نشرت مجلة "بوليتيكو" تقريرا قالت فيه إنّ "الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن لم يخسر البيت الأبيض فقط، ولكنه خسر ميراثه السياسي، وما بدا أنه فصل عظيم في التاريخ، قد ينتهي بأنه هامش".

وجاء في التقرير الذي أعده ديفيد غرينبرغ، أستاذ التاريخ والصحافة في جامعة راتغرز، وترجمته "عربي21"، أن مساعي بايدن لأن يحقق تاريخا عظيما انتهت بنهاية حزينة في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، فلو فاز أو نائبته بولاية ديمقراطية ثانية، لنظر إليه التاريخ من خلال صورة بطولية وباعتباره الرجل الذي أعاد أمريكا إلى طبيعتها بعد فوضى الولاية الأولى لدونالد ترامب.



ولنظر إليه بأنه الزعيم الذي أوقف أمريكا على قدميها بعد كوفيد-19، والرجل أعاد تأكيد زعامة الولايات المتحدة في العالم بعد موسم من التراجع، وبأنه الرجل الذي أعاد بناء الديمقراطية بعد هجوم 6 كانون الثاني/ يناير 2021.

وبدلا من ذلك، فمن المرجح أن يتم تذكره باعتباره رجلا حسن النية وقليل الفعالية. فقد حقق العديد من الإنجازات التي تجعله فخورا، إلا أنه ونظرا لفترة ولايته القصيرة وقيوده الشخصية، فمن المرجح أن يتم تفكيك العديد من هذه الإنجازات من قبل الرجل الذي اعتقد أنه نفاه من مقعد السلطة.



ولم تكن مشاكل بايدن متعلقة بتقديم العمر وتراجع طاقته على العمل، وهو ما بدا واضحا في مناظرته التلفزيونية الكارثية في حزيران/ يونيو عام 2024، بل بتردده أو فشله في تقييم المشاكل ومعالجتها بالكامل.

ورأى بايدن أن هناك حاجة لدعم الاقتصاد بعد وباء كورونا، لكنه فشل بالتعامل مع مخاطر التضخم. كما وجاء للدفاع عن أوكرانيا وإسرائيل لكنه لم يتوقع المسار الذي قد تتخذه هذه الحروب. وكان يعتقد بشدة أن ترامب يهدد الديمقراطية لكنه لم يفعل الكثير لتعزيز دفاعاتها. وبالضرورة، كان بايدن دائما حصانا مجتهدا، وبدون أن تكون لديه رؤية أبدا، وربما كان رئيسا ممتازا في وقت هادئ.

لكن في الأزمة الحالية، التي كانت تستدعي روزفلت، لم يكن سوى بايدن. وفي الأيام الأولى من رئاسته تنفس الكثير من الأمريكيين الصعداء بعد رحلة السنوات الأربع الصعبة في ظل ترامب. وبدا بايدن يتعامل مع انتصاره وبدون أي سبب وأنه منقذ الديمقراطية.

وفي محاولة لاستغلال الفرصة بعد تعافي البلاد من وباء كورونا، قبل بل وصدق المقارنات بينه وبين "الصفقة الجديدة" التي بشر بها فرانكلين روزفلت بعد الكساد العظيم، وبدا ينظر إلى رئاسته بأنها نقطة تحول تاريخية عالمية. وفي عام 2021، أنضم الخبراء الذين شعروا بالنشوة في مرحلة ما بعد هزيمة ترامب إلى مساعدي البيت الأبيض الذين تباهوا بالرئيس الجديد، وتخيلوا أنه يملك رؤية جذرية أفضل من أسلافه الديمقراطيين.

وكرر مقدمو البرامج على الشبكات الإخبارية فكرة أن بايدن هو "رئيس تحويلي"، وقال بعضهم بشكل سخيف إنه "أعظم رئيس أمريكي منذ روزفلت".

وقد تجذر هذا الوهم بتمرير مشروع قانون الإنقاذ، وهي خطة إنفاق كبيرة مصممة لتسريع التعافي من الركود الناجم عن الوباء. فإلى جانب الإنفاق التحفيزي، أنشأ القانون حملة تطعيم سريعة ساعدت في جعل التفاعل الاجتماعي آمنا مرة أخرى. ولكن على الرغم من كل فوائدها، لم تكن الخطة قابلة للمقارنة ولو عن بعد بالإصلاحات الشاملة التي نفذها روزفلت في أول مئة يوم من ولايته، ولا بالكميات الهائلة من المبادرات التي شكلت مجتمع ليندون جونسون العظيم. فقد أقر كل من بيل كلينتون وباراك أوباما خططا اقتصادية في العام الأول لا تقل أهمية عن خطط بايدن. والواقع أن العديد من سياسات بايدن استمدت مباشرة من مستودع كلينتون وأوباما: تمديد إعانات البطالة وتوسيع نطاق ائتمان ضريبة الدخل وائتمان ضريبة الأطفال. حتى أن بايدن زعم أنه ابتكر فكرة اقتصاد "الوسطية"، في حين استخدم أوباما في الواقع الشعار وسعى إلى تطبيق الفلسفة أولا.



