العالم العربي بين نموذج ديب سيك وشات جي بي تي
تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT
شكل ظهور تطبيق الذكاء الاصطناعي (ديب سيك) نهاية يناير 2025 هزة حقيقية في العالم، وتعددت المقالات المكتوبة بنوع من الانبهار، وإن كانت الأغلبية منها تردد الرواية الغربية حول «الغول الصيني المقبل» وهل ديب سيك قرص نماذج أمريكية، ولم يتم طرح التساؤل من وجهة نظر جيوبوليتيك من الجنوب، بما فيهم العالم العربي، ماذا يشكل لنا ديب سيك والتطبيقات المقبلة للذكاء الاصطناعي على منواله.
ومن أجل فهم أعمق لديب سيك هو ما قاله الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل إريك شميدت، إن صعود شركة ديب سيك «نقطة تحول» في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، لأن الشركة الصينية وظفت موارد محدودة للغاية مع تحقيق نتائج تضاهي أو تتفوق على برامج شات جبيتي وجيريمي، التي وظفت مئات المليارات من الدولارات. ونقلت جريدة «ديلي الصين» في نسختها الإنكليزية منذ أيام أن تكلفة ديب سيك بلغت فقط 3% من تكلفة شات جي بي تي، في زمن صعب العثور فيه على مقارنة في الاستثمار بالنتائج نفسها في تاريخ الصناعات.
وذهبت معظم التحاليل الإعلامية إلى إبراز الصراع الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة، الأخيرة تريد الحفاظ على الريادة في الذكاء الاصطناعي، بينما الأولى تريد تهديد عرشها، ضمن صراع يشمل مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وما زالت المنافسة في طورها الأول، كما أن مجال الذكاء الاصطناعي ما زال في مرحلته الأولى الجنينية، على الرغم من الانبهار الذي يخلفه بسبب تقدمه السريع، ما يجعل الكثير من الناس لا يدركون أهمية هذه السرعة. غير أن المنطق يرجح كفة تفوق الصين على المستوى المتوسط مستقبلا لعاملين وهما، أولا، تحقيق الصين تقدما مذهلا في المجال الرقمي، إذ كانت سباقة إلى تعزيز شبكة الجيل الخامس من الإنترنت، والآن تعمل على الجيل السادس، وشركاتها تتطور بشكل سريع، إذ أن ديب سيك ظهرت سنة 2023.
وفي ظرف سنة ونصف السنة تجاوزت نظيراتها الأمريكية أو هي تنافسها الند للند. ويتمثل العامل الثاني في تخرج عشرات الآلاف من المهندسين والباحثين سنويا من الجامعات الصينية بشكل يتجاوز عددهم تقريبا ليس الولايات المتحدة بل الغرب برمته، وهذا يغذي البحث العلمي والشركات الصينية بأطر بشرية كثيرة، بمعنى توجد وفرة في الصين ونقص كبير في المهندسين في الغرب الذي يعمل على استقطاب أطر من دول الجنوب لسد العجز..
وكان الفيلسوف الفرنسي إيمانويل تود قد ركز في كتابه الأخير «هزيمة الغرب» على هذا العامل ضمن عوامل أخرى لشرح تفوق الصين. وارتباطا بانعكاسات الذكاء الاصطناعي، تحذر مختلف الدراسات من الفوارق بين الدول، التي ستترتب عن الذكاء الاصطناعي، فنحن أمام دول قادرة على تطوير نماذج خاصة بها، وبالتالي ستضمن التقدم والرقي، وأخرى لا تستطيع وستعاني كثيرا، وستبقى تابعة للدول الغنية ومرتبطة بها في مظهر جديد للاستعمار الاقتصادي، إذ أن الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي هو توظيفه في مختلف أنواع البحث العلمي والصناعة، وهذا ليس في متناول الجميع. ويبقى تساؤل الجنوب من زاوية جيوسياسية هو: ماذا يشكل ديب سبك للجنوب، بما فيه العالم العربي؟
وممن سيستفيد هذا الجنوب، هل من الصين أم من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة؟ سيكون الجواب أن الجنوب سيربح مع النموذج الصيني، ذلك أن الغرب، خاصة الولايات المتحدة تتحفظ على تفويت هذه التكنولوجيا الى باقي العالم للحفاظ على التفوق. وهذه صفة سلبية من صفات الغرب دائما في تعامله مع باقي الثقافات والشعوب غير الغربية، وأحيانا التي ليست أنكلوسكسونية. وعلاقة بهذه النقطة، تعمد واشنطن، لكي تكون الاستفادة من التقدم العلمي والتطبيقات، مقتصرا على ما يعرف بـ»الأعين الخمس» وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
ويبقى الجوهري في نظام أو نموذج ديب سيك هو، أنه اعتمد على استثمار محدود للغاية لا يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، وحقق نتائج تتفوق على الشركات الأمريكية التي استثمرت مئات المليارات من الدولارات. وعليه، محدودية الاستثمار وتحقيق نتائج مبهرة سيكون حافزا للجنوب لتقليد النموذج الصيني. في الوقت نفسه، جعلت الصين ديب سيك مفتوحا للجميع وليس مغلقا، أي مفتوح المصدر بالكامل، ما يسمح للمطورين والمحترفين والجميع بالوصول السهل إلى الرموز التي استخدمها في تطوير النموذج.
