ماذا يعني وقف إطلاق النار في غزّة؟
تاريخ النشر: 20th, January 2025 GMT
شعر الكثيرون بارتياح نسبي لوقف إطلاق النار في غزّة بعد أن قتل الإسرائيليون ما يقرب من 50 ألفا من سكانها خلال 100 يوم من القصف المركز في غياب دعوات جادّة لوقف العدوان.
والسؤال هنا: هل ستستمر الهدنة طويلا أم أن الاحتلال سيواصل سياساته العدوانية مجدّدا؟ وتكفي الإشارة ألى أن أكثر من 80 من الفلسطينيين قتلوا بعد إعلان «إسرائيل» موافقتها على وقف إطلاق النار.
ويقلّل من شأن هذه الأرقام تحوّل مناطق واسعة من غزة إلى أكوام من الحطام لم يرها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تُسوّى الأحياء السكنية بالأرض بدون رحمة. ومن يشاهد التقارير الإعلامية على شاشات التلفزيون يراها واضحة ليس من خلال الصور فحسب بل من الكلمات التي تنطلق من حناجر الإعلاميين الدوليين الذين يقومون بالتغطية. فهذه المشاهد ليس لها وصف دقيق أو أهمية بعد أن تكرّرت كثيرا وأصبحت روتينا ربما يراه البعض مملّا.
وليس العالم الأجنبي وحده هو الذي وقع في حالة اللامبالاة وأقفل عينيه وغضّ بصره وأغلق قلبه عن المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي يوميا في غزّة، بل أن الشعوب العربية والإسلامية أصيبت بداء تكلّس القلوب والمشاعر، ولم تعد تلك المشاهد تثير فيها أحاسيس الأذى والغضب. فقد يكون مفهوما أن يكون هناك حزم في الحرب، ولكن استهداف المناطق السكنيّة على نطاق واسع وتدمير البنى التحتية بما فيها مصادر الطاقة والماء والملاجئ والمدارس والمستشفيات، يمثل جرائم حرب خطيرة يجب التصدّي لها.
برغم وقف إطلاق النار هناك توجس قلق لدى الكثيرين، خصوصا مع ترقّب التنصيب الرسمي للرئاسة الامريكية هذه الأيام. فالمعروف أن دونالد ترامب لا يمكن تصنيفه ضمن البشر ذوي القلوب الإنسانية ومشاعر الرحمة والرأفة، بل أنه أكثر جنوحا للعنف من جهة وأشد ميلا للصهاينة من جهة ثانية. وهل هناك من دليل على نزعته العنيفة أقوى من موقفه في مثل هذه الأيام قبل أربعة أعوام عندما رفض نتائج الانتخابات الرئاسية آنذاك ودفع أتباعه لاقتحام مبنى الكونغرس، متسبّبا في مقتل خمسة أشخاص لم يرتكبوا جرمًا؟
الرئيس ترامب محسوب على مجموعات سياسية إنجيلية تدعم الممارسات الإسرائيلية أيا كان شكلها. كما أنه يشعر بالقرب من نتنياهو الذي تناغم معه خلال مفاوضات وقف إطلاق النار، ويريد ترامب مكافأته على ذلك. أما العامل الثالث فيرتبط بالسيد مايك وولتز، الذي عيّنه ترامب مستشارا بمجلس الأمن القومي. هذا الشخص معروف بتحسسه من حلف الناتو وعضوية أمريكا فيه، ويدعو لوقف أي دعم للمجموعات المقاتلة في أوكرانيا، وهو منحاز بشكل كبير للكيان الإسرائيلي.
وهكذا يبدو المشهد الأمريكي عاملا مهما لاستشراف ما يمكن أن تؤول إليه القضية الفسطينية في المستقبل المنظور. وقبل الحرب الحالية كان نتنياهو قد أعلن سياسة راديكالية مفادها أنه يريد القضاء على مجموعات المقاومة. والواضح أنه لم ينجح في تنفيذ ذلك الوعد، الأمر الذي يضعه في موقف محرج أمام ناخبيه من جهة ومناوئيه السياسيين من جهة أخرى.
