من طوفان الأقصى إلى طوفان العودة
تاريخ النشر: 10th, February 2025 GMT
لقد كانت لطوفان الأقصى أصداء واسعة في مجريات الأحداث العربية والدولية، وكانت له ارتدادات مختلفة على مختلف الأصعدة، كما كشفت هذه العملية النوعية سوءة دول العالم المتحضر التي تدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان بل وتكيل بمكيالين وفق مصالحها دون أي مراعاة للقيم الأخلاقية والإنسانية.
ونحن نتابع على شاشات الفضائيات منذ اليوم الأول من عملية طوفان الأقصى، ونستمع إلى التحليلات من كافة الآراء المختلفة، سمعنا الكثير ممن يحملون فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” تداعيات هذه العملية التي لم تأت من فراغ ولم تكن لتحدث دون وجود وحدوث تهجير واحتلال واستيطان للأراضي الفلسطينية، وعلاوة على ذلك فقد كانت دولة الكيان الصهيوني تقوم بالكثير من الإجراءات الاستفزازية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، وضد السكان المقدسيين بالذات داخل المدينة القديمة في القدس الشريف من إقامة الحواجز المعيقة لدخولهم وخروجهم منها، وكذا توسيع عمليات الاستيطان عبر مصادرة الأراضي الفلسطينية في مدن الضفة الغربية، والقيام باعتقال أي معارض أو مقاوم لهذه الإجراءات، وكذا الاستمرار في حصار أكثر من 2.
طالعتنا معظم الشاشات العربية قبل الأجنبية بتحميل حركة المقاومة الإسلامية وفصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة كل التداعيات التي حصلت بعد طوفان الأقصى دون النظر إلى الأسباب والمسببات، ودون النظر إلى المعاناة التي لقيها الشعب الفلسطيني على مدى أكثر من 80 عاماً من التهجير ومصادرة الأراضي والتشرد والإبعاد والنفي، وغيرها من أشكال المعاناة على مدى أجيال.
لقد قضت آلات “العدوان الإسرائيلي على غزة” بعد طوفان الأقصى على جميع مظاهر الحياة في هذا القطاع الذي يضم أكثر من 2.5 مليون فلسطيني، وظل هذا العدد الكبير ينزح من منطقة إلى أخرى في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية وجوية صعبة، الأمر الذي زاد من معاناتهم أثناء النزوح من منطقة إلى أخرى في ظل هذه الظروف وفي ظل العمليات العسكرية المتكررة التي كان ينفذها جيش الكيان الصهيوني.
لقد أثمرت ملاحم الصمود تلك التي سطرها الشعب الفلسطيني مع المقاومة الباسلة عبر أكثر من 15 شهراً انتصارات مشهودة في رضوخ حكومة الكيان الغاصب إلى صفقة تبادل الأسرى، وتم تحرير المئات من الأسرى الفلسطينيين ممن يحملون الأحكام المؤبدة، وما كان سيتم الإفراج عنهم، لولا طوفان الأقصى الذي أفضى إلى هذه الصفقة، وكذا ممن يحملون أحكاماً عالية.
مع كل تلك المشاهد المؤلمة والتي ظهرت فيها منطقة شمال غزة وهي مدمرة تدميراً كلياً ولم تعد صالحة للعيش، مربعات سكنية تم تدميرها كلياً، الطرقات، المستشفيات، المدارس، جميع تلك المشاهد لم تقف حاجزاً أمام سكان غزة الذين قرروا العودة إلى منازلهم المحطمة ومدنهم المدمرة التي لم تعد تحوي أي مظاهر للحياة..
لقد أثمر طوفان الأقصى، طوفاناً آخر هو طوفان العودة والذي يعتبر أول رحلة لعودة الفلسطينيين إلى منازلهم ومدنهم، إن حشود أهل غزة الذين عادوا إلى أطلال بيوتهم ومدارس أبنائهم ومساجدهم هي مظاهرة سيسجلها التاريخ لتكون جزءاً من رحلة العودة إلى أرض الوطن لكل المهاجرين في بلاد الله، وإنها صورة حاضر سوف تصبح يوما حقيقة أمام التاريخ.
إن حشود غزة التي انطلقت في ساعات وقطعت أكثر من 25 كيلومتراً قد تجاوزت أعداد الجيش الإسرائيلي، من يصدق أن 300 ألف فلسطيني قد عبروا أطفالا ونساء ورجالاً لكي يعودوا إلى مدن مدمرة وبيوت من الأنقاض، إنها إرادة شعب يحب الحياة ومات في سبيلها، لأن هذا الوطن يستحق الحياة..
