتاخمة للصين. ومع ذلك يعرض تحول القرصنة في عشرينات القرن الماضي ثلاثيناته أشكالًا منظمة تجعلها شبيهة بالمؤسسات الرأسمالية، ممثلة في هيكل يستأجر بعض المرتزقة الذين يتولون  البحث عن الأهداف المفترض.

وفي فترة الحربين العالميتين وما بينهما، ظهرت قرصنة من نوع جديد. فقد قصف الألمان السفينة ـ المستشفى الإنجليزية "ليندوفيري كاسل" بقذائف الطوربيد قرب شواطئ أيرلندا، رغم بروز الإشارات التي تكشف طابعها السلمي،  ثم لاحقوا قوارب النجاة التي لجأ إليها الضحايا لطمس جريمتهم. وظهرت أعمال إجرامية تنفذها الأساطيل البحرية ضد السفن التجارية التابعة للدول المحايدة. وتعرضت السفينتان السوفيتيتان "تميريازيف" و"بلاجوييف"، اللتان كانتا تبحران عبر البحر المتوسط إلى  هجمات لم يتم تبنيها من قبل أي طرف. ولكن السوفييت احتجوا لدي  ايطاليا الفاشية واتهموها بالضلوع في الهجوم رفقة القوات الألمانية.

بالمقابل، قادت الدول البحرية الكبرى الجهود منذ نهاية القرن التاسع عشر وفي غير سياق الحرب، عمليات مشتركة، بهدف القضاء التام على النهب البحري. وتم ذلك وفق الباحث نتيجة للانتقال من الاقتصاد الإقطاعي إلى الاقتصاد الرأسمالي. فعندها بات ينظر إلى القراصنة باعتبارهم أفرادا خارجين على القانون. فصيغت مبادئ عامة، وقواعد قانونية، تدين القرصنة، وتحمي مبدأ حرية التجارة. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تقدّر عند العمل على وضع تشريع القانون الدولي في عام 1962 "أن القرصنة بهذا الشكل الذي يُعنى به القانون الدولي لم يعُد لها وجود تقريبًا؛ ولهذا فإن دراسة هذه المشكلة من وجهة نظر ضرورة معالجتها من خلال اتفاقية دولية، ليس لها في الوقت الحالي مغزًى كبيرٌ."

ولكن لم يتم القضاء عليها قضاء نهائيًّا، فبعض الأعمال لا تزال تجد اليوم هنا أو هناك. وفضلا عن ذلك ظهرت قرصنة جديد ة تُمارس بإيعازٍ من بعض الدول، فتصادر سفن بعض الدّول بطريقة  غير القانونية ويتم الاستيلاء على حمولتها أو إغراقها في عرض البحر بتعلة مقاومة الإرهاب أو منع الدول المحاصرة من توريد السلع أو تصديرها. وهذا ما جعل فُقهاء القانون يعيدون تعريف القرصنة  فيؤكدون أنها تشمل كل الأعمال الإجرامية التي تهدد أمن الملاحة البحرية.

ـ 6 ـ

يعرض الكتاب تاريخ القرصنة في بقاع مختلفة من العالم على مدار تاريخ البشرية إذن. ولكن يعنينا منه خاصّة ما تعلّق بـ"ـقراصنة البربر". فقد بدا ملمّا بطبيعة الصدام بين الدولة العثمانية والأسبان غير المباشر في حوض المتوسط منذ بدايات حرب الاسترداد التي أفضت إلى سقوط الأندلس وشبه الجزيرة الإيبيرية مدركا أنّ قراصنة شمال أفريقيا كانوا يمثلون قوات غير نظامية تعمل على السيطرة على البحر الأبيض المتوسط وأنّ معظم عناصرها هم من أحفاد المسلمين الذين طردوا من إسبانيا، آخذا للبعد الديني لهذه المعارك بعين الاعتبار. فما كان يجدّ من الصدام هو في الأصل "حرب ضد قوات الهلال تحت القيادة الروحية للبابا" ممثل المعسكر المسيحي.

