زهير عثمان

تعكس الحالة الفكرية السودانية اليوم تعقيدات تاريخية وسياسية واجتماعية متداخلة، يغذيها إرث من الأيديولوجيات المتصارعة والتحديات الراهنة، أبرزها الحرب والتيارات الدينية المتشددة. يتطلب هذا الواقع قراءة معمقة لفهم الجذور والمآلات، خاصة في ظل التباينات بين الطروحات الفكرية وأثرها على تشكيل المجتمع والدولة.


أثر الأيديولوجيات في السودان و انكسار الأحلام الثورية
كما في الدول العربية الأخرى، شهد السودان تجارب حزبية وأيديولوجية استندت إلى رؤى ثورية تحررية. من الحزب الشيوعي إلى الحركات القومية والإسلامية، مرت البلاد بفصول من التنافس الأيديولوجي الحاد. ركزت هذه التيارات على بناء "الدولة الحصينة" أو "الدولة الإسلامية"، إلا أن النتيجة كانت سلسلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
افتقرت هذه المشاريع إلى رؤية تنموية شاملة، مما جعل السودان، رغم موارده الضخمة، يعاني من الفقر والتخلف. في النهاية، أصبحت الأيديولوجيا أداة للسيطرة بدلاً من التحرر، حيث ركزت القوى الحاكمة على البقاء في السلطة بأي ثمن.
الدين والسياسة - علاقة معقدة ومأزومة
علاقة معقدة ومأزومة
منذ استقلال السودان، كان الدين عاملاً رئيسياً في تشكيل الهوية السياسية والثقافية للبلاد. استخدمته بعض التيارات كأداة لتحقيق الهيمنة السياسية، مما أدى إلى استقطاب حاد داخل المجتمع.
الحركات الإسلامية، على وجه الخصوص، قدمت نفسها كبديل للمشاريع العلمانية واليسارية، لكنها عانت من فشل في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية. تفاقمت الأمور مع صعود التيارات المتشددة، التي حولت الدين إلى مشروع أحادي يهدف إلى تهميش الآخر وإقصائه.
ومع ذلك، ظل التصوف الشعبي يمثل ملاذاً روحياً للكثير من السودانيين الذين وجدوا فيه قيم التسامح والتعايش بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية. في المقابل، ظهر التصوف الصفوي بين المثقفين كحركة تحاول إعادة تأطير الروحانية السودانية في سياق فلسفي وحداثي، مما أكسبه جمهوراً جديداً بين النخب الثقافية.
وفي السنوات الأخيرة، برزت ظواهر جديدة من بينها الإلحاد كحالة احتجاجية من بعض الشباب ضد هيمنة الخطاب الديني التقليدي. إلى جانب ذلك، شهدت البلاد انتشاراً لفكر "الوجوديين الجدد" الذين تأثروا بالعولمة وأيديولوجيات الانتماء للإنسانية بدلاً من الإيمان برب أو إله، حيث يعتبرون التجربة الروحانية الفردية وسيلة لاستكشاف الذات بعيداً عن القوالب الدينية التقليدية.
الحرب والمجتمع و تمزقات وآفاق
الحرب الحالية في السودان ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي نتاج لعقود من السياسات الإقصائية والفشل في بناء دولة وطنية جامعة. الحرب عمقت الانقسامات العرقية والدينية، وأصبحت مسرحًا لتجاذبات إقليمية ودولية.
في ظل هذا الوضع، يجد المجتمع السوداني نفسه عالقًا بين قوى الحرب والتيارات الدينية المتشددة، التي تحاول استغلال النزاع لتعزيز أجنداتها.

أفق الحل-نحو خطاب فكري جامع
تجديد الفكر الديني , لا يمكن تجاوز الأزمة السودانية دون مراجعة الفكر الديني. يحتاج السودان إلى خطاب ديني مستنير يعزز قيم المواطنة والتسامح، ويبتعد عن التوظيف السياسي للدين.

المصالحة الوطنية -يتطلب إنهاء الحرب حوارًا شاملًا يجمع جميع القوى الوطنية، بما في ذلك التيارات الإسلامية المعتدلة، لبناء عقد اجتماعي جديد.

إعادة بناء الدولة -يحتاج السودان إلى دولة مدنية قوية، تعيد الاعتبار للمواطنة وتحقق التنمية الشاملة. يتطلب ذلك تفكيك منظومات الفساد والاستبداد التي أرستها الأنظمة السابقة.