والسؤال هنا: ما هذا العالم الذي يسمح بربط مصير شعب كامل بسياسات بعض السياسيين ورغباتهم التي كثيرا ما انتهكت القواعد السياسية الدولية والمنطق المقبول أو الواقعي حتى لو اتسم بقدر من التطرف. ولذلك، فبرغم وقف إطلاق النار، فإن سكان غزة الذين يتجاوز عددهم المليونين غير مطمئنين تماما لحالة الهدوء النسبية، فهم يرونها مؤقّتة وناجمة عن بعض الضغوط التي ساهم فيها حجم العدوان ومآسيه ومشاهده التي حرّكت مشاعر الكثيرين وقلوبهم. فما أن أعلن عن وقف إطلاق النار حتى هرع الآباء والأمهات للحديث عن تعليم أولادهم المحرومين من فرص الدراسة بعد تدمير أغلب مدارس غزة ومستشفياتها وأغلب الخدمات الحياتية.
وفي غياب الموقف الدولي أو الإسلامي أو العربي الفاعل، ليس هناك من الضمانات ما يشجّع الفلسطينيين على البدء الفوري بإعادة بناء حياتهم. فالشعور العام السائد يتمحور حول حتمية اندلاع التوتر الأمني والسياسي والعسكري في المستقبل غير البعيد. لذلك فالأرجح استمرار الوضع الراهن بدون تغيير جوهري لصالح الفلسطينيين، فوقف إطلاق النار هدنة مؤقتة تتعرض لاختراق متواصل ولا تسمح بالتخطيط الاستراتيجي لإعادة بناء غزّة المدمّرة في غياب استقرار طويل ووضع سياسي آمن.
وبرغم محاولة القفز على حقائق الصراع العربي ـ الإسرائيلي خصوصا من قبل السياسيين العرب والغربيين، فإن هناك استيعابا لما نجم عنه من دمار في كافة فصوله، خصوصا الفصل الحالي من الصراع. فحجم الدمار البشري تجاوز ما هو معقول أو متوقع. فقد حصدت الطائرات الإسرائيلية التي حصلتها من أمريكا خصوصا إف ـ 35 أرواح الآلاف بدون رحمة، فهي تقذف الحمم من مرتفعات عالية وتوجهها بأجهزة راداراتها المتطورة. إنه «تطوّر» عملاق في مجال قتل الروح البشرية بدون حساب.
فإزهاق أرواح قرابة الخمسين ألفا ليس أمرا عاديا، بل مؤشر لفظاعة الصراع ووحشيته. وما يزال العدد في تصاعد برغم وقف إطلاق النار. وهناك مؤشر آخر لهذه الوحشية. فقد بلغ عدد الصحافيين والإعلاميين الذين فقدوا حياتهم 166، منهم 158 فلسطينيا وإسرائيليان وستة لبنانيين. وهذا الاستهداف أساسه خشية الإسرائيليين وحلفائهم من كشف حجم الخسائر البشرية في أوساط الفلسطينيين، وإخفاء سياسة القتل والإبعاد التي تعتبر مؤشرا لما أصبح يسمّى على نطاق واسع «الإبادة». كما دمّر القصف الإسرائيلي ثلثي المباني في غزّة، وبلغ عددها حوالي 164 ألفا.
لذلك ليس غريبا أن تُظهر الصور دمارا ليس له نظير في العقود الثمانية الأخيرة، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالحرب بين الطرفين لم تكن متكافئة أبدا. فبينما خاضها الفلسطينيون وحدهم بدون تدخل خارجي داعم، ألقت أمريكا بثقلها إلى جانب الإسرائيليين، ولم تكتف بتزويدها بالسلاح والعتاد فحسب، بل وضعت أساطيلها العسكرية في البحر الأبيض المتوسط قريبا من منطقة الصراع، وشاركت في استهداف مواقع المقاومة مع الجانب الإسرائيلي. فكانت حربا غير متكافئة سواء من حيث القوة العسكرية لكل من الطرفين أم حجم الضحايا والخسائر.