وعلى أي حال لم تكن خطة مشروع الإنقاذ لأن تكون مشروعا تحويليا كسياسات روزفلت.

وقبل عام من تولي بايدن، وقع ترامب خطة إنفاض ضخمة للمساعدة أثناء الوباء وهو قانون الرعاية، وبتولي بايدن فقد تراجع الركود وهو الأقصر في التاريخ الأمريكي. وفي وقت لاحق من رئاسته، وقع بايدن  ثلاثة مشاريع قوانين رئيسية أخرى خصصت قدرا أكبر بكثير من المال للتصنيع والبنية الأساسية والطاقة النظيفة. ولو فاز بإعادة انتخابه، لجعل هذا السجل التراكمي التضخم الحاد في العامين الأولين ومن ولايته ذكرى عابرة وجعل الاقتصاد القوي بخلاف ذلك محورا لإرثه الرئاسي.

لكن مشاريع قوانين الإنفاق الخاصة به غذت أعلى معدل تضخم في أي رئاسة منذ جيمي كارتر وحملت إدارته المسؤولية الكبرى عنها.

وحتى بعد أن هدأ التضخم، فقد أعاق هذا وبشكل قاتل محاولة هاريس لخلافته وتعزيز إرثه. الآن، مع عدم إنفاق الكثير من الأموال المخصصة، أصبح ترامب على استعداد للتراجع عن بعض تلك الإنجازات المحلية المحتملة، كتلك المتعلقة بالطاقة النظيفة.

وتهدد عودة ترامب بإرجاع معظم سياسات بايدن في السياسة الخارجية والتي شكلت تاريخه من الإنجازات. فرغم محاولته الفاشلة للخروج من أفغانستان ودعمه العميق لأوكرانيا وإسرائيل، فقد كان على استعداد لتبرير  مواقفه الليبرالية التي تمسك بها منذ فترة طويلة وتعزيز مصداقيتها بين الديمقراطيين الأصغر سنا والأمريكيين بشكل عام.

وفي كلتا الحالتين، كان بايدن يوجه الكثير من الانتقادات، ما جعل هذا الإرث أيضا عرضة للخطر.

ومع أن عالمية بايدن كانت قوية، إلا أنها لم تكن متغطرسة. فمثل بقية الرؤساء الديمقراطيين الآخرين منذ فيتنام (وبخاصة منذ العراق)، أظهر بايدن ترددا في نشر القوات الأمريكية على الأرض. وعلى الرغم من كل تفانيه لأوكرانيا وإسرائيل، فإنه لم يرسل قوات إلى غزة أو دونباس.



وينفس الطريقة، كان حريصا على تحليل الجيش من مسؤوليته في حفظ السلام في أفغانستان. وفي عام 2020، حاصر ترامب خليفته من خلال تبني اتفاق الدوحة مع طالبان، ووضع جدولا زمنيا وشروطا للانسحاب الأمريكي. ولكن بايدن لم يظهر انزعاجا من هذه القيود. ففي عام 2009 وعندما كان نائبا للرئيس، خسر بايدن جدالا داخليا عنيفا حول زيادة الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان لفترة وجيزة. والآن بعد أن أصبحت لديه سلطة الرئاسة، قرر إن بيده إنهاء العملية التي استمرت عشرين عاما، على الرغم من الانخفاض الكبير في الوفيات بين الجنود الأمريكيين منذ عام 2014.

وللأسف فلم يخطط لانسحاب صيف عام 2021 جيدا، فلماذا لا نحتفظ بقاعدة باغرام الجوية؟ وكما اعترفت الإدارة، نفذ الانسحاب بشكل بائس. وكان ذلك الصيف أيضا هو الذي عانى منه الأمريكيون من آلام التضخم، وبدأ الجمهور يشك في مزاعم البيت الأبيض بفكرة احتراف الرئيس وكفاءته المتفوقة.