في ظل هذه التحولات، يظل مستقبل السودان مرهونًا بقدرته على تجاوز انقساماته الفكرية والسياسية. الدين، كما الحرب، يمكن أن يكون قوة هدم أو بناء، ويتوقف الأمر على مدى وعي المجتمع وقادته بضرورة بناء دولة حديثة تعترف بتعددية أبنائها وتعزز قيم العدل والمساواة
هذا الطرح ليس مثاليا ولكنه واقعي ومعقول في ظل الظروف الحالية بالسودان .

zuhair.osman@aol.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟

ترجمة: نهى مصطفى

وصلت الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، إلى منعطف جديد. فرغم الصعوبات التي تواجهها القوات الروسية ونجاح كييف في استنزاف قدراتها، فإن مستقبل الأمن الأوروبي لا يتوقف على نتيجة الحرب وحدها. فحتى في حال هزيمة موسكو، ستظل روسيا التهديد العسكري الرئيسي في أوروبا، وستسعى إلى إعادة بناء جيشها عاجلًا أم آجلًا.

يختلف المحللون حول سرعة استعادة روسيا لقدراتها العسكرية. فبينما يرى بعضهم أن خسائرها ستؤخر إعادة البناء لسنوات، يحذر آخرون من قدرتها على استئناف سياساتها العدوانية بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب.

تشير الاتجاهات الحالية إلى أن روسيا قد تستعيد قدرات عسكرية كافية لتهديد أوكرانيا أو بعض دول الناتو خلال خمس إلى سبع سنوات. ومن المتوقع أن تعيد بناء جيش أكبر، مزودًا بمزيد من الطائرات المسيرة وقدرات الضرب بعيدة المدى، مع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع. غير أن هذه العملية ستواجه تحديات مألوفة، أبرزها نقص الموارد، والطموحات المفرطة، وضعف التنفيذ، وهي عوامل دائما ما تعوق تطوير القوات الروسية.

بينما تركز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على دعم أوكرانيا، يتعين عليها أيضًا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فحتى بعد انتهائها، سيظل الجيش الروسي قادرًا على تهديد دول الناتو، خاصة إذا تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.

ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى إعادة بناء قدرتها على تنفيذ مناورات هجومية واسعة النطاق، مع الحفاظ على اعتمادها على المدفعية والضربات الدقيقة، وإدماج أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في قواتها. ورغم استمرار تفوق الناتو، فإن الحلف لم يتكيف بعد بالكامل مع هذه التحولات، ما قد يزيد خسائره في أي مواجهة مستقبلية.

يشهد الجيش الروسي مرحلة تحول تجمع بين إرثه التقليدي ومتطلبات الحرب الحديثة. ورغم أن أي صراع مستقبلي مع الناتو سيختلف عن الحرب في أوكرانيا، فإن ضعف الأداء الروسي الحالي لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من حجم التهديد. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى وضع رؤية مشتركة أكثر جدية لكيفية مواجهة روسيا في السنوات المقبلة.

لا تقتصر إعادة بناء الجيوش على تعويض خسائر الأفراد والمعدات، بل تشمل استعادة الكفاءة القتالية والقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية. كما أن تقييم قوة أي جيش يعتمد على طبيعة السيناريو المطروح، فالمتطلبات اللازمة لعملية محدودة تختلف عن تلك المطلوبة لخوض حرب واسعة النطاق.

وفي حالة روسيا، ينبغي أن يستند التقييم إلى قدرتها على استعادة إمكانات تنفيذ العمليات الكبرى، بما يشمل إعادة بناء التشكيلات الكبيرة، وتحسين القيادة والسيطرة، ودمج مختلف صنوف القوات، وهي جوانب كشفت الحرب في أوكرانيا عن أوجه قصور فيها. وفي المقابل، يتعين على الناتو الاستعداد أيضًا لسيناريوهات أقل اتساعًا، مثل هجمات برية محدودة مدعومة بصواريخ وطائرات مسيرة.

