صحيح، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى غريباً أن يكتب الإنسان عن عناية الدولة السعودية بكتاب الله عزَّ و جلَّ وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، واهتمامها بهما، ورعايتها لهما، مع أنهما يشكلان الركيزتين الأساسيتين، بل قل الركيزتين الوحيدتين لدستورها الذي تسير على هديه، وإليه تحتكم في شؤون حياتها كلها، لا فرق عندها أمام هذا الدستور العظيم بين ملك وأمير، أو بين وزير وخفير، أو بين مواطن ومقيم؛ فالكل فيها سواسية أمام شرع الله.

أجل، قد يبدو الأمر غريباً إلى حدٍّ ما، أن يكتب الإنسان عن عناية الدولة السعودية بالكتاب والسُّنَّة، مع أنها أُسست بعزم الرجال الصادقين على الإيمان والتقوى، وفق منهج إسلامي سليم، معافىً من الشوائب والدجل والشعوذة، وبعد إنساني عالمي، غايته المنشودة تحقيق الخلافة في الأرض وفق هذا المنهج الإسلامي الصحيح في كل زمان ومكان، كما أراد الله له أن يكون.

فقطعاً كلنا اليوم يدرك جيداً ما كان يعانيه شبه الجزيرة العربية، لاسيَّما منطقة نجد وبلدانها، قبل مجيئ الحكم السعودي، من حروب وفتن وتخلف وسوء حال في جوانبها كلها، السياسية، الاقتصادية، الإدارية والاجتماعية؛ وانغماس الناس في البحث عن لقمة العيش، واستشراء الجهل، وانتشار الأمية، وضعف الدِّين.. فلم يكن أحد ينتظر في بيئة مثل تلك أن يرى أي اهتمام بالكتاب والسُّنَّة.

حتى إذا جاء الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، وأشرق فجر الدولة السعودية الأولى المباركة على يديه عام 1727م، على أساس راسخ، قِوامه شرع الله والتمسك بكتابه عزَّ و جلَّ، والسير على نهجه، والاقتداء بسُنَّة رسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في شؤون الحياة كلها، سعياً حثيثاً لتحقيق الخيرية التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنشد الخير للناس كافة، فكان كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، هما دستور هذه البلاد الطاهرة الطيبة المباركة منذ بزوغ فجرها الأول.

ولهذا أولى أئمة الدولة السعودية المباركة على تعاقب العصور، عناية فائقة بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة المطهرة. ولم تكن عنايتهم تلك تقتصر على حث الناس على حفظ القرآن الكريم وفهمه والعمل بموجبه، والتفقه في السُّنَّة، وتيسير السبل كلها التي تمكِّن أفراد المجتمع من هذا الواجب العظيم الذي تصلح به شؤون الدنيا والآخرة، حتى يكون الناس كلهم على بصيرة من أمرهم؛ بل وظفوا معلمين لتعليم أبنائهم وبناتهم ونسائهم والعاملين لديهم، الكتاب والسُّنَّة، مثلما اهتموا هم أنفسهم بحضور الدروس العلمية التي يُدَرَّسُ فيها القرآن الكريم وغيره من العلوم الشرعية؛ بل كان كتاب الله حاضراً في كل مجالسهم العامة والخاصة على حدٍّ سواء، ولم يفارقهم أبداً حتى أثناء الغزوات ورحلات الحج التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً. وأكثر من هذا: كانوا يتحرون في غزواتهم ورحلاتهم تلك، صاحب الصوت الحسن ليتلو عليهم القرآن، فيخشعون ويتأثرون بما يسمعونه من أحكام ومواعظ حتى البكاء.

أجل، لقد تميز أئمة هذه الدولة السعودية المباركة على مر العصور عن سائر حكام العالم باهتمامهم بكتاب الله عزَّ و جلَّ وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وشدَّة حرصهم على تعليمه وتعلمه والعمل به، وقد انعكس هذا جلياً على اهتمامهم بالعلماء، وإكرامهم لهم ودعمهم ومساعدتهم بكل ما يمكنهم من التفقه في الدِّين، خاصة أولئك الذين يتفرغون لطلب العلم وحفظ القرآن الكريم. ومن ناحية أخرى، حرصوا على الذهاب إلى أولئك العلماء في بيوتهم ومساجدهم التي يقيمون فيها حلقات تحفيظ القرآن، تقديراً لهم وتحفيزاً لأفراد المجتمع لكي يعرفوا للعلماء قدرهم، ومن ثم يقبلوا على تلقي العلم على يديهم.، ليس هذا فحسب، بل طلب أئمة الدولة السعودية على تعاقب عصورها العلم وتفقهوا فيه؛ أذكر منهم هنا على سبيل المثال، الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذي كان عالماً جمع بين الحديث والتفسير والفقه والتوحيد، فشارك العلماء في الأبحاث العلمية، مع انشغاله بشؤون الحكم وتدبير أمر الرعية، بل قيل إن ابنه عبد الله بزَّ حتى العلماء أنفسهم في الفقه.