لأسباب حضارية تعني التاريخ الإسلامي، نكون أكثر انتباها إلى الفصل المهم الذي يخصصه الأثر للحديث عمن أسماهم بقراصنة البربر. فقد اقترنت مراكز قوى القراصنة في القرون الوسطى بهم. فيقدّر أنهم تولوا تمزيق خطوط الملاحة والتجارة في البحر الأبيض المتوسط بدءًا من عام 1440 ميلادية، وعلى مدار ثلاثة قرون، لما أخذت دولة الحفصيين في التفكك، وجعلت دويلات صغرى تحلّ محلها.ولكنه مع ذلك ينتهي إلى استنتاجات متسرعة غير منسجمة مع هذا التمشي التحليلي.  فالأسبان، عنده، اتجهوا إلى جربة ثم إلى الجزائر لا لبسط نفوذهم على العالم الإسلامي ضمن خططهم التوسعية وإنما " لما أصابهم الذعر من جراء النهب البحري الذي استشرى في البحر الأبيض المتوسط - بتنظيم حملة مسلحة شقَّت طريقها نحو شمال أفريقيا، واستهدفت القضاء على أوكار القرصنة فيه، على أنَّ التوفيق لم يحالفها في تدمير جربة، فيممت إلى الجزائر". والجزائر عنده تمثل "أول دولة للقرصنة في شمال أفريقيا".

ورغم إقراره بأن" المغاربة يقدرون أصحاب الحَرف والفنانين والأطباء تقديرا رفيعا، وكانوا كثيرا ما يُعيدون العبيد إلى حريتهم، وقد اختلط الكثير من هؤلاء بالسكان، وتزوجوا منهم، واعتنق بعضهم الإسلام، وارتدوا العمائم، وذهبوا للعمل كقراصنة"، فإنه لا يفهم من ذلك أنّ المسلمين كانوا يحسنون إلى الأسرى من منطلق قيمهم الدينية. فيرى أنهم يعاملونهم "في الغالب ببساطة كما يعاملون الماشية، معتبرين أنهم كلما أحسنوا تغذيتهم ومعاملتهم، كان هؤلاء أكثر إنتاجيةً لهم في العمل. كان هؤلاء المسلمون يتميزون كثيرا عن المسيحيين الذين كانوا يعاملون عبيدهم من المسلمين معاملتهم للمرتدين، أما ما كان يعنيه هذا الأمر إبان عصر التفتيش؛ فالأمر لا يحتاج إلى تفسير". فيؤكد ظاهرة تلازم  أغلب الغربيين كلّما فكروا في الحضارة العربية الإسلامية، هي عدم بذل الجهد لفهمها والاكتفاء برؤية تبسيطية متعالية.

ـ 7 ـ

تمثّل القرصنة موضوعا بالغ الأهمية يمكن للمرء أن ينظر منها لتاريخ العالم من زاوية مختلفة وينتهي إلى نتائج جديدة، ومن هنا مأتى أهمية هذا الكتاب. ولكن للأسف غلب على الأثر الطابع التجميعي من المراجع المختلفة دون تحقيق وساد سرد التفاصيل بإسهاب أقرب إلى التخييل الأدبي منه إلى النقل التاريخي الرصين المتوخي للدّقة. فكان شديد الحساسية للمراجع التي يستند إليها. فتأثر بالملاحم بجلاء في حديثه عن القرصنة عند الإغريق قبل الميلاد. وتأثر بوجهة النظر المسيحية والاسبانية خاصّة عند الحديث عن قراصنة القرون الوسطى ثم تأثر بوجهة النظر السوفييتية عند عرض القرصنة الحربية في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب تاريخ القرصنة عرض قرصنة كتاب تاريخ عرض كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البحر الأبیض المتوسط القرون الوسطى شمال أفریقیا القرصنة فی ل القرصنة فی البحر ما کان

إقرأ أيضاً:

محكمة غزة.. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.

مقالات مشابهة

  • على عمق 6500 متر.. اكتشاف البترول الخام لأول مرة في غرب البحر المتوسط
  • لأول مرة.. «وزير البترول»: شواهد بترولية لاكتشاف الزيت الخام في غرب البحر المتوسط
  • "شل" تحقق نتائج واعدة في بئر «فيلوكس-1X».. مؤشرات لاكتشاف أول بترول خام بغرب البحر المتوسط
  • كتاب يوثّق رحلة الحرف العربي ورواده في قطر
  • محكمة غزة.. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام
  • البحر الأبيض يطلق إنذارا مبكرا.. احترار غير مسبوق يهدد خريف المنطقة العربية
  • “قاسم”: القبلية توثر على آليات التوظيف واختيار القيادات بمؤسسات الدولة
  • رويترز: سفينة تجارية خُطفت قبالة اليمن باتت في قبضة قراصنة صوماليين
  • عُمان تتحرك لإحياء المسار السياسي في اليمن.. وباكستان تعلن مساندتها للسعودية
  • عُمان تؤكد ضرورة تجنب التصعيد في البحر الأحمر وتكثف جهودها لاستئناف المسار السياسي في اليمن