الذكاء الاصطناعي يعزز الاستدامة ويسرع مكافحة التغير المناخي
تاريخ النشر: 15th, March 2025 GMT
طه حسيب (أبوظبي)
المساعي العالمية الحثيثة لمواجهة التغير المناخي وفهم تداعياته وأدوات التصدي له تستفيد من الطفرة الكبرى في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهناك العديد من الخطوات التطبيقية التي تثبت أهمية الذكاء الاصطناعي في المواجهة العالمية لتداعيات التغير المناخي. على سبيل المثال، يستطيع الذكاء الاصطناعي قياس التغييرات في الجبال الجليدية أسرع من البشر بمقدار 10000 مرة، ما يعني مساعدة العلماء على تحديد كميات المياه الناجمة عن ذوبان الجليد بالمناطق القطبية جراء الاحترار الناجم عن تغير المناخ.
ولدى الذكاء الاصطناعي القدرة على قياس تأثير إزالة الغابات على المناخ، حيث نجحت شركة مقرها اسكتلندا في استخدام بيانات الأقمار الاصطناعية وتوظيف تقنيات يتم تطبيقها عن بعد في أكثر من 30 دولة لرصد مقدار الكربون المختزن في الغابات.
وفي أفريقيا، يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في مشروع الأمم المتحدة لمساعدة المجتمعات المعرضة لتغير المناخ في بوروندي وتشاد والسودان، وذلك ضمن مبادرة المناخ الدولية «IKI» الممولة من وزارة البيئة الألمانية، وتسعى المبادرة التي تستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي إلى المساعدة في التنبؤ بأنماط الطقس، بهدف تمكين المجتمعات على المستوى المحلي من معالجة آثار تغير المناخ.. وتحسين الوصول إلى الطاقة النظيفة، وتنفيذ أنظمة إدارة النفايات المناسبة وتشجيع إعادة زراعة الغابات.
تقنيات الذكاء الاصطناعي تساعد على معالجة تغير المناخ من خلال تحسين نمط إدارة النفايات وجعلها أكثر كفاءة، فالنفايات قادرة على إنتاج الميثان وهي مسؤولة -وفقًا لوكالة حماية البيئة بالولايات المتحدة- عن 16% من الانبعاثات العالمية من غازات الدفيئة.
ويشير تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن منظمة Ocean Cleanup في هولندا تستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى للمساعدة في رصد التلوث البلاستيكي من المحيط. فمن خلال الذكاء الاصطناعي يتم رسم خرائط مفصلة للنفايات المتراكمة في مياه المحيط، خاصة بالمواقع البعيدة، ومع تحديد هذه الأماكن يمكن جمع نفايات المحيط وإزالتها، والتي تكون أكثر كفاءة من طرق التنظيف السابقة باستخدام السفن والطائرات، مما يحد من التلوث البلاستيكي، الذي يؤجج تغير المناخ عن طريق انبعاث غازات الدفيئة وإيذاء الطبيعة من خلال إرباع التنوع الحيوي.
ويساعد الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالكوارث المناخية، فعلي سبيل المثال، تستطيع شركة Sipremo في البرازيل التنبؤ بوقت حدوث كوارث المناخ، بما يضمن جاهزية الشركات والحكومات للتصدي لها بشكل أفضل.
ويسعى مختبر أبحاث الذكاء الاصطناعي من «جوجل» إلى محاربة التغير المناخي من خلال منظمة غير ربحية هي: Climate Change AI التي دشنها متطوعون من الأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي ممن يرون دوراً رئيسياً لتعلم الآلة في مكافحة تغير المناخ.
وتركز أدوات Google AI على تحسين التنبؤ بالطقس واستثمارها في زيادة إنتاجية طاقة الرياح.
تقول Google DeepMind، التي تعتبر مختبر أبحاث الذكاء الاصطناعي من Google، إنها تطبق الذكاء الاصطناعي للمساعدة في محاربة تغير المناخ في عدد من المجالات.
