سودانايل:
2026-06-03@05:48:39 GMT

الكتلة الثقافية الحرجة

تاريخ النشر: 10th, December 2024 GMT

"الحرب تسلب الأمم أصواتها الثقافية، وتحول الموروث إلى أطلال."
- إدوارد سعيد

من حقائق هذه الحرب الدائرة منذ الخامس عشر من ابريل 2023، ان اي محاولة لتقدير احجام الخسائر الناجمة عنها، سوف تصبح محاولة ناقصة، او اقل بكثير مما تقوله التصريحات الرسمية لإعلام الطرفين المتحاربين، أو ربما الجهات الدولية المختصة، أو ذات الصلة.

فما تذهب اليه الاحصاءات الفعلية الواقعية من خلال المراقبة اليومية بما يضخ عن الحرب ربما هو الذي يقود إلى جادة صواب التقدير. إنها أعداد مهولة ومتجاوزة تدعو لضرب ناقوس الخطر في الحال. فنحن غالبا ما نكون قد تجاوزنا حالياً درجة العيش تحت وضع الكارثة الى ما بعده. فاينما ستنظر ستجد الفقد كاملا، وبحقيقته العارية الصادمة.
غير ان في الغد ستنجلي المعلومات اكثر عن حجم الضرر البشري والمادي الذي سببته الحرب. ذلك وبلا شك سيشمل أعداد الموتى بسبب قصف أسلحة الطرفين، او بسبب المترتبات الصحية المتدنية، المدمرة التي اوجدتها عمليات التهجير، والنزوح، والتجريد من الممتلكات. كذلك سيكون الفقد المرتبط بالحياة المادية من دمار مؤسسات ، وبيوت ، وموجودات ترتبط بمنجزات الانسان السوداني على مر التاريخ.
غير ان ما يهم هنا، هو التنبيه لمتغيرات الثقافة المادية نفسها في علاقتها بالحرب بتأسيس، وإتفاق مع مقولة فيكتور هوغو بأن "الثقافة تقاوم الحرب، لكن الحرب غالبًا ما تبتلع الثقافة."
ان الاسلامويين في ثنائيتهم المتحاربة بالجيش او الدعم السريع حققوا للخراب ذات نفسه، امنية عزيزة بجعله قدرا يخص السودان والسودنيين، ضمن اخرين، بما إستطاع سحقه في هذه الحرب من وثائق الهويات التاريخية المتعددة.
ان الخراب في هذه الأيام، وفي النسخ الأحدث، يبدو كعملية إبادة كاملة تستهف الإنسان والحيوان والارض بما يحفظه باطنها من ثروات.
ما اود تلمسه بالنقد، أوالتفكير النقدي هنا يتصل بتأثير الحرب على الثقافة والقيم بنقد لمقولة "عندما تتكلم المدافع فعلى الموسيقى أن تصمت.". هذه المقولة المجهولة المصدر، وبحكم تجارب شعوب كثيرة في الحرب او الحروب، تغدو من منتجات النظر السياسي القصير المحدود لماهية العلاقة بين الثقافة، والثقافة الفنية بصفة خاصة، والحرب. فهذا النظر الاحادي البعد يتأسس على افكار تتبنى، او تدعم صحة فرضية أن على الثقافة الفنية أن تكف عن الحديث أثناء الحرب. هذه الفكرة تلغي الدور المناط بالثقافة لعبه في البناء بتجميده وتاجيله لما بعد سكوت البنادق. وهذا يعني أن علي الثقافة الفنية، والتي منها "الموسيقى" ان تصمت أثناء تدفق لغة العنف الحربي.
تلك وفي تقديري نظرة تستبعد فكرة مهمة للغاية عن الحرب كونها تتمظهر بصفة يومية مستمرة ودائمة عبر التخلخل، والتشقق، والتغيير الذي يلحق بالنسق القيمي الثقافي للناس مما ينفي سلامة، وأصالة فكرة تجميد التفكير الثقافي لحين إنتهاء الحرب للبدء في التفكير الثقافي بعدها وإفتتاح أعمال العلاج والتعافي منها.
إن التحولات بالنسق القيمي للناس بازمنة الحرب امر يحدث أثناءها نفسها بما تنتجه من ظواهر أجتماعية، وفنية، وأخلاقية لحماية قيمها، وتصوير نفسها كحرب واقع وكقدر حتمي. فالحرب الحالية، ودونما تمييز للطرفين، او عزل لهما عن بعضهما البعض، هى حرب، وفي العمق الحيوي لها، تقوم على نهب الموارد، وهي وبسبب ذلك الهدف العزيز حرب تعمل على دعم أهدافها الخاصة عبر إنتاج قيمها الأجتماعية، والإقتصادية والفنية والادبية والاخلاقية دفاعاً عن توصيفها الذاتي لنفسها كونها حرب *كرامة*، بالنسبة للجيش، وحرب تخليص وتخلص من غول الإسلامويين *الفلول* بالنسبة للدعم السريع.
