الشيخ كمال الخطيب … لا لن يستمر التيه فبالإسلام قد وضح المسار
تاريخ النشر: 31st, January 2025 GMT
لا لن يستمر التيه فبالإسلام قد وضح المسار
#الشيخ_كمال_الخطيب
✍️إن ما هو أخطر من المرض نفسه هي تلك المكابرة والمعاندة ورفض المريض الإقرار بمرضه، لأن هذا سيكون سببًا في انتشار المرض وتفشّيه وبالتالي صعوبة علاجه، والعكس هو الصحيح، فإن من أهم أسباب شفاء المريض بإذن الله تعالى، هو إقراره واعترافه بمرضه وعدم المكابرة، لأن هذا الاعتراف سيجعله يذهب إلى الطبيب وسيسهّل على الطبيب وصف الجرعات الدوائية المناسبة له حيث سيلتزم بأخذها في وقتها.
✍️ أما إذا لم يقرّ المريض بمرضه فإنه لن يذهب إلى الطبيب، وإذا ذهب تحت ضغط وإلحاح الأهل، فإنه سيتهرب من أخذ العلاجات ولو كانت من أثمن أنواعها ومن أشهر وأجود الماركات والمختبرات العالمية، وهذا معناه تفشّي المرض وزيادة ومضاعفة آلامه وخطورته ولعلّه يقود إلى الموت.
✍️ومثل الأفراد فإنها الأمم والشعوب المكلومة والمنكوبة فإنه لن يغيّر من حالها، ولن يشفي جراحها، ويخلّصها من نكباتها، ويحررها من ذلها وهوانها، إلا أن تعترف بالواقع المرّ والمؤلم الذي هي عليه، وأن الحال الذي تعيشه ليس هو ما كانت عليه سابقًا، حيث وضعها الطبيعي هو القوة والعزّة والمنعة والرفعة، وأن الاعتراف والإقرار بتغيير الحال سيجعلها تبحث عن الأسباب وتبحث عن العلاج المناسب الذي يشفيها ويداوي جرحها ويخلّصها مما هي فيه.
✍️وإن أمتنا العربية والإسلامية ليست بدعًا من الأمم، ولا أن هذه السنّة الكونية لن تصيبها، ولا أن الأمراض لن تتفشى فيها. لقد أصابها كل هذا وأكثر منه وقد أثخنتها الجراح بفعل سهام طعنها بها بعض أبنائها قبل أن يطعنها أعداؤها. إنهم الأبناء الذين ارتموا في حضن الأعداء، ورضعوا من الحليب الفاسد والمغشوش الذي أفسد عليهم دينهم وأخلاقهم. هؤلاء بعد أن أُوصِلوا إلى مواقع القيادة، فقد أصبحت وظيفتهم المزيد من الإثخان والمزيد من الطعن في جسد الأمة عبر سعيهم من خلال المقدّرات المالية والإعلامية والعسكرية التي بين أيديهم، وترسيخ أن ما عليه الأمة الآن هو خير بل هو الخير كله، وأن هذا هو الشفاء والدواء لما كانت عليه في تاريخها وماضيها الذي يعتبرونه تاريخًا غير مشرف ويجب أن يتخلّصوا وينسلخوا منه. إن هؤلاء قد أصبحوا أداة لجعل شعوبهم مختبرًا يجري عليه وفيه الأعداء نظرياتهم السياسية والأخلاقية الفاسدة.
