في ديسمبر الماضي، نجحت المعارضة السورية المسلّحة في الإطاحة بنظام الأسد بعد صراع دام لأكثر من 13 سنة. ويجمع كثير من الخبراء والمراقبين على أنّ هذه اللحظة التاريخية تعدّ علامة فارقة في تاريخ المنطقة، وقد تفتح الباب واسعاً أمام تحوّلات جيو ـ سياسية وتغيير في موازن القوى الإقليمية، وتدشّن مرحلة جديدة من التفاعلات الإقليمية.



المفارقة أنّ التحوّل الذي حصل في سوريا يعطي الغرب فرصة تاريخية لتغيير صورته السيئة ودوره المشؤوم ليعيد ترتيب حساباته وعلاقاته مع العالم العربي والإسلامي على أرضية مناسبة تحقق مصالح الطرفين. لكن ما نسمعه الآن من تصريحات من بعض المسؤولين الأمريكيين والأوربيين وما يتم تداوله من شروط وضغوط لا يتناسب مع مثل هذا التصوّر المتفائل.

النقاشات الحقيقية في الأوساط الغربية لا يدور حول أهمّية إعادة بناء سوريا أو رفع العقوبات لتمكينها من تحقيق الاستقرار وإطلاق عملية إعادة اعمار البلاد، وإنما حول أشياء أخرى أقل أهمّية بالنسبة للشعب السوري والمنطقة، وتتعلّق بصراع الهويات والأيديولوجيات والأقليات وإسرائيل. أولى المقابلات الإعلامية الغربية على سبيل المثال مع الرئيس أحمد الشرع ركّزت على موضوع ما إذا كان سيتم السماح ببيع المشروبات الكحولية في سوريا، أخرى ركّزت على موضوع الحجاب..

التحوّل الذي حصل في سوريا يعطي الغرب فرصة تاريخية لتغيير صورته السيئة ودوره المشؤوم ليعيد ترتيب حساباته وعلاقاته مع العالم العربي والإسلامي على أرضية مناسبة تحقق مصالح الطرفين. لكن ما نسمعه الآن من تصريحات من بعض المسؤولين الأمريكيين والأوربيين وما يتم تداوله من شروط وضغوط لا يتناسب مع مثل هذا التصوّر المتفائل.وبالمثل، فإنّ أولى الزوبعات الإعلامية المصاحبة للزيارات الرسمية الغربية إلى الإدارة السورية الجديدة كانت ترتبط بزيارة وزيرة خارجية ألمانيا إلى دمشق. كان التركيز حينها داخل ألمانيا وخارجها على طريقة مصافحة أو عدم مصافحة الرئيس الشرع لها. وبالمثل، فإنّ انشغال المسؤولين الغربيين هو عمّا إذا كان الشرع قد تحوّل بالفعل، وكيف بإمكانهم أن يدفعوا التغيير باتجاه يتناسب معهم بدلا من أن يتناسب مع السوريين!

الأوروبيون على سبيل المثال يسوّقون لضرورة أن يقوم النظام الجديد بتنفيذ لائحة من الشروط قبل أن يحاولوا اقناع دوائر صنع القرار في أوروبا بضرورة رفع العقوبات عن سوريا. أهم ما تضمّه هذه اللائحة من الشروط هو تشكيل حكومة جامعة قد تنتهي إلى ما نعرفه باسم المحاصصة، وأن يكون للميليشيات الكردية المسلّحة وضعها الخاص (يسمّونهم تعميماً الأكراد وذلك لإعطائهم الشرعية وحصرية تمثيل الأكراد، وهو مسمى غير صحيح ومضلّل)، بالإضافة إلى قضايا أخرى تتعلّق بالمعايير الأوروبيّة غير المتّفق عليها حتى غربيّاً!

الأمريكيون يريدون كذلك أن يدفعوا التغيير باتجاههم، فتارةً يعطون قطعة من الأرض السورية إلى إسرائيل، وطوراً يضعون شرطاً مبطّناً حول التطبيع، وبين هذا وذلك الدعم الكامل لإسرائيل ومساعي تفجير الملف الفلسطيني مجدداً، مع التلويح بورقة العقوبات والإرهاب للسوريين. وبالرغم من تفاؤل البعض بالرفع الجزئي للعقوبات، إلا أنّ ذلك لا يعكس بالضرورة الخطوات القادمة، ولا يمكنه في جميع الأحوال تحسين الوضع في سوريا.

