يمن مونيتور:
2026-06-02@20:16:36 GMT

الاتجاهات الأدبية والمدرسة المغربية

تاريخ النشر: 13th, January 2025 GMT

الاتجاهات الأدبية والمدرسة المغربية

مصطفى لغتيري

آمنت دوما بالكلام المأثور الذي مفاده أن عقلا منظما خير بكثير من عقل محشو بكم لا حصرر له من المعلومات، لذا أحرص دوما على أن تكون أفكاري منظمة بتأصيل كل مصطلح أو فكرة من خلال تصنيفها ضمن الاتجاه الفكري أو الأدبي أو الفني الذي تنتمي إليه، وقد أفادني ذلك كثيرا في تحديد مرجعية أي فكرة أو مقال أو كتاب، بل سرعان ما أجد عقلي يشتغل عند كل حديث ثقافي مع أي شخص لمعرفة منطلقاته الفكرية، إن كان بالطبع يتوفر عليها وينطلق منها في حديثه أو انه فقط يطلق الكلام على عواهنه، وقد افادني في ذلك بشكل حاسم تعرفي على الاتجاهات الأدبية و مرجعياتها الفلسفة.

وفي رأيي المتواضع إن المدرسة المغربية ملزمة بسلك هذا التوجه وأقصد تحديد تعريف التلاميذ على شتى الاتجاهات الفلسفية والفكرية والأدبية، حتى نبني تلميذا منظما، يمتلك قدرة على إرجاع كل فكرة إلى مصدرها، وقد تمتد منافع هذا التنظيم إلى خارج المدرسة ليوظفه في حياته اليومية وخاصة إزاء المشاكل التي تواجهه في مساره الحياتي والوظيفي.

وبما أن دم الأدب يتوزع على مدارس واتجاهات عدة ، فلا مناص للتلميذ من معرفة ذلك واستيعابه، لأن له فائدة كبرى آنية ومستقبلية ، ويجب أن لا يتملكنا الخوف من فعل ذلك، بحجة الصعوبة أو التعقيد.. فقط يتعين إيصال هذه الرزمانة من الأفكار إلى التلميذ بأسلوب بسيط وسلس، و حين يتمكن منها ستصبح -حتما-دراسة النصوص الأدبية وتحليلها نتيجة لذلك غاية في البساطة وفي متناول المتعلم.

ويسعدني في هذا الصدد أن أقدم تعاريف مبسطة لبعض الاتجاهات الأدبية، التي لا مناص للتلميذ من معرفتها:

المدرسة الكلاسيكية: يمكن اختزال تعريف هذا الاتجاه الأدبي في كونه اتباعيا أي أنه يقلد النصوص القديمة المكرسة خاصة على مستوى أسلوب الكتابة، أما على مستوى المضامين فينتصر لثنائية الخير و الشر و ما يتناسل عنها من ثنائيات ، وإذا كانت الآداب الغربية قد احتذت بالنصوص اليونانية و الرومانية فإن الكلاسيكية العربية ولت وجهها قبل الشعر الجاهلي بالخصوص لتنسج على منواله ، ومن أهم ما يميز الكلاسكية الانتصار إلى العقل كمرجع أساس ومحدد أسمى للقيم.ومن أبرز ممثليها في الآداب الغربية وليام شيكسبير و ت .س .إليوت وفي الأدب العربي فأبرز من مثلها كل من محمود سامي البارودي وأحمد شوقي.وقد سميت عند العرب بالمدرسة الإحيائية ويقول عنها س. سوميخ”الاتجاه الرئيسي لهذه المدرسة “ان كان هناك من مدرسة” كان العودة إلى نموذج قديم يحظى بالاحترام، وأن يعيش الشاعر ثانية التجربة المجيدة للشعراء القدماء. والنموذج هو ،طبعا، الشعر العربي القديم في أوج قوته، كما يمثله الشعراء المفعمون بالحيوية في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام، وبشكل أكثر تأكيدا، شعراء ذروة الإبداع العباسي المصقولين: المتنبي، والبحتري، وأبوتمام، وأبو العلاء المعري، والشريف الرضي”.1

المدرسة الرومانسية: وهي اتجاه أدبي جاء كرد فعل على الاتجاه الكلاسيكي ، ويتميز هذا الاتجاه بالانتصار للعاطفة عكس العقل الذي استندت إليه الكلاسكية ، وتؤمن بحرية الفرد في التعبير عما يخالجه من أحاسيس وعواطف جياشة بحرية مطلقة، لذلك تأنف من الأسلوب المنمق والألفاظ الجزلة عكس الاتجاه الكلاسيكي الذي يهتم بالسبك اللغوي و لا يتسامح في اي خرق للقواعد المرسخة في هذا المجال. وقد هيمن الحقل الدلالي للذات و الطبيعة على الإنتاجات الإبداعية للكتاب الرومانسيين كما أن المغالاة في الخيال كانت سمة مميزة لهم، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه في الآداب الغربية فيكتور هيكو وفي الأدب العربي جبران خليل جبران ومطران خليل مطران إيليا أبوماضي و إلياس أبو شبكة ويلخص ر.أوستل حكمه على هذه المدرسة في الأدب العربي بقوله:” ففي الوقت الذي كان فيه الكلاسيكيون الجدد في الغالب محافظين في علاقتهم بالتراث العربي الأدبي، دعا الرومانسيون إلى التغيير والتجديد، وفي بعض الأحيان، إلى الخروج عليه كلية”.2