وفي تصريحات خاصة لـ«الاتحاد»، أكد حسني غديرة، أستاذ ممارسة الرؤية الحاسوبية بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أن التقنيات المتقدمة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي تلعب دوراً في تحفيز وتسريع الاستدامة. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي والاستدامة فرصة فريدة لتحفيز وتسريع مبادرات الاستدامة، على الرغم من المخاوف المتعلقة باستهلاكه للطاقة، يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانيات هائلة في التخفيف من آثار تغير المناخ وإنشاء أنظمة أكثر كفاءة واستدامة.
وأوضح غديرة، في حواره الخاص مع «الاتحاد»، أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تعمل بنشاط على معالجة التحدي المزدوج المتمثل في تحسين كفاءة الذكاء الاصطناعي في استهلاك الطاقة، مع الاستفادة من إمكاناته لدفع الاستدامة عبر مختلف القطاعات.
ويرى غديرة أن الجامعة تعمل حالياً على تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتعزيز الأمن الغذائي العالمي، وتحسين التخطيط والاستجابة لتفشي الأمراض المعدية، وزيادة كفاءة عمليات تلقيح السحب، وتحسين أداء محطات الطاقة الشمسية واسعة النطاق. ويساهم هذا العمل في جهود دولة الإمارات العربية المتحدة بعد مؤتمر المناخ (كوب 28) لتكون رائدة في إزالة الكربون والتخفيف من تغير المناخ بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
إحدى الطرق الأساسية التي يمكن أن يساعد بها الذكاء الاصطناعي في تعزيز الاستدامة هي تقليل استهلاكه الخاص للطاقة، وتتطلب تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مراكز البيانات واسعة النطاق، كميات كبيرة من الطاقة، ومن المتوقع أن ينمو هذا الطلب بشكل كبير في السنوات القادمة.
وأشار غديرة إلى أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تقود الجهود البحثية لمعالجة هذه المشكلة من خلال تحسين تصاميم الأجهزة والبرمجيات. وعلى سبيل المثال، من خلال تحسين كفاءة هياكل الحوسبة مثل وحدات معالجة الرسومات (GPUs) ووحدات «معالجة تنسور» (TPUs)، يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذ المهام المعقدة بكفاءة أكبر، مما يقلل من استهلاك الطاقة. (وحدات معالجة تنسور هي مسرع تعلم آلي تم تطويره بواسطة جوجل خصيصاً لأعباء عمل الشبكات العصبية.
وقد صُممت هذه المعالجات المتخصصة لتسريع عمليات التعلم الآلي وتوسيع نطاقها بشكل كبير، خاصةً بالنسبة لمهام الاستدلال والتدريب).
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الجامعة على تطوير نظام تشغيل خاص بها يسمى AIOS، والذي يهدف إلى تقليل البصمة الكربونية المرتبطة بإنشاء ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يضمن أن التقدم في هذا المجال لا يأتي على حساب الاستدامة.
وأوضح غديرة، في تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أن الذكاء الاصطناعي يلعب أيضاً دوراً كبيراً في حماية البيئة، وخاصة في الحفاظ على الغابات والموائل الطبيعية في العالم، مشيراً إلى أن إزالة الغابات تعد من العوامل الرئيسية المساهمة في تغير المناخ، حيث يتم فقدان ملايين الهكتارات من الغطاء الشجري سنوياً. ويمكن للذكاء الاصطناعي دعم مراقبة هذه النظم البيئية الحيوية وحمايتها بشكل أكثر فعالية.
حماية الموارد الطبيعية
وعلى سبيل المثال، طورت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أداة متقدمة للرصد عن بُعد تدعى «+جيوتشات» GeoChat+، والتي تستخدم تقنيات رؤية الحاسوب والتعرف على الأنماط لتحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة للكشف عن تغييرات استخدام الأراضي أو الأنشطة غير القانونية مثل قطع الأشجار الجائر أو أنشطة إزالة الأراضي. وهذه التقنيات قادرة على تمكين الجهات المعنية في دول، كالبرازيل والهند، من مراقبة مناطق شاسعة ونائية بشكل أكثر كفاءة، مما يتيح استجابة أسرع وحماية أفضل للموارد الطبيعية.
وعن دور الذكاء الاصطناعي في تحسين توزيع الطاقة وكفاءة الشبكات الكهربائية، أكد غديرة أنه مع تزايد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين دمج هذه الموارد المتغيرة في الشبكة الكهربائية.