وهكذا استمر الحال بالاهتمام بكتاب الله عزَّ و جلَّ وسُنَّة رسوله عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم، في الدولة السعودية الثانية، لأنهما يشكلان الأساس المتين الذي أسست عليه، فكانت قصور أئمتها عامرة بالقرآن والمجالس العلمية. وكان الإمام تركي بن عبد الله ابن الإمام محمد بن سعود، صاحب السيف الأجرب، مؤسس الدولة السعودية الثانية، يخرج يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، لا يشغله عن ذلك شاغل مهما كان، فيجتمع بالناس ليتدارسوا القرآن والتفسير، وكذلك فعل ابنه الإمام فيصل.
والحقيقة، لم يقتصر اهتمام أئمة الدولة السعودية على تعاقب عصورها، على حفظ كتاب الله وفهم السُّنَّة النبوية الشريفة، بل تعداه إلى الغاية العظيمة المنشودة، التي تتمثل في فهم المعاني والمقاصد، والعمل به ليصبح نظاماً أساسياً يوجه دفَّة حياة المجتمع كله.

وهكذا استمر هذا الاهتمام الجاد، وتلك العناية الكبيرة بالكتاب والسُّنَّة والعمل بهما خلال الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية؛ حتى إذا جاء الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، وأشرق فجر الدولة السعودية الثالثة التي نتفيأ اليوم ظلالها الوارفة، سار على نهج أجداده وآبائه الكرام البررة، ليقينه التام أنه لا عزَّة لمسلم إلا في التمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله قولاً صادقاً، يؤيده العمل المخلص. فكان أول قرار اتخذه، أن جعل دستور بلاده هو كتاب الله عزَّ و جلَّ وسُنَّة رسوله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، التزاماً بالتمسك بالأساس الراسخ الذي قامت عليه دولة أجداده وآبائه منذ بزوغ فجرها الأول، استمراراً لتلك الرسالة السامية العظيمة في خدمة دِين الله، التي من أجلها أُسست هذه الدولة الطاهرة الطيبة المباركة؛ بعد أن لمَّ المؤسس شعثها، ووحد قلوب أبنائها، قبل توحيد جغرافيتها، كما يؤكد دوماً قائد قافلة خيرنا القاصدة في هذا العهد المشرق الزاهر، خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود.

فعمرت مجالسه العامة والخاصة بتدارس كتاب الله وسّنَّة رسوله، إضافة إلى العلوم الشرعية؛ بل كان الملك عبد العزيز يبكي ويطول بكاؤه عند سماعه تلاوة القرآن، حتى يبكي من حوله. ولم يكن كتاب الله يفارقه أبداً حتى في حروبه من أجل توحيد البلاد التي استمرت ثلاثة عقود، بل كان خير معين له وموجه. كما كان برنامجه اليومي يشتمل على ساعة قبل صلاة الفجر، يصلي فيها ما شاء ويتلو القرآن ثم يدعو ربَّه بالتوفيق والسداد وصلاح البلاد والعباد. كما حرص كسلفه الصالحين، على تعليم أبنائه ونسائه والعاملين لديه، كتاب الله، وحثهم على حفظه بشتى السبل. وكان يؤكد على القائمين على تعليم أبنائه كتاب الله: (أريد أن يفهم أبنائي معنى ما يقرؤونه من القرآن، ليكون ذلك أدعى إلى العمل، فالعلم بلا عمل، لا فائدة منه).

أما على نطاق المجتمع، فقد أنشأ المؤسس مدارس تحفيظ القرآن، كما انتظمت حِلَق التحفيظ مساجد البلاد في مدنها وقراها وهجرها كلها، واختار لها أفضل المعلمين وأكثرهم كفاءة، ودعمهم بكل ما من شأنه مساعدتهم في مهمتهم، ولم يكتفِ بهذا، بل رصد جوائز قيمة للحفظة، وشرَّفهم بحضور احتفالاتهم وتسليمهم الجوائز بنفسه، اهتماماً بتعليم كتاب الله، وتشجيعاً لهم ودعماً معنوياً كان يراه ضرورياً لإنجاز هذه المهمة العظيمة، حتى مع كثرة مشاغله بأمور الحكم.