إن كلى الطرفين في هذه الحرب القذرة يستلهم ثقافة، وقيم، وفنون قتال ثقافي، كما منازلات إعلامية تروج لمحتوياتها بثقافة إعلامية ذات محتوى فني غنائي وموسيقي، وشعري لتأييد، وتحسين موقفه القتالي بالمعركة بما يؤكد صحة مقولة جورج أورويل " إن الحرب تجعل من الثقافة أداة للدعاية، بدلاً من أن تكون أداة للتنوير.".
وبما ان المهمة المنتظرة بعد توقف الحرب هي البناء الجديد وليس *اعادة البناء* كما هو شائع، فإن البناء الجديد يعني البناء على القيم المضادة، القيم المغايرة لثقافة الحرب من كراهية، وعنصرية قبلية، او حتى انعدام الديمقراطية الداخلية بالأحزاب. يقول مارتن لوثر كينغ "إن أسوأ ما تفعله الحروب هو أنها تجعل البشر ينظرون إلى بعضهم كأعداء، بدلاً من شركاء في الإنسانية." ذلك اذن يقترح ان النشاط الامثل لمقاومة تلك الكراهية يتمثل في أن ننشط أثناء الحرب نفسها لبث روح الإخاء والوحدة في المجتمعات.
ان المواد المكونة للنسق الثقافي القديم، واعني به النسق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفني الذي ساد تصبح جميعها من عداد الماضي. الماضي الذي ساهم بكلياته في اعداد حالة الحرب، ان لم هو ما تسببت في إشعالها أصلاً. ولكن فإن تيارات ومجموعات التفكير السياسي القصير النظر عندنا، ما تفتأ ان تستخدم كماضي ملهم ل "اعادة البناء" بإعتباره مكونا ذا "أصالة" وافضلية. ان ذلك موقف يستبعد ديالكتيك الحرب وما تولده من انساق قيمية جديدة باتت تشكل الحاضر القيمي الثقافي بما نكاد نشاهده، ونشهد عليه، ونتابعه، ونتعرف على عروضه البائسة عبر الميديا الجديدة بهذه الايام وما تضخه من غرائب وصدمات.
ان الحقائق اليومية المستخلصة من هذه الحرب هذه تشير الى استمرارها، واستمرار تدهور البنى البشرية والمادية معا ، مما يضع مهمة البناء بالمستقبل لا تبدا مع سقوط *النظام الثنائي* لحرب الاسلامويون ضد بعضهم البعض* جيش دعم سريع*، بل يجب ان تترافق مع ما يقع من هدم يومي بوجود قوة ثقافية ما، اقرب ما تكون للقوة الثقافية لمكافحة الانهيارات بسبب الحرب، وعلى ذات قاعدة مكافحة الظواهر التي تصنعها الحرب للامراض النفسية والفيزيائية المرتبطة بها وباستمرارها.
هنا اجد أننا سنكون بحاجة لإطلاق ما يمكن تسميتها بالكتلة الثقافية الحرجة التي يجب ان تتنظم للقيام بمهمتها المركزية في الدرء والتخفيف لآثار التدمير القيمي الثقافي الذاتي اليومي. فالدمار او الخراب لم يلحق فقط بقيم السياسة الشاخصة المرئية للجميع. ولكن بقيم الثقافة الاجتماعية التي تذروها الرياح وتتبدل وتتغير يوميا مع هذه الحرب، وبحيث تنتج نسقها القيمي المناوئ للتطور والتقدم. ان من المهم الإبقاء والصيانة للقيم الكبرى هنا والمتمثلة في الحرية والسلام والعدالة ولكن، على الحيز الاجتماعي لمجتمعات العيش والبقاء تحت القصف، ومجتمعات النزوح بالداخل والخارج والتي بدون وجود الكتلة الثقافية الحرجة سوف يكون ما نقوم به من جهود سياسية كما الحرث في البحر.