وأضاف غديرة أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تستشرف استخدام تقنيات التعلم الفيدرالي (Federated Learning) لإنشاء شبكات طاقة ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما يسمح لمزودي الطاقة بتحليل أنماط الاستهلاك لدى ملايين المستخدمين دون المساس بخصوصية البيانات. وهذه الابتكارات، تساعد -حسب غديرة- في استقرار الشبكة الكهربائية، وتحسين توزيع الطاقة، وتقليل الطلب في أوقات الذروة، وهي جميعها عوامل أساسية في تعزيز أنظمة الطاقة المستدامة.
وحسب غديرة، يقوم باحثو الجامعة بتطبيق تقنيات رؤية الحاسوب والطائرات المسيرة لمراقبة أداء محطات الطاقة الشمسية واسعة النطاق، مما يتيح معالجة المشكلات المحتملة بشكل استباقي وزيادة إنتاجية الطاقة.
دعم المزارعين
وأوضح غديرة أن تأثير الذكاء الاصطناعي يمتد أيضاً إلى الزراعة، حيث يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم التحديات مثل الجفاف وموجات الحرارة والطقس غير المتوقع. وتساعد الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي المزارعين على التكيف من خلال زيادة غلة المحاصيل وتحسين كفاءة الموارد.
وأشار غديرة، في تصريحه الخاص لـ«الاتحاد»، إلى أن قسم الروبوتات بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يعمل على تطوير طائرات مسيرة وروبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي قادرة على مراقبة المحاصيل، واكتشاف الآفات، وتحسين عمليات الري. وتتيح هذه التقنيات الزراعية الدقيقة، الفرصة لتقليل الاستخدام المفرط للمياه والمواد الكيميائية، وتحد من الأثر البيئي للزراعة، كما أن تعاون الجامعة مع شركة «سلال» لدعم الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي في دولة الإمارات يهدف إلى تعزيز الإنتاج الغذائي المستدام باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
واستنتج غديرة أن الذكاء الاصطناعي يساهم في التخفيف من تأثير الجزر الحرارية الحضرية، وهي مصدر قلق متزايد في المدن التي تعاني من ارتفاع درجات الحرارة نتيجة لتغير المناخ. بالشراكة مع شركة «آي بي إم» IBM، تعمل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي على تطوير حلول ذكاء اصطناعي للكشف عن هذه الجزر الحرارية وتحليلها، مما يساعد المخططين الحضريين على تصميم استراتيجيات لتقليل درجات الحرارة وجعل المدن أكثر قابلية للعيش خلال موجات الحر الشديدة. وتساهم جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في بيئات حضرية أكثر استدامةً وقدرةً على الصمود في مواجهة تحديات الاحتباس الحراري.
مواجهة تحديات تغير المناخ
الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً محورياً في مواجهة تحديات تغير المناخ والاستدامة. وأوضح غديرة أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تركز على تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي، مع تقليل تأثيره البيئي. ومن خلال تحسين كفاءة الطاقة، وتعزيز استخدام الموارد، ودفع الابتكار في قطاعات رئيسية مثل الزراعة والطاقة والتخطيط الحضري، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم بشكل كبير في تحقيق الأهداف العالمية للاستدامة. أخبار ذات صلة
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: التغير المناخي الذكاء الاصطناعي تقنیات الذکاء الاصطناعی یمکن للذکاء الاصطناعی الذکاء الاصطناعی فی التغیر المناخی من خلال تحسین سبیل المثال تحسین کفاءة تغیر المناخ أکثر کفاءة إلى أن
إقرأ أيضاً:
هل روبوتات الذكاء الاصطناعي مجرّد ضجيج أم أمل حقيقي؟
ترجمة: بدر بن خميـس الظفري
طالما حلم الإنسان بأن تتولّى الآلات عنه الأعمال الشاقّة، وأن تساعده في المهام الذهنية كذلك. وعلى مدى القرون، ازداد اعتماد البشر على الآلات بوتيرة متسارعة، حتى وصلنا اليوم إلى مرحلة باتت فيها الروبوتات تؤدي شتى أنواع المهام اليدوية، وتُظهر مهارات لافتة.