المدرسة الواقعية: إذا كانت الرومانسية ظهرت إلى الوجود كرد فعل على الاتجاه الكلاسيكي، الذي غالى في التقيد بقواعد الكتابة الأدبية كما ترسخت في النصوص القديمة، فإن المدرسة الواقعية جاءت كرد فعل على الاتجاه الرومانسي الذي بالغ في الخيال، فطالب روادها بالالتصاق بالواقع متأثرين في ذلك بالنجاح الذي حققته العلوم الطبيعية والفزيائية في القرن التاسع عشر، وكأنها تدعو إلى تشريح الواقع كما يشرح علماء الفزياء و الطبيعة الظواهر الطبيعية، فدعوا إلى الاقتداء بهما لكشف الواقع و فهمه و تقديمه للقارئ كما يقدم لهم نفسه، ولعل خير من مثل هذا الاتجاه في الأداب الغربية إميل زولا وغوستون فلوبير، و في الأدب العربي تعد روايات نجيب محفوظ و قصص يحيى حقي والمغربي محمد زفزاف ممثلة بقوة لهذا الاتجاه الأدبي. يقول صبري حافظ عن هذا الاتجاه: “يعرف هذا النوع في الأدب العربي الحديث ب “الواقعية الاشتراكية” ولقد ظهر من داخل سياق المزج المتفرد بين الحماسة الثورية والتفاؤل الصريح، خلال نهاية الأربعينات و بداية الخمسينات، مع تحقيق الاستقلال، الذي طال زمن المطالبة به، و تغير الأنظمة السياسية. إن نشوء مفهوم الواقعية الاشتراكية يعود الفضل فيه إى نشر الأفكار الثورية، وإلى ارتباطها الوثيق بالإيديولوجية الماركسية، التي وصلت إلى الذروة في العالم العربي خلال الخمسينات”.3

مذهب الفن للفن: على إثر مغالاة المدرسة الواقعية في تمثل الواقع ونقله ، وخاصة مع دخول الماركسية على الخط، فأصبح النقد إيديولوجيا في أغلبه، يحاصر الأدب ويطلب منه الالتزام بقضايا خارجة عن الأدب كنقل الصراع الطبقي مثلا وعكس الظواهر السلبية التي يعرفها المجتمع، هكذا ظهر مذهب الفن للفن الذي يعتبر رواده أن الأدب غاية في حد ذاته، هدفه إمتاع القارئ فقط وهو قادر على تحقيق سعادة الإنسان بعيدا عن العقائد والأخلاق وأن اهتمام الأديب يجب أن ينصب على الشكل و الأسلوب أكثر من اهتمام بالمضامين وقد ساهمت الحروب، التي عرفها العالم في القرن العشرين في فقدان الثقة في كل الإيديولوجيات السيارة و في جدوى الالتزام بأي قضية من أي نوع. “فمهمة الأدب-كما يقول وليد القصاب متحدثا عن هذا الاتجاه- نحت الجمال، ورسم الصور والأخيلة الباهرة، من أجل بعث المتعة والسرور في النفس، فليست مهمة الأدب أن يخدم الأخلاق، ولا أن يُسخَّر لقيم الخير أو المجتمع، إنه هدف في حد ذاته، ولا يُبحث له بالتالي عن أي هدف خُلقي أو غير خلقي، فحسبه بناء الجمال ليكون بمثابة واحة خضراء يُستظلُّ بها من عناء الحياة”4

المدرسة الوجودية: 