ما يجب قوله للأمريكيين والأوروبيين هو أنّهم قبضوا الثمن مقدّماً، فلا مخدرات تغرق أسواقهم اليوم، ولا ملايين اللاجئين والنازحين الهاربين إليهم، ولا إيران وروسيا في دمشق. هذه كلّها مكاسب استفادوا ويستفيدون منها، وعليهم أن يعووا أنّ الكرة في ملعبهم اليوم، فإذا أرادوا الحفاظ على المكتسبات سيكون هناك حاجة لاتخاذ الخطوات الأولى برفع العقوبات بدلاً من الإنخراط في لعبة البيضة والدجاجة، ولعبة "لا رفع للعقوبات قبل أن تنفذ الإدارة الجديدة ما نريد من لائحة الشروط الطويلة".

سوريا تحتاج اليوم كل الدعم التي تستطيع أن تقدّمه كل الدول، كما تحتاج من كل الدول الامتناع عن التدخل في الشأن الداخلي. الإخلال بأي منهما، سيؤدي إلى الفشل الذي ستكون تداعياته أكبر من أن يتحمّلها أي لاعب إقليمي أو دولي. رفع العقوبات هو المدخل الأساسي، وتقديم الدعم لتحقيق الاستقرار سيعود بالنفع على الجميع. هل سيعي الغربيون الدرس هذه المرّة؟إذا ما فشلت الإدارة الجديدة في تحقيق الاستقرار والأمن وبسط السيطرة على كامل الأراضي السورية وإطلاق عملية إعادة إعمار البلاد بسبب العقوبات المفروضة على البلاد ومحاولة الدول الغربية ابتزاز الوضع السوري لغايات ليس لها علاقة بسوريا أو حتى بمصالحهم المباشرة فيها، فإنّ تداعيات هذا الأمر ستكون كارثية. صحيح أنّ سوريا ستكون أولى المتضرّرين ومن ثمّ لبنان والأردن وتركيا والعراق، لكن الأمر سيمتد سريعا ليشمل هذه الدول الغربية ومصالحها في المنطقة.

هل ستتعلّم الدول الغربية من أخطائها السابقة وتتدارك هذا الأمر؟ التجربة تقول إنّهم إذا ما عبثوا بقضيّة ما فستنتهي إلى الأسوء. بعض التصريحات الصادرة مؤخراً عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين لا توحي بالخير. وضعهم لقوائم طويلة من المطالب والشروط، وربطهم هذه الشروط بأجنداتهم الخاصة مقابل تخفيف العقوبات سيقوّض من الوضع في سوريا لاحقاً، وقد يخسر الجميع كل المكتسبات التي تمّ تحقيقها مع الإطاحة بنظام الأسد.

سوريا تحتاج اليوم كل الدعم التي تستطيع أن تقدّمه كل الدول، كما تحتاج من كل الدول الامتناع عن التدخل في الشأن الداخلي. الإخلال بأي منهما، سيؤدي إلى الفشل الذي ستكون تداعياته أكبر من أن يتحمّلها أي لاعب إقليمي أو دولي.  رفع العقوبات هو المدخل الأساسي، وتقديم الدعم لتحقيق الاستقرار سيعود بالنفع على الجميع. هل سيعي الغربيون الدرس هذه المرّة؟

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا الغرب سوريا علاقات الغرب رأي مقالات مقالات مقالات سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة رفع العقوبات یتناسب مع فی سوریا کل الدول ل الذی

إقرأ أيضاً:

أمريكا تستورد زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى

بدأت الولايات المتحدة استيراد شحنات من زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى، في خطوة تعكس توسع العراق في استخدام مسارات تصدير بديلة عبر البحر المتوسط، بعد الاضطرابات التي شهدتها الملاحة في الخليج خلال الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات شركة كبلر ومصادر مطلعة أن ثلاث ناقلات من طراز "أفراماكس" حملت شحنات من زيت الوقود من ميناء بانياس السوري بين يونيو/حزيران الماضي ويوليو/تموز الجاري، لتتجه إلى ساحل الخليج الأمريكي، بعد نقل الوقود العراقي بالشاحنات عبر الحدود إلى سوريا.