✍️ تقول الأخت الفاضلة بنت الشام يمان السباعي في كتابها الرائع -الراقصون على جراحنا-: “إن الأمم تداوي جراحها بينما نحن نمسك المُدى -أي السكاكين- لنوسع الجرح ونجعله ينزف وينزف حتى يغرقنا بدماء العار. إن جراحنا تنوّعت وتعدّدت ومنها ما تعفّن، إنها جراح سياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية وأدبية، ورغم هذه الجراح، فما يزال من شبابنا من هم صور منسوخة عن أحد المائعين المنفلتين العابرين إلينا عبر الأثير، لا يعرفون إلا الرقص والغناء ولا يجيدون إلا لغة الحبّ والغرام، وكلهم يحملون سلاحًا واحدًا إنه المرآة والمشط”، ولعلّ في أمثال هؤلاء يصدق قول الشاعر:
بكى الخنفوس لما جنّدوه وساقوه إلى ساح الجهاد
وأضحى يلطم الخدّين حزنًا كأرملة أقامت في الحداد
أيذهب للوغى من كان خنثى وساحته المقاهي والنوادي
إذا دقّت طبول المجد يومًا ولبينا نداء للمنادي
فأعط الخنفس المخبول مشطًا ومرآة فذاك من العتاد
✍️مع الأسف لم يعد أمثال هؤلاء يصلون إلى مجتمعاتنا عبر الأثير على الشاشات فقط، وإنما يُستقبلون في دولنا العربية والإسلامية استقبال الأبطال والفاتحين. إن أمثال هؤلاء من المغنين والراقصين المخنّثين والمصارعين وعارضي الأزياء والممثلين، أصبحوا ترسل إليهم الطائرات الخاصة ويعطون بل تُغدق عليهم الأموال الطائلة ليقيموا الحفلات قريبًا من مكة المكرمة والمدينة المنورة حيث يراد لهم أن يكونوا هم القدوات والنماذج بدل أعظم القدوات والرجال محمد ﷺ ثم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وسعد والمثنى وطارق وصلاح الدين، بل بدل سيد السادات وقدوة القدوات محمد ﷺ.
????جرعات من بلسم الإسلام
✍️إن الواقع وإن العقل وإن المنطق وإن التاريخ، ليؤكد على أن أمتنا ومنذ عقود كثيرة فإنها تعاني من ظاهرة مرضية خطيرة، وإن ما هي عليه الآن من ذلّ وهوان وفرقة وتسلّط أعداء هو من آثار ومظاهر المرض، وأنها أحوج ما تكون لجرعات دوائية قد تداوي مرضها وتداوي جرحها. إنها أحوج ما تكون إلى جرعات كالتي أخذتها يومًا، إنها جرعات من بلسم الإسلام والقرآن ليهديها من ضلالة، ويعلّمها من جهالة، ويرفعها من سفالة، ويعزّها من نذالة، ويحرّرها من عمالة، ويخلّصها من حثالة، ولتعود تتقدم قافلة الإنسانية كما كانت وترعى الأمم والبشر وليس الشاة والبقر.
وما أصدق ما قاله الشاعر في بيان المرض الذي أصاب أمتنا والدواء الذي يُذهب عنها مرضها:
الله للدين كم ظلمًا أهين وكم ظنّوه نقصًا وفي التفكير نقصان
سل صفحة الأمس عمّن أيدوه أما كانت لهم في نواحي الأرض تيجان
دين الحضارة والأخلاق أسعدهم فمذ أهانوه قد ذلّوا وقد هانوا
عدل من الله تأييدًا لسنته حظّ المقصّر إقصاء وحرمان
يا قوم لوذوا بحبل الله واعتصموا إن الدواء لداء العُرب قرآن
✍️وحتى لا يستمر الهوان، وحتى لا يتفشى المرض، وحتى يتوقف النزيف، فلا بد من الاعتراف والإقرار بوجود المرض. وبعد الإقرار بوجود المرض، وبعد أن جُرّبت كل الأدوية والعلاجات وكلها فشلت، فلا بد من الإقرار أن العلاج والبلسم والدواء لما عليه أمتنا فإنه ليس إلا بالرجوع إلى الدين والتمسك بأهداب الشريعة، قال ﷺ: “تركت فيكم لن تضلوا ما إن تمسّكتم به، كتاب الله وسنتي”. وقال عمر رضي الله عنه: “كنا معشر العرب أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله”.