ومن غير المرجح أن يعود الجيش الروسي إلى هيكله السابق، وانما سيتجه إلى إعادة تنظيم قواته لتصبح أكبر وأكثر اعتمادًا على المدفعية، ووحدات البنادق الآلية، والدبابات، والطائرات المسيرة، مع زيادة أعداد المشاة. سيواصل الاعتماد على مزيج من الجنود المتعاقدين والمجندين والاحتياط، مع الاحتفاظ بجزء من قواته على الحدود مع أوكرانيا، وهو ما سيؤثر في حجم القوات المتاحة للانتشار في جبهات أخرى.

يعود جانب من الغموض بشأن مستقبل الجيش الروسي إلى أن إعادة بنائه لا تزال تدار إلى حد كبير من قبل قادة ينتمون إلى الجيل السابق، يتقدمهم رئيس الأركان فاليري جيراسيموف، الذي خلص إلى أن إخفاقات الحرب تعود إلى ابتعاد الجيش عن النموذج السوفييتي، فسعى إلى توسيع القوات وإحياء بعض الهياكل القديمة. لكن مع صعود ضباط اكتسبوا خبرتهم من الحرب الأوكرانية، فقد تتغير رؤية الجيش وهيكله في السنوات المقبلة.

رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، لا تشير المؤشرات إلى جيش منهار. توسعت القوات الروسية خلال الحرب، وارتفع عدد أفرادها، وأضيفت إلى تشكيلاتها وحدات للطائرات المسيرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، كما أُنشئ فرع جديد مخصص للأنظمة غير المأهولة. ومن المرجح أن يتراجع حجم بعض هذه التشكيلات بعد الحرب، لكن الجيش لن يعود إلى حجمه السابق.

في المقابل، تكبدت روسيا خسائر في المعدات، شملت آلاف المركبات المدرعة وقطع المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، وهي خسائر يصعب تعويض بعضها، ولا سيما الأنظمة المتطورة. وسيؤدي ذلك، على المدى القريب، إلى إضعاف قدرة الجيش الروسي على مواجهة التفوق الجوي للناتو وقدراته على تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى.

رغم خسائرها الكبيرة، سحب الجيش الروسي خلال السنوات الأربع الماضية آلاف المركبات وقطع المدفعية من مخزوناته، وجدد أو أنتج آلاف المركبات الجديدة، فيما زودته كوريا الشمالية بأكثر من 300 قطعة مدفعية. ونتيجة لذلك، يرجح أن يمتلك اليوم العدد نفسه، أو أكثر قليلًا، من المركبات القتالية المدرعة مقارنة بما كان لديه عند بدء الحرب، مع استمرار إنتاج أكثر من200 دبابة T-90M سنويًا، ما يعني أن هذا الطراز قد يشكل نصف أسطول الدبابات الروسي خلال سبع إلى ثماني سنوات. كما تواصل روسيا إنتاج أنظمة الدفاع الجوي بأعداد كبيرة، مع تطويرها استنادًا إلى دروس الحرب.

في الوقت نفسه، تنتج روسيا ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية سنويًا، إلى جانب أعداد أكبر من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. كما ارتفع إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، إذ صنعت أكثر من 70 ألف طائرة عام 2025، وتعاقدت على إنتاج 100 ألف أخرى على الأقل في عام 2026، بينما يطلق الجيش نحو6500 طائرة شهريًا في أوكرانيا. كذلك حسنت روسيا قدراتها على تنفيذ الضربات مع تقليص الزمن بين رصد الأهداف واستهدافها.

لا يكفي قياس قوة الجيش الروسي بعدد أفراده ومعداته، بل يجب أيضًا تقييم كفاءته القتالية وكيفية استخدامه لقواته. فالجيش الروسي، رغم تفاوت مستوى وحداته، حسن أداءه خلال الحرب في مجالات تحديد الأهداف، والضربات الدقيقة، ودمج الطائرات المسيرة، وربط أنظمة الاستطلاع بالمدفعية والأسلحة الموجهة، مستفيدًا من الخبرة القتالية وإعادة تنظيم قواته.

ورغم الصعوبات التي واجهها، أثبت الجيش الروسي قدرة على التكيف، إذ تستغرق دورة استيعاب التكتيكات والتقنيات الجديدة نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر. كما شرعت موسكو منذ أوائل عام 2023 في بناء منظومة متكاملة للتعلم العسكري، تربط بين القوات المسلحة، وقاعدة الصناعات الدفاعية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات التكنولوجية، بهدف ترسيخ الدروس المستفادة ودعم احتياجات الحرب.