وحاول بايدن طي الصفحة عن كارثة أفغانستان بحشد الدعم ضد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وارتقى لمستوى المناسبة، وعزز حلف الناتو بإضافة فنلندا والسويد إلى التحالف ووحد أوروبا خلف الدفاع ليس فقط عن أوكرانيا بل وأيضا عن النظام الدولي نفسه بعد الحرب العالمية الثانية، مؤكدا على مبدأ السيادة الوطنية.

وعلى نحو مماثل، ساعد تضامن بايدن مع إسرائيل في صراعاتها الإقليمية، وإن كان لم يكن متسقا في بعض الأحيان، في جعل من الممكن على الأقل تصور شرق أوسط أكثر سلاما في المستقبل المتوسط، حيث لم تعد حماس (المدمرة الآن)، وحزب الله (المشلول)، والرئيس السوري بشار الأسد (المخلوع)، والجمهورية الإسلامية الإيرانية (المتواضعة) تثير الحرب.

وكانت سياساته من إسرائيل مثيرة للانقسام إلا أن موقفه من أوكرانيا قدم على أنه أفضل لحظاته. ومع ذلك، فعجزه عن جلب وريث له نفس التفكير قد يعيد كتابة هذا الحكم. وما بدا ذات يوم وكأنه قوة شجاعة ثاقبة أصبح الآن يشبه، على الأقل في نظر البعض، استراتيجية حذرة للغاية. لم يسمح بايدن لأوكرانيا باستخدام الأسلحة الأمريكية ضد أهداف في روسيا حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وهو التأخير الذي ربما أطال أمد الحرب، ولن يكون الرئيس الأمريكي الدولي في منصبه لتأمين شروط نهايتها. وبينما من غير المرجح أيضا أن يوقف ترامب المزيد من المساعدات لإسرائيل، فإن قربه من حكومة نتنياهو قد يدفع المزيد من الديمقراطيين إلى موقف معاد لإسرائيل. ولقد فعل نتنياهو الكثير بالفعل لإبعادهم.

وفي النهاية يبدو أن أهم وعود بايدن الانتخابية وهي إعادة المياه إلى مجاريها بعد مرحلة ترامب المضطربة، تبدو بعيدة كل البعد. وبالطبع، كان مجرد انتخاب بايدن سببا في تهدئة الأجواء، وهو أمر ليس بالهين. فلم يعد كل يوم يحمل أخبارا عن إهانة الرئيس لمشاهير عشوائيين على تويتر أو طرد أعضاء الإدارة المارقين أو تآكل معايير الحكم الديمقراطي.

لكن إدارة بايدن والكونغرس الديمقراطي لم يفعلا سوى القليل لدعم الديمقراطية كما فعل القادة السياسيون بعد فضيحة ووترغيت. فقد أدرك الديمقراطيون، خلال فترة ولاية ترامب الأولى، نقاط الضعف في الديمقراطية الأمريكية، لكنهم سمحوا بعد ذلك بمرور أربع سنوات دون بذل المزيد من الجهود لمعالجة هذه النقاط الضعيفة. ومن المؤكد أن عفو بايدن المثير للجدل عن ابنه هانتر لن يكون ذا أهمية كبيرة للمؤرخين بعد 10 أو 50 عاما من الآن، فنادرا ما يذكرالعفو في التقييمات التاريخية للرئيس، مع أنه يمثل أيضا فرصة أخرى أهدرها بايدن لتعزيز معايير الحكم الرشيد.

وطوال هذه الفترة لم يقدم بايدن القيادة المطلوبة، كما قدمها روزفلت، فالأخير لم يحقق وعوده في المئة أولى من حكمه بل وقدم للأمريكيين خطاباته وأحاديثه الإذاعية والتي كانت خرقا في القيادة الرئاسية، وأداة لتشكيل الوحدة وتعزيز الروح المعنوية في الأوقات العصيبة.

وبعد فترة ولاية ترامب الأولى، احتاجت الأمة أيضا إلى حملة لا هوادة فيها لوقف البلقنة والمؤامرات ونشر الكراهية التي أصبحت تتخلل في السياسة الأمريكية، ولم ينجح بايدن في شن حملة لمواجهة كل هذا، أو لم يتمكن من عمل ذلك.

وفي النهاية، لا أحد يتذكر الرؤساء الذين خدموا لولاية واحدة وباعتبارهم ممن حققوا إنجازات عظيمة. صحيح أن جون آدامز خضع لإعادة تأهيل قبل بضع سنوات، ويفتخر جيمس بولك بمتابعين فخورين له، ولا يزال جون اف. كينيدي محبوبا على نطاق واسع.

