أصدرت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار قرارًا وزاريًا حول مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة، وجاء القرار الوزاري رقم (5/ 2025)، بأن تعمل الشركات التجارية المساهمة المقفلة بمبادئ الحوكمة فيما عدا الشركات التي تمتلك فيها الحكومة حصصًا، على أن تلتزم الشركة بتعديل نظامها الأساسي بما لا يتعارض مع أحكام هذه المبادئ، وعلى الوزارة متابعة التزام الشركة بذلك.

وقال سعادة الدكتور صالح مسن وكيل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار للتجارة والصناعة: إن قرار مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة يساهم على تحفيز الشركات، ويؤطر عمل هذه الشركات وفق أفضل الممارسات في إدارة هذه الشركات بما يتماشى مع الممارسات العالمية، كما يعد ركيزة أساسية في تطوير أعمالها، وتقدم أداء هذه الشركات من النواحي الإدارية والفنية والتجارية وما لذلك من أثر في تعزيز مكانة هذه الشركات ومساهمتها في بناء اقتصاد قوي متين، موضحًا سعادته أن حوكمة الشركات يعزز من استمرارها مع تقديم أفضل الأعمال والممارسات في إدارة الشركات، ويساهم في تحفيز الشركات على الاستثمار الأمثل والأرشد لقدراتها ومواردها بتهيئة بيئة عمل أساسها المسؤولية والرقابة والالتزام وعمادها الوضوح والشفافية، مع تقديم أفضل المسؤوليات من جانب مجالس الإدارات والإدارة التنفيذية لهذه الشركات، وتحديد الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار بما يحقق الديمومة في أعمال الشركات.

تعزيز الشفافية

وأشارت نصرة بنت سلطان الحبسية المديرة العامة للتجارة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار إلى أن مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة تهدف إلى تعزيز الشفافية، وضمان الإدارة الجيدة للشركات، وحماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، كما تتسم الحوكمة بمجموعة من المميزات والحوافز التي تشجع الشركات على تبنيها.

منها تعزيز الثقة والشفافية، بحيث تكون التقارير المالية والإدارية واضحة ومحدثة، مما يعزز ثقة المساهمين والمستثمرين، وتساعد الحوكمة على تحديد وإدارة المخاطر التي قد تواجه الشركة بشكل منهجي، مع توفر معايير عادلة ومتساوية لجميع المساهمين، بما في ذلك صغار المستثمرين، وتضمن الحوكمة تمثيلًا مناسبًا لمصالح جميع الأطراف المعنية، الموظفين، والموردين، والزبائن، كما تجعل الحوكمة مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية أكثر مسؤولية أمام المساهمين، وتسهم في تحسين جودة القرارات الإدارية، مما ينعكس على الأداء العام للشركة.

وأضافت الحبسية: إن تطبيق مبادئ الحوكمة يعزز سمعة الشركة في السوق، مما يجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والدوليين، وتكون قادرة على الوصول لأعلى مصادر التمويل بأسعار وشروط أفضل، مع ضمان التزام الشركات بالقوانين واللوائح المعمول بها في سلطنة عمان، بما في ذلك قانون الشركات التجارية، وتقليل المخاطر والعقوبات الناتجة عن سوء الإدارة أو الإخلال بالالتزامات، وتمنع الشركات التجارية المطبقة لمبادئ الحوكمة لمزايا الأكبر لتسهيل إجراءاتها ودعم التنمية المستدامة مما يساعد الشركات على تعزيز قيمها الاجتماعية والبيئة.

تحقيق الانضباط المؤسسي

من جانبه أشار محمد بن سالم الهاشمي مدير دائرة الرقابة على المنشآت التجارية بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار إلى أن مبادئ حوكمة الشركات المساهمة المقفلة تهدف إلى تطبيق المعايير والإجراءات التي تحقق الانضباط المؤسسي في إدارة الشركة وفقا للمعايير والأساليب المتبعة وبما يتوافق مع قانون الشركات التجارية رقم 18/2019 ولائحة الشركات التجارية 146/2021، وذلك من خلال تحديد مسؤوليات وواجبات أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية للشركة، وتأخذ في الاعتبار حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح.

مضيفًا الهاشمي: إن القرار يمكن أن يضيف آليات التواصل والاتصال مع الأطراف المتعاملين مع الشركة بهدف الحصول على جودة الأعمال، إلى جانب وضع إطار للتدقيق وإدارة المخاطر والتركيز على التقارير وجودتها".