يقول الشاعر والصدق فيما يقول:
شريعة الله للإصلاح عنوان وكل شيء سوى الإسلام خسران
تاريخنا من رسول الله مبدؤه وما سواه فلا عزّ ولا شان
✍️نعم إنها الشريعة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هي الدواء وهي الشفاء والبلسم، فليس أن بتركها يكون الذلّ والهوان والضياع، بل إنه الأصعب من ذلك، إنه سؤال الله جل جلاله لنا عن ذلك وإنه عتاب رسول الله ﷺ يوم القيامة:
ماذا نقول لربي حين يسألنا عن الشريعة لم تحيِ معانيها
ومن يجيب إذا قال الحبيب لنا أذهبتموا سنتي والله محييها
???? حتى لا نظلّ أصفارًا
✍️قال المرحوم الشيخ محمد الغزالي: “والذين يرجعون هزيمة العرب أمام الإسرائيليين وأن ذلك يعود إلى عبقرية الإسرائيليين وشجاعتهم الفريدة، إن هؤلاء فإنما يريدون الاستمرار بقصة الإستغفال لشعبنا واستمرار عدم اعترافنا بمرضنا وحاجتنا للدواء. وإن ما حصل من نكبتنا عام 1948 ونكستنا عام 1967، فإن سببه ليس عبقريتهم ولا شجاعتهم، وإنما عبقريتنا نحن وجرأتنا في الحرب على الله تعالى وعلى دينه”. وإلا فماذا يعني أن يقول قائل من أبواق حزب البعث: “بحثنا عن الله وعن القيم فلم نجدها إلا في مزابل التاريخ”. وأن يقول القائل من جلاوزة سجون جمال عبد الناصر لما سمع أحد السجناء لما كان يُجلد ويُعذب فإنه كان يستنجد بالله قائلًا: “يا الله”، فما كان من سجّانه الظالم إلا أن يقول: “إن الله هذا الذي تستنجد به فإنني سأعتقله وأضعه في الزنزانة رقم 14” وقد قيل إنها كانت أقسى وأسوء وأقذر زنزانة في السجن.
✍️ ويقول كذلك الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “ولقد حصل في التاريخ أن الصليبيين وخلال حملتهم على المشرق الإسلامي، فإنهم لما وصلوا إلى بلاد المسلمين، فإنهم كانوا يجرّون أقدامهم جرًا من الجوع والمرض والتعب، ومع ذلك فإنهم انتصروا على المسلمين الموفورين بالصحة والشبع ودخلوا القدس وذبحوا في ساحات المسجد الأقصى سبعين ألفًا من المسلمين، والسبب أن العرب والمسلمين كانوا على حالة من الفرقة والفسق والبطر والغفلة حرمتهم من رعاية الله ونصره”. وكان رحمه الله قد قال بعد مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها الميليشيات المسيحية الكتائبية في لبنان بمساندة وحماية الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين اللاجئين في مخيمي صبرا وشاتيلا، وكان ذلك في أيام 16-18/9/1982 وقد قتلوا قريبًا من “5000” فلسطيني، فقال الشيخ الغزالي: “إذا لم يعتنق العرب الإسلام وينضموا إليه ظاهرًا وباطنًا فلينتظروا خسفًا ومسخًا ومذابح أخرى”. ولقد كان مع الأسف ما قاله الشيخ وكل ذلك بسبب بعدهم عن دين الله عز وجل.
ولله در الشاعر حين قال:
إن يُسلخ العُرب من إسلامهم رجعوا على شمال المعالي بعض أصفار
✍️وحتى لا نظلّ أصفارًا، وحتى نشفى من مرضنا، وحتى لا يستمر الهوان ولا يطول، فإنها المسؤولية الفردية والجماعية علينا جميعًا بالعمل على نصرة الإسلام والتمكين له حتى يكون التغيير المنشود وفق سنن الله تعالى ونواميسه {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..} آية 53 سورة الأنفال. فلا يزهدنّ أحدنا بأي جهد يبذله يمكن أن يصبّ في مشروع التغيير ليتحول من نقطة ماء هنا أو هناك إلى تيار جارف ونهر هادر، قال رسول الله ﷺ: “ما فيكم من أحد إلا وسيكلّمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقّ تمرة”. وإن أعظم ما يمكن أن يقدّمه المسلم من عمل به يتق الله، فإنه العمل للإسلام ونصرة الدين والسعي للشفاء من مرض الهوان الذي نحن فيه، ولسان حال كل واحد منا يقول:
أبدًا أظل مع التقاة مع الدعاة العاملين
الرافعين لواء أحمد عاليًا في العالمين
✍️نعم، لا بد أن يغمر قلوبنا حب وعاطفة جيّاشة لنصرة الإسلام ليكون هو الطريق الأقصر للتغيير، وليتوقف ولا يستمر نزيف التيه والهوان كما قال المرحوم الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله: “إن الواجب أن تكون فينا عاطفة مثل عاطفة النار متّقدة في قلب كل أب يرجع إلى بيته فيجد ابنه مريضًا يتلوّى من الألم فلا يسعه عندها إلا سرعة حمله إلى الطبيب متحاملًا على جوعه وتعبه”.