بمعنى أن كل الدول، خاصة من الجنوب ستكون قادرة على إنتاج برنامج شبيه، وإن كان بدرجة أقل من الجودة. وعليه، كما وضعت الصين رهن العالم، خاصة الجنوب أدوات التنمية، خاصة الرقمية من هواتف وحواسيب بأسعار مناسبة للغاية، عكس الأسعار التي كان الغرب يفرضها، وما زال يفرضها في أدوات تنفرد بإنتاجها دون باقي العالم، تضع الآن نموذج ديب سيك.
وعالجنا في مقال سابق بعنوان «الصين ودمقرطة التنمية في العالم» في جريدة «القدس العربي» يوم 18 نوفمبر الماضي هذا الموضوع بين رؤية الصين وتصرفات الغرب، بشأن مصادر وأدوات التنمية في التعامل مع باقي الشعوب. ومن ضمن الأسباب التي تدفع الى التخوف من حرمان دول الجنوب من الذكاء الاصطناعي مستقبلا هو، هيمنة الولايات المتحدة على الرقائق الدقيقة التي تستعمل في معالجة المعلومات، مثل التي تنتجها شركة نفيديا، إذ أن حرمان الصين من النماذج المتقدمة لهذه الرقائق هو الذي دفع الصين إلى البحث أكثر والإبداع أكثر لتحقيق نتائج برقائق أقل تطورا.
والأخطر هو تلويح الغرب بإغلاق مصادر المعلومات والبيانات أمام باقي العالم، بمعنى أنه سيصبح الاطلاع على مصادر المعلومات لتوظيفها في تطوير الذكاء الاصطناعي شبه مستحيل، ذلك أن الحواسيب المخصصة للذكاء الاصطناعي مرتبطة بقاعدة بيانات عالمية مفتوحة وتغذيها باستمرار.
ونعيش حاليا حالة معبرة ودالة، كيف أن المعلومات بالعربية محدودة جدا، ولهذا تكون أجوبة الذكاء الاصطناعي ضعيفة مقارنة إذا ما تم طرح السؤال بالإنكليزية. ونلمس هذا في ويكيبيديا كيف أن النسخة الإنكليزية غنية بينما العربية فقيرة جدا. وقد بدأت معاهد عملية غربية تحجب الكثير من المعلومات والبيانات مخافة من استفادة الصين وروسيا منها، وسيكون المتضرر هو الجنوب ومن ضمنه العالم العربي.
وفي مقال بتاريخ 25 نوفمبر الماضي في «القدس العربي» أيضا بعنوان «حتى لا يكون الذكاء العربي غبيا»، عالجنا إشكالية ضعف المصادر والبيانات باللغة العربية. العالم سيعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، غير أن بعض الدول الغربية ستحاول أن تتعامل معه مثلما تصرفت مع الطاقة النووية، حيث سعت وتسعى وستسعى إلى حرمان معظم دول العالم من الاستفادة من الطاقة النووية السلمية، وبالتالي ستجعل الذكاء الاصطناعي ليس في متناول الجميع.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الذكاء الاصطناعي ديب سيك التكنولوجيا تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ديب سيك أفكار سياسة سياسة مقالات اقتصاد سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الذکاء الاصطناعی الولایات المتحدة العالم العربی دیب سیک
إقرأ أيضاً:
وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول
كشفت وزارة المالية، أمس، عن نتائج أداء مركز الاتصال خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت نجاح دمج حلول الذكاء الاصطناعي في تخطي كافة المستهدفات التشغيلية المعتمدة وتطوير كفاءة الخدمات، حيث تمثلت أبرز الإنجازات في حل 97.11% من المكالمات من المرة الأولى، واختصار سرعة الرد إلى 8 ثوان فقط مع ارتفاع سعادة المتعاملين إلى 95.43%، بفضل التوظيف الأمثل للتقنيات الذكية التي أسهمت مباشرة في تسريع الاستجابة والارتقاء بجودة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية.