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3العراق يوقع 48 اتفاقية مع شركات أمريكية بقيمة 60 مليار دولارlist 2 of 3العراق يرفع إنتاج ثلاثة حقول نفطية مع تعافي الصادراتlist 3 of 3العراق يستهدف إنتاج 7 ملايين برميل نفط يوميا خلال 3 سنواتend of list

ويأتي هذا المسار ضمن جهود العراق لتنويع منافذ تصدير منتجاته النفطية وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي أدى تعطله في وقت سابق من العام إلى إرباك حركة تجارة النفط والوقود في المنطقة.

وأظهرت بيانات كبلر أن الناقلة "أون باشن" غادرت ميناء بانياس في 17 يونيو/حزيران محملة بنحو 716.6 ألف برميل من زيت الوقود، جرى تفريغ جزء منها في جزر الباهاما، على أن تصل الكمية المتبقية إلى ولاية تكساس لاحقا.

كما حملت الناقلة "نيسوس كريستينا" نحو 288.5 ألف برميل وغادرت الميناء في الثامن من يوليو/تموز، ومن المقرر أن تفرغ حمولتها على ساحل الخليج الأمريكي مطلع أغسطس/آب، فيما نقلت الناقلة "غرين ووريور" نحو 414.4 ألف برميل، ويتوقع وصولها إلى الولايات المتحدة خلال الأسبوع الثالث من أغسطس/آب.

تنويع المسارات

وقالت مصادر مطلعة إن جميع الشحنات عبارة عن زيت وقود عراقي نقل برا إلى سوريا قبل إعادة تصديره عبر ميناء بانياس، مشيرة إلى أن هذه أول شحنات من سوريا تتجه إلى الولايات المتحدة على الإطلاق.

وأضاف مهندس في ميناء بانياس أن سوريا لم تصدر النفط الخام أو المنتجات النفطية منذ سنوات، باستثناء شحنة واحدة في سبتمبر/أيلول 2025، مؤكدا أن جميع الشحنات الحالية من الميناء تقتصر على زيت الوقود العراقي.

إعلان

وكانت الشركة السورية للبترول قد ذكرت في يونيو/حزيران أن ميناء بانياس يشحن ناقلة واحدة من زيت الوقود العراقي كل سبعة إلى عشرة أيام منذ إطلاق مسار إعادة التصدير الجديد مطلع مايو/أيار، بدعم من نحو 900 شاحنة وقود تفرغ حمولتها يوميا.

كما أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن شحنات زيت الوقود العراقي المعاد تصديرها عبر بانياس وصلت أيضا إلى عملاء في إسبانيا ومصر.

وكانت رويترز قد أفادت الشهر الماضي بأن العراق يعتزم توسيع هذا المسار ليشمل تصدير النفط الخام والنافثا عبر سوريا، بعدما دفع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز بغداد إلى البحث عن بدائل لتصدير منتجاتها النفطية.

وقال مسؤولون عراقيون وسوريون إن بغداد تعتزم الإبقاء على استخدام الممر السوري حتى بعد عودة الملاحة عبر هرمز إلى طبيعتها، ضمن استراتيجية تستهدف تنويع طرق التصدير وتعزيز مرونة الإمدادات.

من جانبه، قال مات سميث، رئيس أبحاث السلع الأولية في شركة كبلر، إن الولايات المتحدة تسعى إلى سد فجوة الإمدادات التي نتجت عن اضطرابات تدفقات الوقود من منطقة الخليج، في وقت كثف فيه ميناء بانياس صادراته من زيت الوقود خلال الأشهر الأخيرة.

وأضاف أن هذه الشحنات تعكس استمرار إعادة تشكيل مسارات تجارة الطاقة الإقليمية بعد اضطرابات الشحن في الخليج، مع اعتماد العراق بصورة متزايدة على الميناء السوري للوصول إلى أسواق أوروبا وأفريقيا، والآن أمريكا الشمالية.

مقالات مشابهة

  • مقـ تل إسرائيلي في حادث إطلاق نار بالضفة الغربية
  • 673 سفينة و94 بنكا تحت العقوبات.. الاتحاد الأوروبي يصعد ضغوطه على روسيا
  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • إصابة إسرائيلي في هجوم ناري بالضفة الغربية
  • جيش الاحتلال يشن اقتحامات ويعتقل فلسطينيين بالضفة الغربية
  • 24 عملًا مقاومًا في الضفة الغربية خلال 48 ساعة
  • أمريكا تستورد زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى
  • الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة على كيانات كوبية
  • محافظ الغربية يوجه بتكثيف الرقابة التموينية وإحكام السيطرة على الأسواق
  • الأمين العام للأمم المتحدة يزور سوريا