✍️وكذلك قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “قد يستطيع العرب لمحاولة رفع الهوان عن أنفسهم وإيقاف نزف جرحهم أن يستوردوا السلاح من كل جهة، ولكنهم لو أداروا ظهورهم لله تعالى ثم جمعوا السلاح من المشرق والمغرب فلن يدركوا به إلا ذلّ الدهر وخذلان الأبد، ولن يغني عنهم أن يعطف عليهم هذا الفريق أو ذاك، هذا المعسكر أو ذاك، قال الله سبحانه: {أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} آية 20 سورة تبارك. وما أصدق ما قاله الشاعر في هذا المقام:
وغاية السيف أن يزهو بحامله ولا ينفع السيف إلا في يد البطل
????شباب الجيل وبكل فخر
✍️إن من فضل الله علينا أن نكون ممن يعيشون هذه المرحلة وأن نكون من جيل الصحوة الإسلامية المباركة، وجيل الشباب المسلم والمؤمن الذي أخذ على عاتقه أن لا يستمر الهوان. إنها الصحوة المباركة التي يتكالب على حربها الأعداء وأبناء الجلدة على أنها هي التي ستنهي مشوار استعبادهم للأمة الإسلامية وتسلّطهم على مقدّراتها، هذه الصحوة التي حتى لو تعثّرت فإنها ستعود إلى مسارها، حتى وإن كبت فإنها ستنهض، حتى وإن حاولوا إجهاض أحلامها فإنها لن تيأس وستظلّ تسعى لتحقيق أحلامها وآمالها بل ووعد ربها سبحانه.
✍️هذا الجيل المبارك الذي إذا التفت إلى الماضي فإنه ليس للبكاء على الأطلال، وإنما ليستمد من الماضي معاني العزة والشموخ حتى لا يستمر الهوان.
✍️ هذا الجيل الذي عرف أن للمجد طريقًا واحدًا لا ثاني له، فاختاره ومضى فيه دون أن يلتفت إلى أصوات الناعقين والمثبطين والمحبطين والزاحفين على بطونهم من أصحاب الشعارات البرّاقة والعبارات الرنّانة، سواء كانت الوطنية المزعومة أو القومية الموهومة أو أدعياء الواقعية والبراغماتية والاستسلام للأمر الواقع، وهم في حقيقتهم يسعون لاستمرار الهوان والضياع لأمتنا.
شباب الجيل للإسلام عودوا فأنتم روحه وبكم يسود
وأنتم سرّ نهضته قديمًا وأنتم فجره الزاهي الجديد
نعم يا شباب الجيل وحملة رايته ومن على أيديكم سيحقق الله للأمة آمالها وينهي مشوار تيهها وضياعها.
شباب الجيل قولوها تدوي فلن يجدي يمين أو يسار
كفرنا بالدعاوي زائفات فبالإسلام قد وضح المسار
أنتم وليس غيركم شباب الجيل الذي سينهي مشوار الهوان وإلى الأبد، وسيطوي صفحة الذلّ فلن تعود. الجيل الذي يصرخ في الدنيا يفاخر بهويته التي لن يرضى عنها بديلا.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
مقالات ذات صلة
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: الشيخ كمال الخطيب شباب الجیل رحمه الله وحتى لا ما کانت الذی ی حتى لا
إقرأ أيضاً:
كمال الدين: مصر لم تهزم في العدوان الثلاثي وانسحاب الجيش من سيناء خطة عسكرية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشف اللواء مصطفى كمال الدين حسين، عضو مجلس النواب الأسبق ونجل اللواء الراحل كمال الدين حسين، عضو تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، تفاصيل جديدة عن حياة والده ودوره في ثورة 23 يوليو، مؤكداً أن والده كان من المشاركين في حرب فلسطين عام 1948، وأنه انضم مبكراً إلى تنظيم الضباط الأحرار.