وامتدت جهود الملك عبد العزيز وعنايته بكتاب الله، لطباعته وتزويد الحرمين الشريفين ومساجد البلاد به، وإدخاله إلى بيوت السعوديين كلها حيثما كانوا، وتقديمه هدية للحجاج والمعتمرين، وأي هدية أفضل من كلام الله وأشرف؟!.
وبجانب هذا كله، اهتم المؤسس بطباعة الكتب العلمية ونشرها وترجمتها إلى بعض اللغات، سعياً إلى نشر الإسلام على أوسع نطاق ممكن.. وهكذا استمر الاهتمام بكتاب الله عزَّ و جلَّ والعناية به في مختلف عهود أبنائه الذين تعاقبوا على قيادة مسيرة قافلة خيرنا القاصدة: الملك سعود، الملك فيصل، الملك خالد والملك فهد الذي تم في عهده إنشاء (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف) بالمدينة المنورة، الذي يعد حتى اليوم أضخم مؤسسة في العالم تعنى بطباعة كتاب الله، بل شرَّف نفسه بلقب (خادم الحرمين الشريفين) الذي أصبح لقباً رسمياً لملك المملكة العربية السعودية.

وهكذا كان كل خلف يضع مزيداً من اللبنات على بنيان السلف، وصولاً إلى هذا العهد المشرق الزاهر، بقيادة خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، أشبه الناس بعبد العزيز، خَلْقاً وخُلْقاً، كما أجمع كثير ممن تشرَّف بالكتابة عن مقامه السامي الكريم أو تحدث. وأضيف اليوم مفارقات عجيبة، أُذَكِّر الناس بها في ما يتعلق بالقواسم المشتركة بين المؤسس وابنه الملك سلمان:
• كان ميلاد خادم الحرمين الشريفين، سيدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في اليوم الخامس من شهر شوال عام 1354ه؛ وهو اليوم نفسه الذي استرد فيه والده الملك عبد العزيز آل سعود الرياض من عام 1319ه.
• أكمل الملك سلمان حفظ القرآن الكريم وهو في ربيعه الحادي عشر، وهي السن نفسها التي أكمل فيها المؤسس حفظ كتاب الله.

• من جهة أخرى، ترتيب الملك سلمان هو الخامس والعشرون في تسلسل أبناء المؤسس حسب تاريخ ميلادهم، وهذا العدد (25) هو من مضاعفات العدد (5) الذي يوافق يوم استعادة المؤسس للرياض، ويوم ميلاد الملك سلمان.
• ومثل المؤسس، كتاب الله لم يفارق الملك سلمان أبداً في حل أو سفر؛ وقد رأيته أكثر من مرة يتلو القرآن حتى وهو متنقلاً بالسيارة. ولا يترك ورده اليومي أبداً مهما كانت مشاغله، كما أكد ابنه البار، أخي العزيز صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين.
فلا غرو إذاً أبداً أن يعد مقام خادم الحرمين الشريفين السامي الكريم، الملك سلمان، امتداداً طبيعياً لوالد الجميع المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود.

أقول حتى إذا وصلنا إلى هذا العهد المشرق الزاهر، نجد أن النشاطات التي تتعلق بالاهتمام بكتاب الله وسُنَّة رسوله، تفوق الوصف والحصر، من مدارس تحفيظ القرآن، إلى الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن، كما تضاعفت طاقة (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف) بالمدينة المنورة إلى مئات ملايين النسخ سنوياً، وتوزيعها بمختلف الإصدارات والروايات، وترجمته إلى نحو عشرين لغة، وطباعته بلغة برايل، حتى ينعم من حرموا نعمة البصر، بتلاوة كتاب الله وحفظه.