وينطبق الأمر نفسه على الأنشطة الفكرية. فمنذ ظهور برنامج «تشات جي بي تي»، أصبح الجميع يدرك حجم الإمكانات التي يحملها الذكاء الاصطناعي. والمشهد مذهل بالفعل: كيف يمكن لبرامج أن تمتلك هذا القدر من المعرفة، وأن تنتج نصوصا واستنتاجات تبدو منطقية؟ وهل هناك حدّ لما قد تبلغه؟ ولماذا تحتاج هذه الأنظمة إلى موارد هائلة من البيانات والطاقة الحاسوبية؟
لكن لنبدأ من البداية، فمصطلح «الذكاء الاصطناعي» ظهر في خمسينيات القرن الماضي، وصاغه عالم الرياضيات الأمريكي جون مكارثي خلال ورشة عمل كانت مخصّصة للبحث في مستقبل قدرات الحواسيب. وقد قال لاحقا إن المصطلح لم يأت نتيجة تفكير علمي عميق، بل لأنهم أرادوا عنوانا مثيرا يجذب التمويل اللازم للورشة!
ومع ذلك، فإن فكرة الآلة الذكية سبقت ذلك بكثير؛ ففي عام 1939 عرضت شركة «وستنغهاوس» خلال معرض نيويورك العالمي نموذجا بشريّ الشكل يدعى «إلكترو»، قادرا على المشي والكلام والسمع.
وبمعايير اليوم، كان الروبوت بدائيا للغاية، لكنه جسّد مبكرا مفهوم الروبوت الإنساني، وكان يرافقه جهاز آخر على شكل كلب يُسمى «سباركو». وفي عام 1941، قدّم المهندس الألماني كونراد تسوزه أوّل حاسوب حديث، ثم طُوّرت أنظمة التحكم بالحركات الكهربائية عبر الحاسوب في أوائل الخمسينيات ودخلت مرحلة الإنتاج. تلك الخطوات كانت الأساس الذي قامت عليه الأنظمة الحالية، وإن كان أحد في ذلك الوقت لا يتخيّل مدى ما ستصل إليه الحواسيب اليوم.
هذه التطورات تطرح سؤالا أساسيا: هل يمكن للآلات أن تضاهي الذكاء البشري، أو حتى تتجاوزه؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك؟ أرى أن المسألة تقوم على ثلاثة مستويات.
أولا، درج الذكاء الاصطناعي التقليدي على محاكاة قدرات معرفية بشرية معينة، ولكن ضمن نطاق ضيّق، ومع ذلك، يمكنه إنجاز المهام بسرعة وكفاءة أكبر. من ذلك التفكير الرياضي، ولعب الشطرنج، وقراءة الخرائط للملاحة. اليوم، يُعدّ من المسلّم به أن هذه مهارات بشرية يمكن نقلها إلى الآلات، لكن في عام 1956 كانت أقرب للخيال العلمي.
لقد أصبحت هذه الأحلام واقعا، لكنها لم تعد تُصنّف ضمن «الذكاء الاصطناعي» بالمعنى الشائع. وكما قال مكارثي: «عندما يعمل النظام جيدا، لا يعود أحد يسمّيه ذكاء اصطناعيا». أما الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، وهو الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد دخل الوعي العام بقوة، ويمتاز بقدرته على إنتاج نصوص وصور وأصوات جديدة استجابة لتعليمات تُكتب بلغة طبيعية.
غير أن تدريب هذا النوع من «الذكاء الاصطناعي غير المجسّد» يعتمد على كميات ضخمة من البيانات المأخوذة من الفضاء الرقمي، ويتطلب قدرة حسابية هائلة. وهذا يعني أنه يرتبط بعالمنا الواقعي بشكل غير مباشر للغاية. ثانيا، يمكن إيجاد بيئة رقمية تحاكي قوانين الفيزياء في العالم الحقيقي بهدف إنتاج بيانات أقرب إلى الواقع لتدريب الأنظمة الذكية. في هذه البيئة، تُحاكي الأشياء الافتراضية خصائص الأشياء المادية بدقة كبيرة. فمثلا، تسقط قطرة الماء وتتحرك كما تتحرك في الطبيعة.