لكن في الغالب، إذا كنت تريد أن يصنفك التاريخ مع العظماء، فيجب على شعبك أن يمنحك تلك الفترة الثانية المزعومة. ولم يتمكن بايدن من تحقيق ذلك. والآن سيكون الكثير مما كان يأمل في توريثه للأجيال القادمة تحت رحمة دونالد ترامب، الذي لا تعتبر صفة الرحمة من صفاته.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة إسرائيلية بايدن البيت الأبيض ترامب الرئاسة امريكا البيت الأبيض بايدن الرئاسة ترامب صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی عام لم تکن

إقرأ أيضاً:

لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟

انشغلت المحافل الإسرائيلية السياسية والعسكرية، بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق نووي أمريكي سعودي بصورة لافتة، دون تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، مما يُعرّضها لما تعتبره أسوأ سيناريو متمثل في خطر أمني غير مسبوق دون أي مكاسب سياسية.

الباحث الأول ورئيس برنامج الخليج بمعهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أكد أن "إسرائيل ينبغي لها أن تقلق من الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنها قد تجد نفسها في أسوأ وضع بالنسبة لها، وهو الخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودون تحقيق الإنجاز السياسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية".

وأضاف في مقال نشره موقع "واللا" وترجمته "عربي21" أنه "لسنوات، كان من الواضح أن استعداد الولايات المتحدة لتلبية المطالب السعودية في المجال النووي ليس غاية في حد ذاته، بل جزء من اتفاق إقليمي أوسع، وقد كانت الفكرة بسيطة، وبموجبها ستحصل الرياض على ضمانات أمنية وبرنامج محطة طاقة نووية مدنية متطورة، وفي المقابل ستحصل إسرائيل على اتفاق تطبيع تاريخي، لكن يبدو الآن أن الصلة بين المسألتين بدأت تتلاشى".

ردود فعل إسرائيلية
ويمكن الاستنتاج من هذا التطور أنه إذا منحت واشنطن السعودية ما تريده حتى دون إحراز تقدم مع دولة الاحتلال، فهذا يعني أنها ستتحمل المخاطر وحدها، ودون تحقيق أي مكاسب استراتيجية، وبالتالي فلا تكمن المشكلة في تطوير الطاقة النووية المدنية بحد ذاتها، لن العديد من الدول تشغل مفاعلات لأغراض سلمية، لكن السؤال الذي يشغل صناع القرار في تل أبيب هو ما إذا كانت الرياض ستُمنح أيضاً خيار تخصيب اليورانيوم، فإذا كان الأمر كذلك، فهذه سابقة ذات خطورة إقليمية واسعة على دولة الاحتلال.


هنا يمكن استعراض أهم ردود الفعل الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وقد كان لافتا أن الائتلاف بقي صامتا، خشية الصدام مع واشنطن، فيما تصدر قادة المعارضة إصدار التصريحات المعارضة للاتفاق:
رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، الذي يعتبر أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة، اعتبر أن "هذه الاتفاقية تعني الانضمام لسلسلة إخفاقات دبلوماسية شهدناها إسرائيل خلال الفترة الماضية، مما يعتبر فشلا استراتيجيا خطيرا يهدد أمننا القومي، وتفقد فيها إسرائيل تأثيرها على مصيرها".

بدوره، زعم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الحرب الأسبق، أفيغدور ليبرمان، أن "علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على إسرائيل أن توضح بحزم أنها تعارضه، وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار".

واتهم رئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان، الذي يمثل يسار الوسط، نتنياهو بأنه "فعل ما لا يصدّق بخسارة التطبيع مع السعودية، ويمكّنها من التحول إلى دولة نووية، لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة".

الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال يعكوب ناغال، زعم أن "أي تخصيب لليورانيوم، من أي نوع كان، على الأراضي السعودية هو خطأ، بغض النظر عمن سيقوم به، وكيف سيتم الإشراف عليه، هكذا كان موقفي قبل السابع من أكتوبر في إطار حزمة التطبيع، وموقفي لم يتغير".

خطوات متوقعة
هنا يمكن الحديث عن سلسلة خطوات إسرائيلية متوقعة:
إعادة الحديث عن المسار السياسي التدريجي في الساحة الفلسطينية، من خلال الدعم الأمريكي الواضح، وإن كان ذلك متعذرا في ظل موسم انتخابي حامي الوطيس.
إمكانية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يخدم المصالح الإسرائيلية أيضًا، وليس المصالح الأمريكية والسعودية فحسب. 

لا يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء بمعارضة الاتفاق، والمخاطرة بتوقيعه على أي حال، أو أن تسعى لصياغته بحيث يُقلل من المخاطر النووية، ويُعيد هدف التطبيع إلى الواجهة.