وأوضح مصطفى كمال الدين حسين أن والده تقدم إلى الكلية الحربية ثلاث مرات، بعد أن رُفض في المرتين الأولى والثانية لصغر سنه، قبل أن يلتحق بها في المحاولة الثالثة، مشيراً إلى أن والده كان مصمماً على دخول الحياة العسكرية والإسهام في الدفاع عن الوطن.
وأضاف، أن والده شارك قبل الثورة في حرب فلسطين عام 1948 ضمن مجموعات الفدائيين بقيادة البطل أحمد عبد العزيز، موضحاً أن القوات وصلت إلى مشارف القدس وحاصرتها، قبل أن تؤدي الهدنة والظروف السياسية إلى تغيير مسار العمليات.
وأشار إلى أن والده كان من الضباط الذين شاركوا في وضع خطة التحرك ليلة ثورة 23 يوليو، إلى جانب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، موضحاً أن الخطة تضمنت تحديد مهام القوات وتحركاتها والسيطرة على المواقع الحيوية، بالإضافة إلى تأمين مداخل السويس لمنع أي تدخل بريطاني في تحركات الثورة.
وأكد أن الخطة تضمنت أيضاً السيطرة على مبنى الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مشيراً إلى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ووالده كانوا يتحركون في البداية بالملابس المدنية لتجنب إثارة الشبهات.
وكشف أن الضابط يوسف صديق تحرك قبل الموعد المحدد، بعدما وصلت معلومات إلى جمال عبد الناصر تفيد بأن السلطات بدأت تعرف أسماء بعض الضباط المشاركين في التحرك، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار ببدء التنفيذ، قائلاً إن «العجلة دارت» ولم يعد هناك مجال للتراجع.
وتابع، أن والده ارتدى ملابسه العسكرية عقب بدء التحرك، وأخذ سلاحه، موضحاً أن هذه الصورة ظلت عالقة في ذاكرته منذ طفولته، مؤكداً أن أسرته عاشت تفاصيل تلك المرحلة عن قرب.
ولفت إلى أن والده كان من الضباط المشاركين في التخطيط للتحرك العسكري ليلة الثورة، موضحاً أن القوات تحركت للسيطرة على المواقع المهمة وتأمين مداخل السويس، بينما جرى لاحقاً اتخاذ خطوات للسيطرة على قصر عابدين ومبنى الإذاعة.
وأوضح، أن الضباط الأحرار اختاروا اللواء محمد نجيب ليتولى قيادة الثورة باعتباره ضابطاً كبيراً يتمتع بتاريخ عسكري ومكانة داخل الجيش، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يعرفونه من خلال نادي الضباط.
وأضاف، أن الرئيس الراحل أنور السادات أذاع بيان الثورة عبر الإذاعة، بعدما عاد من السينما، بينما تحرك الضباط للسيطرة على الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مؤكداً أن النقاشات داخل قيادة الثورة انتهت إلى عدم قتل الملك فاروق والسماح له بمغادرة البلاد.
وأشار إلى أن الملك فاروق تنازل عن العرش وغادر مصر في 26 يوليو 1952، موضحاً أن الضباط اختاروا تجنب إراقة الدماء، وأن الملك غادر البلاد متجهاً إلى إيطاليا.
وقال، إن وصف ما حدث في 23 يوليو بأنه «انقلاب» أو «ثورة» يختلف بحسب تعريف المصطلح، موضحاً أن الثورة أدت إلى إنهاء الاحتلال البريطاني، وإلغاء النظام الملكي، واستعادة حقوق الشعب، وتأميم قناة السويس، معتبراً أن هذه النتائج كانت من أهم التحولات التي شهدتها مصر.
وأكد أن الشعب المصري خرج في اليوم التالي للثورة، معتبراً أن هذا الخروج عكس تأييد قطاعات واسعة من المصريين لما حدث، مشيراً إلى أن الشعب لم يكن ليخرج بهذا الشكل لو كان متمسكاً بالنظام الملكي.
وتحدث عن تأثير والده في تكوينه منذ طفولته، موضحاً أنه كان يصطحبه معه خلال عمله في رفح، وأنه شهد في سن الخامسة مناورة ليلية للمدفعية، وهو ما جعله ينشأ على حب الجيش والوطن.