وأكد سعادة يونس حاجي الخوري وكيل وزارة المالية، أن هذه النتائج المسجلة تعكس الرؤية الاستباقية للوزارة في ترسيخ ريادتها الرقمية وصياغة مستقبل مبتكر للخدمات المالية الحكومية يتواكب مع التوجهات الإستراتيجية للدولة في تبني الحلول الذكية، حيث تبرز هذه الإنجازات القيمة الحقيقية للاستثمار المدروس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على إحداث تحول جذري في جودة الكفاءة التشغيلية، والارتقاء برضا المتعاملين عبر تقديم خدمات سريعة وموثوقة تفوق توقعاتهم وتختصر الجهد والوقت بشكل ملموس.
وأضاف أن الوزارة ملتزمة بمواصلة تطوير بيئتها التقنية وتحديث خدماتها باستمرار لضمان البناء على هذا التميز المؤسسي المبتكر وتوفير تجربة تفاعلية متكاملة تركز على تمكين العنصر البشري، وتزويده بأحدث الأدوات المساندة لضمان استدامة الأداء العالي، ومواكبة تطلعات المتعاملين بما يدعم تنافسية دولة الإمارات ويسهم في تعزيز مرونة وكفاءة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال.
وأظهرت البيانات التفصيلية أداء استثنائياً في كافة المؤشرات التشغيلية، حيث حقق المركز نسبة 97.11%، في مؤشر حل المكالمات من المرة الأولى متجاوزاً المستهدف البالغ 90%.
وسجل مؤشر مستوى جودة الخدمة نسبة 92.41%، متخطياً المستهدف المحدد بـ 80 %، كما ارتفعت نسبة سعادة المتعاملين لتصل إلى 95.43%، مقارنة بمستهدف 90%، في حين بلغت نسبة المكالمات التي تم الرد عليها خلال 30 ثانية 93.40%، متفوقة على المستهدف البالغ 90%.
وترافق ذلك مع تقليص متوسط سرعة الرد على المكالمات ليكون 8 ثوان فقط وهو أداء أفضل بكثير من المستهدف البالغ 20 ثانية، كما انخفض متوسط زمن المكالمة إلى 4 دقائق و35 ثانية، وهو أقل من المستهدف البالغ 5 دقائق.
وتكللت هذه النتائج بتسجيل نسبة مكالمات مهجورة بلغت 1.88% فقط وهي أقل بكثير من المستهدف البالغ 5%.
ويرجع هذا النجاح وفق الوزارة إلى حزمة متكاملة من البرامج والتطبيقات الذكية المطبقة في المركز، وفي مقدمتها نظام تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يرصد مشاعر المتعاملين من خلال تحليل نبرة الصوت والكلمات المستخدمة في المكالمات.
كما يعتمد النظام على تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل المكالمات إلى نصوص مكتوبة وتقديم ملاحظات وتوجيهات استرشادية للموظفين، بما يسهم في تعزيز جودة الردود ودقتها، هذا إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي للرد على استفسارات المتعاملين بشكل لحظي وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
ويتيح المركز نظام المحادثة مع الملفات، الذي يمكن المتعاملين من استخراج المعلومات والإجابات من المستندات والأدلة الإرشادية بصيغة “بي دي إف” عبر المحادثة المباشرة مع الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع المساعد الافتراضي لتقديم دعم مستمر وفوري للمتعاملين مع الاعتماد على شاشات العرض الذكية “تابلو” التي توفر لوحات قياس تفاعلية تتيح المتابعة اللحظية لحالة الطلبات ومراقبة الأداء واتخاذ القرارات الفورية جنباً إلى جنب مع نظام “تلبية” المخصص لاستقبال وتلبية طلبات المتعاملين بكفاءة متناهية. وام