الاستنتاج الاسرائيلي من هذا الحراك السعودي الأمريكي المتلاحق في الملف النووي يتمثل بين التخوف من تبعاته من جهة، ومن جهة أخرى الخشية من عدم التأثير في الواقع، والتصالح معه، لأن إذا مضت هذه الصفقة قدمًا، فإن مكمن القلق الإسرائيلي هو عدم تقليل مخاطرها، وضمان ألا تنتهي هذه الخطوة الاستراتيجية الهامة بحصول السعودية على كل شيء، وبقاء الاحتلال بلا شيء.

في الوقت ذاته، ليس لدولة الاحتلال مصلحة في تحويل هذه القضية لمواجهة علنية مع إدارة ترامب، أو حتى القيادة السعودية، ولأنها قضية حساسة، تنصح الأوساط البحثية والتحليلية بضرورة إجراء حوار مكثف وسري مع واشنطن، هدفه الأساسي تقليل المخاطر قدر الإمكان من خلال آليات تفتيش أكثر صرامة، واعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على التخصيب وإعادة المعالجة، وضمان إمداد الوقود النووي من مصادر خارجية.

إبعاد السعودية عن الصين وروسيا
يتوافق الإسرائيليون على أن اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية ربما يسعى لترسيخ التعاون النووي المدني لعقود، والحدّ من نفوذ الصين وروسيا في المملكة، رغم أن غياب قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم قد يُقوّض التوازن الإقليمي، ويُعرّض دولة الاحتلال لواقع استراتيجي أكثر خطورة، رغم أن هذه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه مقامرة محفوفة بالمخاطر بشأن مدى الحرية النووية التي يمكن منحها للرياض دون إشعال سباق تسلح إقليمي. 


خبير الشئون الأمنية والاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أعرب عن مخاوفه من قيام "إدارة ترامب بفصل التعاون النووي مع السعودية عن شرط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولاً، بعد أن كان هذا الخيار يطرح سابقا بهدف تعميق التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وتصعيد المواجهة المشتركة مع إيران، وتقريب الرياض وتل أبيب في المستقبل، رغم عدم وجود التزام سعودي بذلك في الاتفاق".

وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أنه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن فصل التطبيع عن التعاون النووي يعني أن السعودية قد تحصل على مكسب استراتيجي هام، دون أن تضطر لتغيير علاقاتها مع إسرائيل بهذه المرحلة، مع أن الخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا ينبع من نوايا الرياض الحالية فحسب، بل من السابقة التي يُرسيها الاتفاق، لأنه قد يُغيِّر موازين القوى الإقليمية، وهذا بحد ذاته يُعدّ مقامرة".

لا يختلف إسرائيليان على أنه إذا كانت الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدمًا في الاتفاق مع الرياض، فقد لا تنجح محاولات إلغائه، وفي هذه الحالة، فقد سيكون من الأنسب محاولة التأثير على بنوده، لاسيما إعادة التطبيع إلى صلب الاتفاق، وبدلًا من الاكتفاء برفضه، فإنه يمكن لدولة الاحتلال أن تسعى لتحويل هذه الخطوة إلى ورقة ضغط سياسية. 

سباق التسلح
من وجهة نظر أخرى، لا تقل خطورة عن سابقاتها، فإن دولة الاحتلال ترى أن التعامل مع واقع إقليمي لا تقتصر المعرفة النووية، والبنية التحتية، والقدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، لا تقتصر على إيران فحسب، بل تطالب فيه دول عربية رئيسية بمسار مماثل، فإذا قبلت السعودية بشروط متساهلة، فقد تطالب دول مثل تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بمعاملة مماثلة.

صحيح أن الولايات المتحدة تحاول القيام بمناورة دقيقة تتمثل باحتواء إيران من خلال تعزيز قدرات السعودية، لكن ذلك قد يُحوّل هذا التعزيز إلى بداية سباق نووي، وفي مثل هذه الحالة فقد تُنشئ هذه الخطوة برنامجًا نوويًا للرياض تحت إشراف أمريكي، في أحسن الأحوال، أم أنها تُرسّخ سابقةً ستستغلها دول المنطقة عندما يتلاشى الثقة في واشنطن، وهنا قد تحرم دولة الاحتلال من احتكار السلاح النووي في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
  • مصطفى بكري عن جمال عبد الناصر: حملات التشويه لم تنجح في طمس إرثه
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • هكذا مكّن بايدن الاحتلال الإسرائيلي من شن عدوانه على غزة وإيران
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