لقد أصابت هذه الحشود العالم بالدهشة، وأصابت أيضاً الكيان الصهيوني بالذهول والرعب ليس من طوفان الأقصى فقط ولكن من بركان الثأر والغضب الذي انطلق في هذه المواكب التي احتشدت تعانق أرضها.
ان حشود البشر التي شهدتها غزة وعودة الشعب الفلسطيني إلى بيوته ينبغي أن تكون درساً للعالم أجمع وللكيان الإسرائيلي الغاصب أن الأوطان ليست باتساع أرضها ولكن الأوطان بقوة إرادتها وصمود شعبها وقدرتها على تحقيق الأمن والرخاء.
لقد أعطتنا هذه الحشود وأعطت العالم رسالة مفادها أن للصمود والإرادة قوة تتجاوز قوة الرصاص والقتل والإبادة، فلو غيرت هذه الحشود مسارها واتجهت إلى المستوطنات التي أقامها الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين لأسقطتها في ساعات دون أن تطلق رصاصة واحدة.
لقد تجسد النصر الحقيقي في حرب غزة في هذا المشهد التاريخي للعائدين إلى شمال غزة، لقد غطت صورهم الشاشات في كل بلاد الدنيا وهم يحملون على أكتافهم ما بقي لديهم من الماء والطعام، ورغم هذا ساروا لساعات مشياً على أقدامهم وكأنهم يؤدون صلاة الفجر على أطلال غزة وهم يعانقون شواطئها في لحظة شوق وإيمان.
وإذا كان العالم قد شاهد على مدار أكثر من 15 شهراً ما اقترفته آلة الحرب الإسرائيلية بدعم ومساندة من الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وألمانيا، فهو الآن يشاهد نفس الشعب في لحظة انتصاره، لأن النصر ليس فقط بالرصاص ولكنه بالصمود والإرادة.
إن حشود أهل غزة وهم يحتفلون بالنصر والعودة تبعث رسالة للعالم كله، بأنه أمام شعب دافع عن أرضه وقدم آلاف الشهداء ولن يفرط في حبة رمل، ولن يغادر أطلال غزة وسوف يموت على ما بقي منها.
وإذا كانت الإدارة الأمريكية الجديدة التي تقترح أن يتم تهجير سكان غزة إلى خارجها بحجة إعادة بنائها، فإن حشود البركان البشرى الهادر الذي انطلق في أرجاء غزة يعلن رفض البيع والصفقات والتهجير، والمؤكد الآن أن الشعوب العربية من حقها بل من واجبها أن تفخر بأن فيها شعباً صان كرامتها ودافع عن شرفها وحمى إرادتها ورفض أن يكون لعبة في أيدي المغامرين، ومن حق شعب غزة وكل فلسطينى أن يفخر ويعتز بهذه اللحظة التاريخية لأنها جزء عزيز من قضيته ومصدر فخر لكل أجياله.
لقد شاهد العالم تلك الحشود التي باتت أكثر من ليلة في العراء منتظرة لساعة الصفر، منتظرة لساعة الانطلاق والاعلان عن السماح لهم بالعودة، فانطلقت تلك الحشود دون هوادة من شارع الرشيد الذي يمتد على شاطئ غزة من الجنوب الى الشمال غير أبهة بأي شيء تردد فقط عبارة “الله أكبر ولله الحمد” انطلقت كأنها تحيي إحدى شعائر الحج وهي بالفعل قد اعلنت النفير من محور نتساريم إلى شمال غزة محرمة بالإرادة والقوة والعزيمة.. مرددة التهليل والتكبير.. تحمل امتعتها البسيطة وتجر عرباتها البدائية مصطحبة النساء والاطفال وعنوانها الرئيس “إننا شعب لا نقهر وشعب حي لا يموت وشعب مقاوم حتى أخر نفس في حياتنا”.
لقد تجاوزت هذه الحشود أكثر من 450 ألف فلسطيني اتجهوا إلى مدنهم المدمرة ومنازلهم المحطمة متحدين العالم بأكمله، وكما واجهوا العالم لأكثر من 15 شهرا.. فهم يواجهون الظروف القاسية وعادوا إلى اطلال منازلهم والعالم ينظر إليهم بكل دهشة وإكبار.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.