رغم التطور الذي شهدته بعض القدرات الروسية، ظل الجيش يعاني ضعفًا مزمنًا في الاستثمار في العنصر البشري، إذ اتجه إلى تفضيل التكنولوجيا على التدريب والجاهزية. وكثيرًا ما كانت التدريبات واختبارات الجاهزية شكلية، فيما بالغت القيادة في تقدير أثر الخبرات القتالية، ومنها تجربة التدخل في سوريا.

كما استخلص الجيش في بعض الأحيان دروسًا خاطئة من الحرب. فبدلًا من معالجة أوجه القصور في القيادة المشتركة، ألغى بعض هياكلها، ما أضعف التكامل بين أفرع القوات المسلحة وزاد اعتماده على ترتيبات قيادة مؤقتة في زمن الحرب.

فقد الجيش الروسي جزءًا من قدرته على تنفيذ المناورات المشتركة واسعة النطاق بعد مقتل أعداد من ذوي الخبرة. واعتمد بدلًا منهم على متعاقدين يتلقون تدريبًا محدودًا، بينما اتجه منذ عام 2024 إلى القتال بوحدات صغيرة للغاية، وأحيانًا بجندي أو جنديين فقط، في عمليات بطيئة ومكلفة. ورغم نجاحه في دمج الطائرات المسيرة مع تكتيكات المشاة الصغيرة، فإن ذلك لا يعوض خسارة القادة ذوي الخبرة في إدارة العمليات الهجومية الكبرى، وهو ما سيحد من قدرته على استثمار توسعه في الطائرات المسيرة والقدرات الهجومية خلال السنوات المقبلة.

تواجه إعادة بناء الجيش الروسي تحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر البشرية. فرغم رفع الحد الأقصى لسن الخدمة إلى 30 عامًا وزيادة العدد المستهدف للقوات إلى نحو 1.5 مليون عسكري، فإن التراجع الديموغرافي، والخسائر البشرية في الحرب، ونقص العمالة الماهرة يجعل بلوغ هذا الهدف أمرًا غير مرجح. كما يحتدم التنافس بين الجيش وقطاع الصناعات الدفاعية على استقطاب العمال في ظل معدل بطالة لا يتجاوز 2.2%.

زادت روسيا إنفاقها العسكري إلى نحو 40 % من الموازنة، أي ما يعادل 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف مستوى ما قبل الحرب، لكنه لا يزال أقل من الإنفاق السوفييتي في ذروة الحرب الباردة. دخل الاقتصاد الروسي مرحلة ركود منذ عام 2025، مع اتساع العجز المالي وتزايد الاقتراض، ما يجعل الحفاظ على مستويات الإنفاق العسكري الحالية أكثر صعوبة.

ينبغي لحلف الناتو أن يأخذ في الحسبان الاستثمارات الكبيرة التي ضختها روسيا في إعادة بناء قدراتها العسكرية. أنفقت موسكو مبالغ ضخمة على توسيع الإنتاج الدفاعي واستقطاب مئات الآلاف من العمال إلى قطاع الصناعات العسكرية، ومن المتوقع أن يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 180 مليار دولار في عام 2026، أي ما يعادل 400 إلى 500 مليار دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية. مكنها ذلك من مواصلة الحرب، وتوسيع إنتاجها العسكري، وتجنيد أكثر من 400 ألف جندي سنويًا منذ عام 2023.

ومع ذلك، ظلت المشكلة التقليدية للجيش الروسي تتمثل في صعوبة تحويل الطموحات العسكرية إلى قدرات فعلية. فغالبًا ما تصطدم خطط تطوير القوات بنقص الموارد، وضعف التدريب، والقيود التنظيمية، رغم استمرار تركيز العقيدة العسكرية على الجاهزية العالية، والضربات الدقيقة، والاستعداد لخوض حرب واسعة النطاق ضد الناتو. كما دفعت الحرب في أوكرانيا الجيش إلى التركيز بصورة أكبر على الحرب الموضعية بدلًا من المناورة.