انبثقت المدرسة الوجودية عن الفلسفة الظاهراتية أو الفنومينولوجيا، و تؤمن بأسبقية الوجود عن الماهية، وتصرف أفكارها من خلال الإيمان بحرية الفرد في الاختيار، وضرورة تحمل مسؤولية نفسه و مصيره و اختياراته، وتؤكد أن ألإنسان قادر على بناء عقائده بنفسه ، وقد وصلت هذه المدرسة إلى نوع من العبث نظرا لفقدان المعنى في كثير مما يقوم به ،وقد أصبح الإنسان في ظل هذا الاتجاه الأدبي الفلسفي سيد نفسه يتخذ من الوجود الإنسان المبتدأ والمنتهى، ومن أبرز ممثليه في المجال الأدبي كل من جان بول سارتر وألبير كامي.وهذا المقطع من رواية الغثيان لجان بول سارتر يعبر عن معنى الوجودية أدبيا”إذن، كنت جالساً في تلك الساعة، على مقعد من مقاعد الحديقة العامة. وكانت جذور شجرة الكستناء تغوص في الأرض، تماماً تحت مقعدي، وكنت قد نسيت أن تلك جذور. وتلاشت الكلمات ومعها معاني الأشياء ووجوه استخدامها، والمرتكزات الضعيفة التي خطها الناس على سطحها. إذن كنت أجلس، منحني الظهر قليلاً منكس الرأس، وحيداً في مواجهة هذه الكتلة السوداء المعقدة، وهي جامدة تماماً تبث الذعر في قلبي ثم ألّم بي فجأةً هذا الإلهام: وكأن هذه الرؤيا قطعت أنفاسي. وقبل هذه الأيام الأخيرة، لم أحس قط بما تعني كلمة وجود، إحساسي بها الآن. إذ كنت كالآخرين، الذين يتنزهون على شاطئ البحر في ثيابهم الربيعية، وكنت أقول مثلهم : البحر لونه أزرق، وهذه النقطة هي بيضاء وهذه هي قبرة تحلق في الفضاء، ولكنني ما كنت أحس بأن هذه الأشياء توجد، بأن القبرة هي قبرة موجودة. أن الوجود يتخفى عادةً ويخبئ نفسه، فهو هنا حولنا وفينا، وهو نحن، ولا نستطيع لفظ كلمتين دون أن نتحدث عنه، وفي النهاية لا نستطيع لمسه، وإذا كنت أظن أنني أفكر فيه، تبين لي أنني لم أكن أفكر في شيء فقد كان رأسي خالياً، أو كان فيه واحدة هي كلمة الكينونة، أو كنت أفكر… ماذا أقول؟ وحتى حين كنت أنظر إلى الأشياء كنت بعيداً جداً عن التفكير في أنها موجودة : إذ كانت تلوح لي وكأنها إطار أو زينة فآخذها في يدي وأستعملها أدوات. وقد أتصور مقاومتها، ولكن هذا كله كان يحدث على سطح الأشياء وفي قشرتها الخارجية دون أن يغير شيئاً من طبيعتها، ثم إليك ما حدث : رأيت فجأةً كل شيء. وكان ذلك جلياً كالنهار. لقد كشف الوجود النقاب عن وجهه فجأة وتخلى عن صيرورته اللامبالية. بوصفه صنفاً أو نوعاً مجرداً. وأضحى لحمة الأشياء نفسها، وهذه الجذور أضحت مغرقة بالوجود.”.

مدرسة العبث: وهي اتجاه أدبي يعتبر الإنسان ضائعا وفاقدا للمعنى و إنه عبثا يسعى لفهم وجود فاقد أصلا للمعنى ، وقد تأثر هذا الاتجاه بسيطرة الآلة على حياة الإنسان ، وبعدم حل العقل للمشاكل الملحة التي يعاني منها الإنسان بل ساهم فيها و في تعقيدها، وقد ارتبطت في جاب منها بالمدرسة الوجودية، وانتشرت بعيد الحرب العالمية الثانية التي كانت نتائجها كارثية على أوربا وجزء كبير من العالم ، وقد نشطت هذه المدرسة في المسرح ثم بعد ذلك في مجال الأدب ، ومن أهم روادها صمويل بكيت ومن أهم آثاره العبثية مسرحيته “في انتظار غودو” ويوجين يونسكو بمسرحيته “مبكت”.

أما من ممثلي هذا الاتجاه عند العرب فنذكر الشاعر صلاح عبد الصبور وخاصة في مسرحيته الشعرية العبثية “مسافر ليل” و توفيق الحكيم وخاصة في مسرحيته الشهيرة ” يا طالع الشجرة”.

1- س. سوميخ الشعراء الحيائيون العرب _ترجمة أحمد الطامي- الأدب العربي الحديث- تاريخ كيمبريدج للأدب العربيالنادي الأدبي الثقافي جدة الطبعة الأولى 2002. ص 69.

2- ر. أوستل -الشعراء الرومانسيون- ترجمة محمد العبداللطيف- الأدب العربي الحديث- تاريخ كيمبريدج للأدب العربي النادي الأدبي الثقافي جدة الطبعة الأولى 2002- ص135.

3- صبري حافظ- القصة القصيرة –ترجمة عبدالعزيز السبيل– الأدب العربي الحديث- تاريخ كيمبريدج للأدب العربيالنادي الأدبي الثقافي جدة الطبعة الأولى 2002- ص 424-425.

 

المصدر: صفحة الكاتب على فيس بوك

المصدر

المصدر: يمن مونيتور

كلمات دلالية: المدرسة المغربية الأدب العربی الحدیث فی الأدب العربی هذه المدرسة على الاتجاه هذا الاتجاه

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • الداخلية تكشف تفاصيل فيديو سير سيارة عكس الاتجاه بالإسكندرية
  • عرضوا حياة المواطنين للخطر| ضبط 3 سائقين بتهمة السير عكس الاتجاه بأحد الطرق ببنى سويف
  • فرج عامر: وليد الركراكي أحد أبرز المدربين في تاريخ الكرة المغربية الحديثة
  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • مدرسة العراقي الخاصة تحتفي بتخريج فوج جديد
  • الصفعة الحجرية
  • عمر احجيرة: تحول في خريطة التجارة المغربية مع تراجع حصة أوربا لفائدة آسيا والأمريكيتين
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