ومن ناحية أخرى تضاعفت ميزانية دعم الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن، بل خصص مقامه السامي الكريم دعماً سنوياً لها من حسابه الخاص، وتعددت مسابقات الحفظة، من مسابقة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم، إلى مسابقة الأمير سلطان الدولية للعسكريين، ثم مسابقة الملك سلمان المحلية، فمسابقة ابنه الأمير سلطان لذوي الهمم؛ كما يعد إنشاء (مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف) خدمة عظيمة للسُّنّة ولكتاب الله أيضاً. ويكفي الملك سلمان قائدنا إلى المعالي الهمام فخراً، حصوله على مسابقة دبي الدولية للقرآن الكريم لعام 1438ه، اعترافاً بدوره الكبير في رعاية كتاب الله والاهتمام به، وخدمة الحرمين الشريفين، وكل ما له صلة بالخير والإنسانية؛ هذا غير ذلك العدد الكبير من الألقاب والأوسمة والنياشين وشهادات الدكتوراة الفخرية التي منحت له تقديراً لاهتمامه بالأعمال الخيرية والإنسانية وتشجيعها ودعمها بسخاء من لا يخشى فقراً.

وعلى كل حال، الحديث في هذا الجانب العظيم يكاد لا ينتهي، غير أنني أكتفي هنا بتأكيد دولتنا الطيبة المباركة على اهتمامها بكتاب الله ورعايته، وحرصها الشديد على تمثله في شؤون حياتها كلها، إنها جعلته مع سُنَّة رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، دستور حياتها إلى الأبد إن شاء الله، ونصَّت على ذلك صراحة، بل بكل فخر واعتزاز، في المادة السابعة من نظامها الأساسي للحكم: (يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة).

والحقيقة، لا أجد أفضل ما يمكن أن أختم به حديثي هذا غير ما أكده الملك سلمان: (دولتنا الرشيدة في هذا العصر، بذلت وما زالت تبذل في خدمة القرآن الكريم، كل ما تستطيع. فعنيت به وشجعت على تلاوته وحفظه والعمل بأحكامه، وأقامت له أضخم منشأة طباعة في العالم، ودعمت الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في كل المناطق، فجزا الله قادة هذه البلاد خير الجزاء، لقاء رعايتهم لكتاب الله، رعاية تليق بمكانته في قلوب المسلمين)، ثم رؤية مقامه السامي الكريم أن أعظم خدمة تقوم بها بلادنا هي تشرفها بخدمة كتاب الله وسُنَّة رسوله، وخدمة الحرمين الشريفين؛ ثم ينسب بتواضعه الجم الفضل، بعد الله المنعم الوهاب، إلى شعبه كله، إذ يقول مخاطباً إيَّاهم: (أكبر خدمة أن يأتي الحاج والمعتمر وهو آمن مطمئن في بلادنا من أدناها إلى أقصاها، فهذا أهم شيء.. وأنتم عنَّا كلنا في بلاد الحرمين الشريفين، فكلنا نخدم الحرمين، ولست أنا وحدي.. كل الشعب السعودي).
فالحمد لله الذي خصَّنا بأطهر البقاع وأشرفها وأعظمها وأحبها إلى رسوله. وجعل منَّا آخر رسله للناس كافة، وقيَّض لنا قيادة حكيمة رشيدة مخلصة وفيَّة، تحب لنا الخير وتدفع عنَّا الشر، وتعمل ليل نهار من أجل سعادتنا وتنمية بلادنا وازدهارها ورفعتها.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

كلمات دلالية: خادم الحرمین الشریفین حفظ القرآن الکریم علیه أفضل الصلاة الملک عبد العزیز الدولة السعودیة المبارکة على ة رسوله علیه محمد بن ما کان

إقرأ أيضاً:

محكمة غزة.. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.

مقالات مشابهة

  • محافظ المنيا يعلن افتتاح 3 مساجد جديدة ضمن خطة وزارة الأوقاف لإعمار بيوت الله
  • كتاب يوثّق رحلة الحرف العربي ورواده في قطر
  • خطبتا الجمعة بالحرمين: تعاهُد القرآن بتلاوة آياته والعمل بها من أهم أسباب الثبات على دين الله.. والعناية بالأبناء مسؤولية مشتركة بين الوالدين
  • فضل الله: نرحّب بانتشار الجيش لكننا لا نريد أن يكون خاضعًا لإذن العدوّ أو شروطه
  • محكمة غزة.. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام
  • أمن الدولة الكويتية تسجن متهمين بالتخابر مع إيران والإساءة للشيعة
  • «الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة
  • الأوقاف تحتفي بذكرى تسجيل أول أسطوانات للمصحف المرتل في التاريخ
  • مركز الملك سلمان للإغاثة يوزع أكثر من 1300 سلة غذائية لدعم الأمن الغذائي في قطاع غزة
  • جمال سلمان: ترامب لا يريد إسقاط النظام الإيراني