وفي هذا «العالم الافتراضي»، أو ما يُعرف بـ«الميتافرس» (العالم الماورائي الرقمي)، يمكن تدريب أنظمة التعلم الآلي على الاستكشاف والتجربة، وتنمية حسّ الفضول والقدرة على التعامل مع تنوّع المواقف.
غير أن هذا العالم، مهما بلغ تشابهُه مع الواقع، يظل من صنع الإنسان ويُصوّر العالم من منظور الإنسان فقط. وبالتالي، لا يمكن أن نتوقع فيه المفاجآت الحقيقية التي شكّلت مسار حياتنا وأسهمت في تطوّر الذكاء البشري.
في المستوى الثالث، يمكن تجاوز تلك القيود من خلال تمكين الحواسيب من العمل باستقلالية داخل العالم الحقيقي عبر الروبوتات التي تستشعر بيئتها باستخدام المجسّات. وبفضل أدوات الحركة المدمجة فيها ـ مثل الأيدي والأذرع والأرجل ـ تستطيع هذه الروبوتات تغيير بيئتها، ثم ملاحظة النتائج المترتبة على ذلك.
وهكذا تنشأ «حلقة مغلقة» تجمع بين الإدراك، والفهم الذكي، وتنفيذ الأفعال. وبذلك يصبح بإمكان الآلة المزوّدة بنظام ذكاء اصطناعي مدمج أو متصل بها خارجيا أن تخرج إلى العالم «بمفردها»، وأن تتعلم وتطوّر ذكاءها الخاص. ويُطلق على هذا النوع من الذكاء اسم «الذكاء المجسّد»، لأنه مرتبط بجسد، ومصمّم بما يتناسب مع خصائص الروبوت نفسه، من طريقة إدراكه للعالم إلى قدرته على التفاعل معه.
ماذا يمكن أن نتوقع في المستقبل؟ من الواضح أن دمج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات ـ وليس بالضرورة الروبوتات الشبيهة بالبشر التي تمتلك سيقانا، بل بمختلف أشكالها ـ هو الطريق الذي سيُسهم في جعل الآلات الذكية قادرة على أداء مهام مفيدة.
فإذا استطاعت هذه الكيانات «المجسّدة» أن تفهم عالمنا الحقيقي مباشرة، وأن تمزج هذا الفهم بما اكتسبته من الفضاء الرقمي، فقد يؤدي ذلك إلى تآزر أو علاقة تكاملية تجعل الإنسان أكثر ذكاء وتفتح أمامه آفاقا أوسع بكثير.
ويتحمل واضعو السياسات والباحثون مسؤولية رئيسية في الاستثمار في هذا النوع من الروبوتات باعتباره جزءا أساسيا من مهمتهم في دعم تطور الإنسان. كما أن الفوائد العملية لاستخدام هذه الآلات في عمليات الإنتاج ستظهر بوضوح في المدى القصير والمتوسط.
إن البلدان التي تمتلك أعلى كثافة من الروبوتات ـ مثل الصين، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وألمانيا، واليابان ـ تتمتع بأفضلية إنتاجية هائلة. ومن المتوقع أن يتّسع هذا الفارق بدرجة كبيرة مع دخول الوكلاء المجسّدين إلى خط الإنتاج.
أما الدول التي تمتلك قاعدة صناعية واسعة وموارد بيانات كبيرة، وتعرف كيف توفّق بين البرمجيات وأنظمة الحوسبة المدمجة والمجسّات والميكاترونكس والذكاء الاصطناعي، فهي الأكثر قدرة على طرح هذه الآلات في الأسواق.
وليس من قبيل المصادفة أن هذه الدول هي بالفعل في طليعة صناعة الروبوتات.
ومع الإنجازات اللافتة التي تحققها الشركات الناشئة الصينية في مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر، ومع الهدف المعلن للصين بأن تصبح رائدة في الذكاء الاصطناعي المجسّد ـ كما ورد في توصيات الخطة الخمسية الصينية الخامسة عشرة (2026-2030) ومبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس» ـ فإننا نتوقع إنجازات كبيرة إذا ما نُفّذت هذه الخطط بذكاء.
كما أن المنافسة الدولية تتصاعد، ما يجعل السنوات المقبلة حبلى بابتكارات لافتة في هذا المجال. وأنا شخصيا لا أطيق الانتظار لرؤية ما سيظهر.