وأضاف، أنه عاش مع والده وأخيه حسام أجواء العدوان الثلاثي عام 1956، موضحاً أن والده كان مسؤولاً عن قطاع من جيش التحرير على خط القناة، وأنهما ذهبا معه إلى السويس خلال إجازة نصف العام، وشاهدا أجواء الحرب والاستعداد للمواجهة.
وأوضح، أن والده لم يُصب خلال العدوان الثلاثي عام 1956 كما يعتقد البعض، وإنما أصيب خلال حرب فلسطين عام 1948، مشيراً إلى أن البطل أحمد عبد العزيز وصل به إلى المستشفى بعد إصابته، وأن والده ظل في غيبوبة لفترة قبل أن يتعافى.
وأكد أن مصر لم تُهزم في حرب 1956، مشيراً إلى أن القوات المصرية واجهت عدواناً ثلاثياً شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأن انسحاب الجيش المصري من سيناء كان جزءاً من خطة عسكرية لتجنب تعرضه للإبادة بعد بدء العدوان على بورسعيد.
وأشار إلى أن حرب 1956 شهدت العديد من الملاحم والبطولات، خاصة من جانب المقاومة الشعبية والفدائيين وأفراد الدفاع، موضحاً أن المواطنين المصريين شاركوا في الدفاع عن مدنهم خلال العدوان.
وروى أن الرئيس جمال عبد الناصر زار والده برفقة عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي في مركز القيادة بالإسماعيلية خلال الحرب، وكان يرغب في التوجه إلى بورسعيد لتفقد القوات، إلا أن والده نصحه بالانتظار حتى الصباح بسبب توقع حدوث إنزال عسكري.
وأضاف، أن عبد الناصر عاد إلى الإسماعيلية بعد وقوع الإنزال، وشاهد المواطنين في الشوارع يحملون الأسلحة استعداداً للدفاع عن البلاد، مشيراً إلى أن الأسلحة والذخائر كانت تُوزع على المواطنين باستخدام بطاقات الهوية.
وأكد أن والده كان يرى أن التعليم يمثل الأساس الحقيقي لبناء الدولة، مشيراً إلى أنه عندما تولى وزارة التربية والتعليم عمل على الاستعانة بمجموعة من المتخصصين والاستشاريين لدراسة الملفات التعليمية قبل اتخاذ القرارات.
وأوضح، أن والده اهتم بالتوسع في إنشاء المدارس داخل القرى والنجوع، بعدما كانت مناطق كثيرة تفتقر إلى المدارس، مؤكداً أن انتشار المدارس الحكومية ساهم في إتاحة التعليم لأعداد أكبر من أبناء المصريين.
وأشار إلى أن التعليم الحكومي في تلك الفترة كان يتمتع بمستوى مرتفع، موضحاً أن المعاهد العليا الصناعية كانت تمنح الطلاب تدريباً عملياً، وأن بعض الطلاب كانوا يسافرون إلى ألمانيا للتدريب داخل المصانع، ليجمع الخريج بين الدراسة النظرية والخبرة العملية.
وأضاف، أن منظومة التعليم في تلك الفترة اهتمت بالبعثات العلمية لإعداد كوادر مؤهلة للجامعات والمدارس العليا، مؤكداً أن أي دولة لا يمكن أن تنهض إلا من خلال التعليم.
وأوضح، أن والده اهتم أيضاً بتعزيز الهوية الوطنية داخل المؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن المدارس كانت تقدم للطلاب مواد تتعلق بالتربية القومية والانتماء للوطن.
وأكد أن المدارس في تلك الفترة كانت تقدم تدريبات ذات طابع عسكري للطلاب، تضمنت ارتداء الزي العسكري والتدريب على بعض المهارات، مشيراً إلى أن الهدف كان إعداد جيل يمتلك روحاً وطنية وقادراً على الدفاع عن بلاده عند الحاجة.
واختتم مصطفى كمال الدين حسين حديثه بالتأكيد على أن مرحلة ثورة 23 يوليو شهدت العديد من التحولات المهمة في تاريخ مصر، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو التعليمي، مشيراً إلى أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.