ثمة سؤال جوهري يفرض نفسه في ضوء العدوان الإسرائيلي الكاسح: هل حققت «إسرائيل» أهدافها من خوض واحدة من أبشع الحروب التي شنّتها؟ قبل بدء العدوان أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أن هدف الحرب كان القضاء على قوى المقاومة وفي مقدمتها حركة حماس وحزب الله. وفي الأيام الأخيرة التي حدثت فيها مفاوضات وقف إطلاق النار في العاصمة القطرية، الدّوحة، كان واضحا أن الإسرائيليين يتفاوضون مع حماس حول شروط الهدنة.
وبدون ذلك التفاوض لم يكن هناك مجال لوقف المواجهات. هذا يعني أن أهم أهداف الحرب من وجهة النظر الإسرائيلية لم يتحقق، وأن طرفيها ما يزالان في موقعيهما. وفي غياب حالة الصلح بينهما سيظل الباب مفتوحا لصراعات ومواجهات مستقبلية. وهذا أمر محرج لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي قطع على نفسه عهدا لا يستطيع الوفاء به.
ولذلك يُتوقع أن يواجه تحديات أكبر بعد تركه منصبه، إذ أن هناك قضايا قضائية مرفوعة ضده تتعلق بالاختلاس وسوء الإدارة. وتقع مسؤولية التصدّي لعقلية الاستئصال والقتل والتدمير الشامل على الجهات العربية والدولية المعنية بقضية فلسطين من جهة وبأمن العالم من جهة أخرى. وهذه الجهات مدعوّة لتوثيق الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي التي تحدث يوميا، بهدف وقفها من جهة ومحاسبة ممارسيها من جهة ثانية. فشخصية نتنياهو مثيرة للجدل ليس لدى الجانب العربي فحسب، بل في الأوساط السياسية والشعبية الإسرائيلية.
يضاف إلى ذلك أن بإمكان النشطاء الحقوقيين فتح ملف جرائم الحرب لمقاضاة قوات الاحتلال وقياداتها السياسية خصوصا نتنياهو. وبدون تفعيل ذلك سوف تتواصل الانتهاكات وستكون ظاهرة «الإفلات من العقاب» عنوانا آخر للعدوان والعجز الدولي وخذلان المظلوم والتواطؤ مع الظالم.
إن ما يكابده سكان غزّة من متاعب يومية وحرمان من أبسط مستلزمات الحياة في ظل حصار إسرائيلي شرس، لا يمكن استيعابه إلا من خلال العدسة الفلسطينية نفسها.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الاحتلال غزة المقاومة غزة الاحتلال المقاومة طوفان الاقصي مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة وقف إطلاق النار فی غیاب فی غز ة من جهة
إقرأ أيضاً:
أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام
غزة"رويترز": في المخيمات المترامية الأطراف بجنوب قطاع غزة، تحولت الولاعات البلاستيكية إلى سلعة نادرة وفاخرة على نحو غير متوقع، لا تقل أهمية عن الطعام والماء والوقود للبقاء على قيد الحياة.
وبالنسبة لنسرين أبو سعادة، وهي أم لأربعة أطفال نزحت بسبب الحرب، أصبح إشعال النار لإعداد الطعام معاناة يومية في القطاع حيث لا يزال الغاز شحيحا، وتعتمد العائلات على حرق الكرتون والبلاستيك وقطع الخشب لطهي وجباتها.
وقالت "الخيمة بدون قداحة على الفاضي".
وأضافت "أصلا فيش غاز والنار 24 ساعة بنولع نار يعني القداحة ضرورية كتير في الخيمة".