ان قمة جبل المأساة في النظام السياسي الثنائي المتورط في ادامة الحرب ينشط بمن يسانده ويؤيده من مجتمعات مصالح محلية، واقليمية، وعالمية، وان التخلص من كل ذلك، ومحاصرته لأجل إيقاف الحرب امر مهم وواجب بالطبع. ولكن التفكير السياسي الاستراتيجي الفعال يجب ان يعمل على معالجة الانساق الثقافية الاجتماعية المنهارة بشكل يفوق التوقع والوصف أثناء الحرب في حال اتباع تفكير سياسي قائد جديد . فقيم الفرد والجماعة اذا لم تتحرر من قيم الحرب، ويتم طرد الحرب نفسها من تلك القيم في أثناء إشتعال الحرب سنكون في إنتظار السلام المنقوص. سلام الخيبة والخيبات، وأعني به السلام السياسي. فمثل هذا السلام الذي تجتهد السياسة القديمة لتحقيقه. هنا علينا تذكر شعار اليونسكو القائل بأن الحرب: "تبدأ في عقول البشر، ولذلك يجب أن تبدأ ثقافة السلام من هناك أيضًا.".
إن ثمة اوقات اخرى ستكون في انتظار السلام السياسي ولكنه انتظار لن يكون بأسلحة بيضاء، ويمعركة بريئة تخلصنا منها نوايا السياسي صاحب الحسابات الآنية، ذلك المتعجل للتكوين والمشاركة وتقاسم المناصب في الحكومات. ما أعنيه ان تلك معركة اخرى جديدة تحتاج منذ الان الى اعداد مبكر في الوعي الثقافي الذي عليه أن يبحث عن تكوين كتلته وتمثيها بكافة مستويات العمل السياسي المقاوم للحرب. ان تأجيل المعركة مع النسق القيمي للحرب، هو ذات ما ترمي اليه غايات الاسلامويين من الطرفين في سباقهما المحموم للانفراد بالسلطة او بالتاثير في التشكيلات السياسية المكونة لسلطة ما بعد الحرب حتى تضمن عدم المساءلة عن جرمها الضخم الذي ارتكبته.
ان ما يستدعي التفكير والانتباه في ذات الوقت، هو ادراك، ومعرفة ان الطرفين المتقاتلين يعملان ضمن موقف ثقافي واحد. انه موقف غير معني وفي اطار ذاك النسق بفكرة الجودة، أو التحسين القيمي الثقافي. كلا الطرفين بما يحتويانه من موقف بائس من دمقرطة جودة الحياة نفسها سينصرفان الى غاياتهما الساخنة، لمراكمة اكبر قدر من الحماية، والمحافظة على ما تم نهبه، وارتكابه من جرائم، وإن افضل ما يمكن أن يفعلاه هنا توظيف الأخلاق والقيم بما يخدم مصلحتهما كمنتضرين، وليس توظيف الاخلاق المعبرة عن مصالح الشعوب السودانية وحقها في محاكمتهم. كل ذلك يؤكد أن المعركة الحالية، ومن الناحية الفعلية معركة مدنية ديمقراطية صرفة وحصرية بامتياز، *معركة أكثر من حرب بالنسبة لنا. انها معركة تكشف، وبجلاء، ان اعتبار أن لحظة وضع الحرب لاوزارها هي اللحظة المثالية للبدء في الانخراط ( سياسيًا) بغرض ايجاد الحلول والمعالجات الثقافية النفسية والذهنية، أمر سيعد وبلا ريب كارثة ومأساة لا تقل عن اي كارثة ومأساة أخرى تنبئ عن مجيء حروب مستقبلية، حروب سندفع أثمانها مجددا الأجيال القادمة كونها حروبا محتملة.

wagdik@yahoo.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: هذه الحرب

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • سحر السنباطي تبحث مع وزيرة الثقافة إطلاق مبادرات لتنمية الوعي الثقافي للأطفال
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • "بيت مصر" في ستوكهولم يحتفي بيوم أفريقيا الثقافي
  • جامعة العاصمة تحتفل باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • جامعة عين شمس والمركز الثقافي القبطي يحتفلان بتخريج دفعة من دارسي لغة الإشارة
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • انخفاض ملحوظ بإجازات البناء والترميم خلال 2025
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