لكن أوجه القصور والأداء الضعيف في أوكرانيا لا يبرران التقليل من شأن الجيش الروسي، وهو ما يدركه القادة الأوكرانيون جيدًا. كما أن تقييم قدرة أي جيش استنادًا إلى آخر حرب خاضها قد يقود إلى استنتاجات مضللة. فقد أخطأ المحللون بعد حرب جورجيا عام 2008 في تقدير وتيرة تطور الجيش الروسي، ثم بالغوا في تقدير قدراته بعد تدخله في سوريا، قبل أن تكشف حرب أوكرانيا عن نقاط ضعف. فكل حرب تفرض ظروفها الخاصة، ولا يمكن افتراض أن أي مواجهة مستقبلية بين روسيا والناتو ستسير على النهج نفسه.

رغم أن أسلوب قتال الناتو يختلف عن الأسلوب الأوكراني، فإن الحلف يواجه تحدياته الخاصة، إذ تعتمد قدراته إلى حد كبير على الدور الأمريكي في توفير القوات والدعم اللوجستي والتقني والقيادة العسكرية. وقد بنيت خططه الدفاعية على هذا الأساس، في وقت تشير فيه الولايات المتحدة إلى رغبتها في تقليص دورها في أمن أوروبا، وهو ما يفرض على الحلف إعادة النظر في استعداداته المستقبلية.

تتمتع الولايات المتحدة وحلف الناتو بتفوق في القوة الجوية والبحرية، والضربات الدقيقة، والاستخبارات، وكفاءة القوات، لكنهما يفتقران إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في مواجهة ساحة قتال تهيمن عليها الطائرات المسيرة والمراقبة المستمرة. وفي المقابل، أعادت روسيا تنظيم قواتها وطورت تكتيكاتها وتقنياتها للاستفادة من هذه القدرات على نطاق واسع، مع احتفاظها بترسانة نووية استراتيجية وتكتيكية تشكل عنصر ردع رئيسيًا، خاصة بعد انتهاء العمل بمعاهدة ستارت الجديدة.

لذلك، ينبغي أن يستند التخطيط الدفاعي إلى طبيعة الحروب المقبلة، التي قد تلعب فيها الطائرات المسيرة والتقنيات الناشئة دورًا أكبر من الأسلحة التقليدية. ورغم استمرار أهمية التفوق الجوي، فإن الناتو قد يواجه صعوبة في التعامل مع أسراب الطائرات المسيرة الروسية والأنظمة الهجومية منخفضة التكلفة، كما أن قواته البرية لا تزال بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وقدراتها على مواجهة الطائرات المسيرة. ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة مفاهيم الناتو الحالية على مواجهة جيش روسي اكتسب خبرة واسعة في استخدام هذه التقنيات.

نتيجة لذلك، قد تتكبد جيوش الناتو خسائر أكبر في أي مواجهة مستقبلية، خاصة أن كثيرًا منها محدود الحجم ولا يستطيع تحمل خسائر كبيرة في المراحل الأولى من الحرب. وقد أظهرت المناورات المشتركة مع وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية أن قوات الحلف لا تزال تفتقر إلى الخبرة في القتال داخل ساحة معركة تهيمن عليها الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والضربات الدقيقة، كما أنها لم تتكيف بعد مع دور هذه الأنظمة في دعم المناورة أو تعطيلها. ولذلك، يمثل الجيش الروسي اليوم تهديدًا مختلفًا عن ذلك الذي بدأ الحرب في عام 2022.

لمواجهة هذا التحدي، يحتاج مخططو الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا إلى استيعاب دروس الحرب الأوكرانية بصورة أفضل، وعدم الاكتفاء بالتركيز على التكنولوجيا، بل إعادة هيكلة القوات بما يضمن دمجها بفاعلية في العمليات القتالية. ويتطلب ذلك اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع الموارد، وتوسيع قدرات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، وبناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. وبينما تتحدث دول الناتو عن تعزيز الجاهزية، فإن تنفيذ الإصلاحات والاستثمارات اللازمة لا يزال أبطأ من وتيرة التحديات التي تواجهها.

• مايكل كوفمان زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

• الترجمة عن Foreign Affairs

مقالات مشابهة

  • التربية والوعي أساس لحفظ وتماسك النسيج المجتمعي
  • علي الدين هلال: نجاح الدولة الوطنية يرتبط بالتوازن بين الحكومة والمجتمع
  • علي الدين هلال: مكتسبات ثورة 23 يوليو لا تزال حاضرة في المجتمع
  • الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • نضال (أب تفة) أم لحية رجل الدين؟
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)