وقبل الحرب، كان بالإمكان شراء ثلاث ولاعات بلاستيكية مقابل شيقل واحد (0.33 دولار)، أما اليوم فقد ارتفع سعر الواحدة إلى 100 شيقل (32.55 دولار)، وهو مبلغ يفوق قدرة نسرين (38 عاما). وكانت تجلس إلى جانب موقد بدائي خارج خيمتها في خان يونس.
وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، أدت ندرة السلع الأساسية إلى تحويل أشياء يومية بسيطة إلى مقتنيات ثمينة. وأصبحت الولاعات تتداول بين عشرات العائلات، وتنتقل من خيمة إلى أخرى قبل أن تتلف بفعل كثرة الاستخدام.
و قالت نسرين ابو سعادة "يعني أنا لما بدي أجي أولع النار بستنى يعني حدا يولع النار أشوف وين مولع النار وباخذ الكرتون وبولع وباجي وما باجي إلا بتكون طفت النار تاني ورجع تاني يعني قصة بتكون يعني الواحد طلعت روحه قبل ما يولع النار".
وأوجد هذا النقص فرصة عمل لحسن أبو لطيفة، وهو أب لثلاثة أطفال نزح بسبب الحرب، ويعمل على إصلاح الولاعات البلاستيكية المعطلة في كشك صغير.
وقال الرجل البالغ من العمر 35 عاما، الذي كان يعمل مهندسا زراعيا قبل الحرب "هي مش مهنة أساسا لكن بسبب المعاناة وبسبب اضطرار الناس إلها وحاجتنا احنا برضو للعمل اضطرينا ان نعمل بهاي المهنة يعني انا كنت قبل الحرب اعمل مهندس زراعي الآن أعمل في صيانة القداحات اللي اجبرني على هي المهنة حاجة الناس لإصلاح القداحات وحاجتي أنا للعمل".
وأوضح أبو لطيفة، الذي كان يجلس محاطا بصناديق من الولاعات التالفة وقطع الغيار المستعملة، أن ارتفاع الأسعار أجبر العائلات على إصلاح القداحات بدلا من رميها وشراء غيرها.
وألحقت الحرب دمارا واسعا باقتصاد غزة. وتقول وكالات تابعة للأمم المتحدة إن معدل البطالة في القطاع تجاوز 80 بالمائة، فيما اقتربت معدلات الفقر من 100 بالمائة بعد أن قضى الصراع على معظم الأنشطة الاقتصادية ودمر البنية التحتية في أنحاء القطاع.
وأدى وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر إلى توقف العمليات القتالية إلى حد كبير، لكنه لم يضع حدا للهجمات الإسرائيلية، التي تقول إنها تستهدف حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) ومسلحين آخرين في غزة تعتبرهم تهديدا وشيكا.
من جهتها، تحمل حركة حماس الهجمات الإسرائيلية والقيود المفروضة على المعابر مسؤولية تعثر التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الصراع.
ولا تزال كميات المساعدات التي تدخل إلى القطاع محل خلاف. ويقول المكتب الإعلامي التابع لحكومة غزة التي تديرها حماس إن الإمدادات تقل كثيرا عن الاحتياجات الفعلية للسكان، بينما تؤكد وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الجهة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون المدنية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية، أن شحنات الغذاء التي دخلت غزة منذ سريان وقف إطلاق النار تجاوزت الاحتياجات التي حددها برنامج الأغذية العالمي.
وبالنسبة لافتخار الكفرنة، وهي نازحة وأم لستة أطفال تعمل في إعداد الخبز في فرن تقليدي لكسب المال، أصبحت هذه الأداة الصغيرة ضرورية لكسب رزقها.
وقالت "يعني الحين لو فيه جداحة (قداحة) فيه شغل فيش جداحة الشغل حيقف يعني بقعد ثلاث أربع ساعات من غير شغل".