بيروت – لم تتمكن عائلة ياغي اللبنانية من دفن ابنها محمد في بلدة زوطر الغربية الواقعة في قضاء النبطية بجنوبي لبنان بعد مقتله مع مجموعة من القتلى نتيجة غارة إسرائيلية استهدفت البلدة قبل أكثر من ثلاثة أشهر، ونتيجة القصف المكثف على المنطقة، قررت عائلة ياغي مع 15 عائلة أخرى دفن أقاربهم في مدينة صور كـ"وديعة" إلى حين انتهاء الحرب وليتمكنوا لاحقا من نقل الجثث ودفنها في مسقط رأسهم.

قصة عائلة ياغي ليست الوحيدة، إذ أصبح مصطلح "الودائع" شائعا في لبنان، حيث دفن العديد من اللبنانيين أقاربهم في أماكن متعددة بسبب ظروف الحرب، ومنهم أبو عيسى -أحد أبناء مرجعيون- الذي يروي للجزيرة نت قائلا "بسبب القصف المكثف لم نتمكن من نقل ابننا إلى بلدتنا، فدفناه في مدينة صور كوديعة، وعندما هدأت الأوضاع تمكنا أخيرا من نقل جثمانه ودفنه بالطريقة التي تليق به".

يؤكد أبو عيسى أن مبدأ الودائع كان خيارا اضطراريا، مضيفا "كنا حريصين على عدم تعريض حياتنا وحياة الأهالي للخطر أثناء دفن أقاربنا في مدينة النبطية، كانت الحرب قاسية، وكان لا بد من تأجيل دفنهم إلى حين استقرار الأوضاع".

أما أم حيدر، وهي من بلدة مارون الراس الحدودية، فتروي بحرقة للجزيرة نت كيف لا يزال سكان المنطقة الجنوبية محرومين من العودة إلى أراضيهم أحياء وأمواتا، وتقول "عندما علمت باستشهاد ابني غمرني حزن عميق، وبدأت أتساءل كيف لي أن أودع ابني أو أقيم له مراسم عزاء؟"، وتضيف "حتى الآن دفنته كوديعة في مدينة صور على أمل أن أتمكن من دفنه في بلدتنا قريبا".

إعلان

أما سالي التي فقدت زوجها في غارة إسرائيلية فتقول "لم أكن أتصور أنني سأعيش لحظة دفن زوجي بهذه الطريقة، حين سمعت عن دفن الوديعة في بداية الحرب لم أكن أفهم معنى هذا المصطلح ولا شرعيته، لكن الواقع كان أقسى من أن أرفض، لم يكن أمامي خيار سوى الموافقة على هذه الطريقة، فقط لأتمكن من الوفاء بوعده وأدفنه في مسقط رأسه كما طلب".

بعد انتهاء الحرب بدأت العائلات باستخراج الودائع ليتم دفنهم في بلداتهم (الجزيرة) تنظيم الدفن

أوضح رئيس طبابة قضاء صور الدكتور وسام غزال للجزيرة نت أن دفن "الودائع" بدأ في اليوم السابع من العدوان نتيجة العدد الكبير من الشهداء الذي تجاوز قدرة ثلاجات حفظ الجثث في المستشفيات، وأشار إلى أنه مع اليوم الأول من العدوان، أي بتاريخ الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2024، كان هناك نحو 85 شهيدا، ومع تزايد الأعداد تقرر البدء بدفن الجثث في مدفن الوديعة المؤقت.

وأضاف غزال أن مدفن الوديعة استوعب 191 قتيلا، موضحا أنه مع بداية العدوان كان بالإمكان نقل القتلى ودفنهم في قراهم وبلداتهم، إلا أن توسع دائرة الاستهدافات جعل ذلك أمرا بالغ الصعوبة.

وتابع أن "مدفن الوديعة فتح بعد أربعة أيام من انتهاء العمليات العسكرية يوم 26 نوفمبر/تشرين الأول الماضي لتسليم جثامين الشهداء إلى ذويهم كي يتم دفنهم في قراهم"، وأفاد بأنه تم تسليم جثث نحو 113 قتيلا، في حين بقيت بعض الحالات التي تعذر فيها وصول الأهالي لاستلام الجثث أو إتمام مراسم الدفن، ونتيجة لذلك لا يزال في مدفن الوديعة حوالي 45 قتيلا.

وأوضح غزال أن مدفن الوديعة هو قطعة أرض تابعة لبلدية صور، تم تخصيصها بالتعاون مع مخابرات الجيش اللبناني وتحت إشراف اتحاد بلديات قضاء صور، وأشار إلى أن العمل تم باسم وزارة الصحة العامة وبالتنسيق مع اتحاد البلديات والجيش اللبناني، إلى جانب الفرق الإسعافية التي تولت تجهيز القتلى.