معايير الإفصاح والشفافية

وأضاف القرار الوزاري في مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة، بأنه يجب على الشركة الالتزام بمعايير الإفصاح والشفافية المنصوص عليها في هذه المبادئ، مع إعداد قوائم مالية نصف سنوية غير مدققة، وأخرى مدققة عند نهاية فترة الإقرار المالي، ورفعها إلى الوزارة خلال يومي عمل من اعتماد مجلس الإدارة، كما يجب إعداد تقرير سنوي في نهاية كل فترة بإقرار مالي، على أن يكون مدققا من قبل مراقب حسابات خارجي.

وأشار القرار بأن يشكل مجلس الإدارة من أعضاء يتمتعون بالكفاءة والخبرة والمهارة، مستوفين شروط العضوية المقررة، على أن يكون من بينهم أعضاء مستقلون، ويحدد النظام الأساسي للشركة عدد أعضائه، ويكون تشكيله فرديا، بحيث لا يقل عددهم عن (3) ثلاثة أعضاء، ولا يزيد على (11) أحد عشر عضوا.

وأضاف القرار الوزاري أن تقوم الشركة قبل البدء في إجراءات عقد اجتماع الجمعية العامة المدرج ضمن جدول أعمالها انتخاب مجلس للإدارة، بالعمل على توجيه إعلان للجمهور، قبل (14) أربعة عشر يوما على الأقل من موعد انعقاد الجمعية العامة، لدعوة من يرغب في الترشح لعضوية مجلس الإدارة ليكون عضوا مستقلا، ويتم تسليم قائمة المترشحين لعضوية مجلس الإدارة إلى المستشار القانوني للشركة قبل (7) سبعة أيام على الأقل من موعد انعقاد الجمعية العامة.

مهام مجلس الإدارة

ويجب أن يتمتع رئيس مجلس الإدارة بمهارات قيادية عالية تؤهله لإدارة، على أن يعين مجلس الإدارة فور انتخابه أمين سر للمجلس من ذوي الخبرات والمؤهلات في مجال القانون أو المحاسبة أو التدقيق أو أمانة سر الشركات، على أن تتوفر لديه خبرة عملية في مجال الإدارة لمدة مناسبة لا تقل عن (3) ثلاثة أعوام على الأقل. ويجب على مجلس الإدارة أن يعقد (4) أربع اجتماعات على الأقل في العام. وأشار القرار إلى أن من اختصاصات مجلس الإدارة، تحديد الرؤية المستقبلية للشركة، وهيكلها التنظيمي، ووضع مؤشرات أداء قابلة للتنفيذ في إطار زمني معقول، وتحديثها دوريا، مع اعتماد السياسات التجارية والمالية المرتبطة بأداء أعمال الشركة وتحقيق أغراضها، ومراجعتها دوريا، والعمل على وضع الخطط اللازمة لتنفيذ استراتيجية الشركة ومراجعتها وتحديثها من فترة لأخرى، مع اعتماد اللوائح والأنظمة الداخلية المتعلقة بتصريف أعمال الشركة، واعتماد سياسة الإفصاح عن البيانات الدورية، وتقرير حوكمة الشركة ومتابعة تطبيقها، كما يجب أن يتولى مجلس الإدارة اعتماد السياسات المتعلقة بتفويض السلطات إلى الإدارة التنفيذية وتحديثها بشكل دوري، وتشمل هذه التفويضات مختلف الوظائف المتعلقة بالشؤون المالية والإدارية، وشؤون العاملين وغيرها من الوظائف الضرورية لتشغيل الشركة وإدارتها بكفاءة.

لجنة التدقيق وإدارة المخاطر

وأضاف القرار أنه لا يجوز لأي من أعضاء مجلس الإدارة الإدلاء بأي تصريحات أو بيانات أو معلومات دون إذن كتابي مسبق من مجلس الإدارة أو رئيسه، وعلى مجلس الإدارة تحديد متحدث رسمي واحد أو أكثر باسم الشركة، وأشار القرار الوزاري بحظر الجمع بين رئاسة أي من اللجان التي يشكلها مجلس الإدارة، كما لا يجوز الجمع بين رئاسة لجنة التدقيق وإدارة المخاطر ورئاسة مجلس الإدارة، ما لم تستقل لجنة إدارة المخاطر عن لجنة التدقيق.

