في عصرٍ تتقاطع فيه التحوّلات العالمية مع تحديات الهوية والعيش المشترك، يبرز “مجلس محمد بن زايد” بوصفه نموذجاً رائداً لمنصة فكرية وإنسانية تستند إلى العقل، وتستشرف المستقبل، وتُعزّز قيم التعايش والحوار والانفتاح على الآخر. هذه المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، تُمثّل تجسيداً حيًّا لإيمانه العميق بأن الإنسان هو أساس النهضة، وأن الكلمة الصادقة، والفكرة العميقة، والحوار المتزن هي أدوات بناء الأمم الراقية.
مجلس محمد بن زايد هو مشروع حضاري ممتد ويعمل على مدار العام، يستقطب نخبة من المفكرين والعلماء وقادة الرأي من مختلف بقاع العالم. وهو في جوهره منبر للعقول المستنيرة، ومساحة رحبة للحوار الذي يتجاوز الجغرافيا والدين واللغة. يناقش قضايا عصرية من صميم واقعنا: مثل الاستدامة، التكنولوجيا، الأمن الغذائي، تمكين الشباب، التسامح، والهوية الثقافية. كل جلسة منه تمثّل خيطاً يُنسَج في نسيج وطني يرتقي بالفكر ويثبّت ركائز السلم المجتمعي.
وقد سعدتُ بحضور إحدى فعاليات هذا المجلس، وهي محاضرة عنوانها “التسامح والتعايش في الفكر الإسلامي”، شارك فيها كل من د. شايع الوقيّان، ود. مشهد العلاّف، ود. فاطمة الدهماني. ما طُرح فيها لم يكن حديثاً تقليدياً عن الفضيلة، بل كان تحليلًا عميقًا للجذور الفلسفية والفكرية التي تجعل من التسامح ضرورة لا خياراً، وقيمة لا مجاملة. أشار المحاضرون إلى أن الكون قائم على التعدد، والتنوع أصل في الخلق، لا استثناء، تماماً كما الليل والنهار، والفصول الأربعة، واختلاف الألسن والألوان. التسامح في الفكر الإسلامي، كما بيّنوا، ليس شعاراً بل مبدأ أصيل، ومظهر من مظاهر احترام الكرامة الإنسانية.
استحضارهم لآية “لا إكراه في الدين” لم يكن استشهاداً عابراً، بل دعامة تؤكد أن الإسلام بنى علاقة الإنسان بالآخر على الحرية والعقل والاحترام. وقد شدد المحاضرون على أن كل فلاسفة الإسلام الكبار، من الكندي إلى ابن رشد، كانوا يؤمنون بأهمية الاختلاف، ويرونه ضرورة لنمو المعرفة وتقدم المجتمعات.
ولعل اللافت في هذه المحاضرة أنها لم تكتف بطرح فكري مجرد، بل امتدت إلى بعدٍ وجداني من خلال الحديث عن الفنون بوصفها لغة إنسانية جامعة، تحمل في طياتها المشاعر المشتركة بين البشر من فرح وحزن وأمل وحنين. إن التقاء الناس حول لوحة أو لحن أو قصيدة يعكس قدرة الإبداع على تجاوز الفوارق، وصناعة روابط صامتة لكنها عميقة بين القلوب.
وهنا تتجلّى قيمة مجلس محمد بن زايد من جديد، فهو لا ينحصر في الطرح النخبوي أو الخطاب المؤسسي، بل يُقدم نموذجاً متكاملاً يجمع بين الفكر والعاطفة، بين التحليل والإلهام. إنه المجلس الذي يجعل من كل محاضرة فرصة لزرع فكرة، ومن كل حوار بذرة لوعي جديد. يربط بين الماضي والمستقبل، ويصنع من الحاضر مساحة لإعادة التفكير في العالم من حولنا.
إن من يتابع هذا المجلس، أو يحضر إحدى فعالياته، يُدرك أنه لا يهدف فقط إلى التثقيف، بل إلى تكوين جيل من المواطنين الواعين، المتصالحين مع ذواتهم، المنفتحين على العالم، المتمسكين بقيمهم دون تعصب، والمنخرطين في حركة البناء والتنمية بروح إيجابية ومستنيرة.
مجلس محمد بن زايد ليس مجرد فعالية، بل هو حالة فكرية متقدمة، ومشروع وطني عميق الجذور، يضع الإمارات في طليعة الدول التي تُراهن على الإنسان، وتحسن استثمار المعرفة، وتبني مجتمعات لا تُقصي أحدًا، بل تحتضن الجميع ضمن إطار من الاحترام والتعدد والتكامل. وما أحوجنا، في هذا الزمن، إلى مثل هذا النموذج الذي يذكرنا أن الإنسانية هي الرابط الأول بيننا، وأن التسامح هو الحاضنة التي تنمو فيها الأخلاق، وتزدهر من خلالها الأوطان
المصدر
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: وقف الأب رمضان 2025 عام المجتمع اتفاق غزة إيران وإسرائيل يوم زايد للعمل الإنساني غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية محمد بن زايد مجلس محمد بن زاید
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.