وبيّن أن دفن الشهداء تم وفق ترتيبات لوجستية دقيقة، حيث تم تجهيز الجثمان وتكفينه ووضعه في تابوت خشبي مرقّم لتسهيل التعرف عليه لاحقا، وأضاف أن "الأرقام وزعت على ثلاث جهات رئيسية خلال فترة العدوان، مما أسهم في تنظيم العملية وضمان سيرها بكفاءة"، كما أكد غزال أن التعاون بين جميع الجهات المعنية كان أساسيا لإنجاز هذا الملف الإنساني الحساس.

التشييع يقام في البلدة التي ينقل لها القتيل ويتم دفنه دون فتح التابوت (الجزيرة) ما دفن الوديعة؟

شرح الشيخ أحمد حمود، في حديث للجزيرة نت، موضوع "الدفن الوديعة" وفقا للأحكام الشرعية في مذهب الشيعة الاثني عشرية، موضحا أن هذا النوع من الدفن يختلف عن الدفن العادي حيث يدفن الميت داخل صندوق، وأضاف أن "دفن الميت بهذه الطريقة يتيح إمكانية نقله لاحقا من مكان دفنه إلى آخر بشرط الحفاظ على الصندوق كما هو دون إخراج الجثة منه".

إعلان

وأشار الشيخ حمود إلى أن هذا الإجراء يتوافق مع الضوابط الشرعية، مستندا إلى فتوى السيد علي خامنئي التي تجيز نقل الميت المدفون في صندوق مغلق إلى مكان آخر بشرط نقل الصندوق دون المساس بالجثة، وأكد أن "الوديعة" تعني أن الميت يدفن داخل صندوق، ويجوز نقله طالما بقي داخل الصندوق، بينما لا يجوز نبش القبر في حال عدم دفن الميت بهذه الطريقة.

ونتيجة لتداعيات الحرب التي منعت العديد من أبناء البلدات الجنوبية من العودة إلى مناطقهم، تم إنشاء مقبرتين مؤقتتين، واحدة في مدينة النبطية، وأخرى في مدينة صور لدفن الودائع.

يُذكر أنه في حرب يوليو/تموز 2006، تم إنشاء مقبرة مؤقتة في مدينة صور خصصت لدفن جثث 138 قتيلا، وبعد توقف العدوان تم استخراج تلك الجثث ليتم دفنها في مسقط رأس كل قتيل تكريما لذكراهم.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات فی مدینة صور للجزیرة نت

إقرأ أيضاً:

فواز عرب: التصعيد الأمريكي الإيراني لم ينعكس سلبا على المفاوضات اللبنانية حتى الآن

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال العميد فواز عرب رئيس مركز الفيحاء للدراسات الاستراتيجية، إن التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران لم ينعكس سلبا على الوضع اللبناني حتى الآن، مشيراً إلى أن اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت المباحثات فيه «ناجحة جداً» من حيث الشكل والمضمون.

وأضاف في مداخلة مع الإعلامية رغدة أبو ليلة، عبر قناة القاهرة الإخبارية، أنّ لبنان ركز خلال هذه المباحثات على ملفات الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، وقد بدأت نتائج ذلك بالظهور من خلال انسحاب جيش الاحتلال من بعض المناطق في جنوب لبنان ضمن مناطق تجريبية، إلى جانب وجود مساعٍ لعودة الطيران الأمريكي إلى لبنان.

وأوضح العميد فواز عرب، أن التأثير المحتمل للتصعيد الإقليمي قد يرتبط فقط بإمكانية انخراط حزب الله في المواجهة، كما حدث عندما ساند إيران وفتح الجبهة في 2 آذار.

وشدد على أن التصعيد الحالي لا يزال مضبوطاً ضمن قيود معينة، ورغم حدته فإن هناك مساعي لإعادة الأمور إلى إطار التفاوض والدبلوماسية، مستشهداً بإعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ضرورة العودة إلى الدبلوماسية، وبما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن إيران ترغب في إبرام صفقة لكنها ليست جاهزة بعد وستكون جاهزة قريباً.

مقالات مشابهة

  • آلاف العائلات في غزة تكابد للعيش وسط ركام منازلها المدمرة
  • حين لفظ القناع وجهه
  • قبل انتهاء عقده.. خطوة تفصل أرنولد عن الاستمرار مع المنتخب العراقي
  • باريس سان جيرمان يقترب من تمديد عقد لويس إنريكي حتى 2030
  • أبو غالية: الحمى القلاعية تنتشر سريعًا والإجراءات الاحترازية مستمرة
  • استعدادًا للموسم الجديد.. بعثة بيراميدز تغادر القاهرة متوجهة إلى مدينة أرضروم التركية
  • محامو الطوارئ تكشف عن قصف نازحين في النيل الأزرق وسقوط عشرات الضحايا
  • "مدينة الابتكار رأس الخيمة" تستقطب شركة Chillblast البريطانية
  • فواز عرب: التصعيد الأمريكي الإيراني لم ينعكس سلبا على المفاوضات اللبنانية حتى الآن
  • العثور على رفات 99 رضيعا في ملجأ كاثوليكي سابق يعيد فتح جراح إيرلندا