على أن تمارس لجنة التدقيق وإدارة المخاطر بصفة خاصة عدد من الاختصاصات وهي: الإشراف على أعمال التدقيق الداخلي في الشركة، ودراسة نظام الرقابة الداخلية، ومراجعته، والتأكد من مدى ملاءمة أنظمة الرقابة الداخلية بالشركة وكفايتها، مع التوصية بتعيين مراقبي الحسابات الخارجيين وإنهاء عقودهم وتحديد أتعابهم، ومراجعة خطة عمل مكاتب مراقبي الحسابات ونتائج عملية التدقيق، مع دراسة السياسات المحاسبية المتبعة في الشركة، وإبداء الرأي والتوصية لمجلس الإدارة في شأنها. وغيرها.

وأشار القرار إلى أن يخضع مجلس الإدارة لقياس أداء في كل دورة على الأقل، وتحدد الوزارة معايير قياس أداء مجلس الإدارة ومحاسبة أعضائه، ويجب على العضو الالتزام بمبادئ السلوك المهني وأخلاقيات العمل المهنية وامتلاك المعرفة الكافية لأداء واجباتهم، والإلمام بالتطورات والمستجدات المتعلقة بأنشطة الشركة، مع النزاهة والاستقامة والاستقلالية في اتخاذ القرارات، وتجنب تضارب المصالح، والتحلي بالشفافية في كل الأعمال المرتبطة بالشركة.

مبادئ السلوك المهني وأخلاقيات العمل

يتولى مجلس الإدارة اعتماد مبادئ السلوك المهني وأخلاقيات العمل ونشرها وضمان اطلاع أعضاء المجلس والإدارة التنفيذية وجميع العاملين في الشركة عليها، ومتابعة التزامهم بتطبيقها.

وتقوم الإدارة التنفيذية بعد اعتماد مجلس الإدارة بوضع لوائح وأنظمة داخلية لتصريف أعمال الشركة، والاتفاق على معايير ومؤشرات أداء الشركة، بما فيها معايير قياس أداء الإدارة التنفيذية. كما يجب أن يكون هيكل الأجور والحوافز للشركة جاذبا لكفاءات بشرية متميزة، وأن يساهم في الحفاظ على الكفاءات الموجودة في الشركة، على أن تكون مستويات الأجور والحوافز متناسبة مع سوق العمل في سلطنة عمان.

كما يجب بأن يعتمد مجلس الإدارة سياسة الشركة المتعلقة بمتطلبات المسؤولية الاجتماعية بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية والسياسات والتوجهات الحكومية، وبمراعاة عدم القيام بالأعمال ذاتها التي تقوم بها غيرها من الشركات في إطار مسؤوليتها الاجتماعية.

ويجب على الشركة أن تبين في تقريرها السنوي الأنشطة التي قامت بها في إطار مسؤوليتها الاجتماعية، وقيمة المبالغ المنفقة عليها، وقياس أثرها واستدامتها.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التجارة والصناعة وترویج الاستثمار والإدارة التنفیذیة الإدارة التنفیذیة وإدارة المخاطر القرار الوزاری إدارة المخاطر لجنة التدقیق مجلس الإدارة هذه الشرکات فی الشرکة على الأقل کما یجب یجب على على أن إلى أن

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • إدارة اتحاد بسكرة تصادق على التقريرين المالي والأدبي
  • “محفظة ليبيا أفريقيا” يقر تأسيس شركة مساهمة لصناعة وتسويق الأسمنت
  • محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار تقر تأسيس شركة لصناعة الأسمنت
  • الرئيس اليمني يجري تعديلًا وزاريًا محدودًا ويعين ثلاثة وزراء جدد
  • الإمارات تدعو لتنفيذ قرارات مجلس الأمن بشأن اليمن والبحر الأحمر
  • ضوابط جديدة لقيد شركات إعادة التأمين ورفع معايير التعامل مع الشركات المحلية والأجنبية
  • النواب الأمريكي يوافق على تقييد صلاحيات ترامب في الحرب.. والشيوخ يرفض
  • النواب الأمريكي يوافق على مشروع قرار لوقف التحرك العسكري ضد إيران
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • عاجل | مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف أي عمل عسكري ضد إيران