الدكتوة سكينة السكاك، جامعة محمد الاول وجدة

 

في ليلة مظلمة من شهر فبراير 2025، وبينما كانت مدينة فاس تغفو على أمجادها العريقة، استفاقت على وقع جريمة ثقافية تمثلت في هدم جزء من السور الدفاعي لقصبة مولاي الحسن بدار دبيبغ.

لم يكن الأمر مجرد إزالة لجدار حجري، بل كان اعتداءً على الذاكرة الجمعية لمدينة فاس وعلى إرث معماري يمتد لقرون، تم تحت غطاء الليل، ودون إعلان مسبق أو استشارة مع الجهات المختصة، بذريعة توسعة الطريق.

كيف يمكن لمدينة مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو!! أن تشهد تدميرًا لأحد معالمها العريقة؟ وأين هي الجهات المسؤولة عن حماية هذا التراث قبل أن نفقد المزيد من كنوزنا التاريخية؟.

قصبة مولاي الحسن، التي شُيِّدت عام 1729م في عهد السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل، كانت شاهدة على تحولات كبرى في تاريخ فاس. فقد خضعت لأعمال ترميم في عهد المولى عبد الرحمن والحسن الأول، ما يعكس دورها الحيوي كحصن دفاعي يحمي المدينة.

وتميزت القصبة بطرازها الفريد، خاصة البروج خماسية الأضلاع، التي تعد من العناصر النادرة في المعمار العسكري المغربي.

ورغم هذه القيمة التاريخية، تعرضت القصبة لتهميش ممنهج، حيث ظلت لعقود تعاني من الإهمال والتوسع العمراني العشوائي، حتى وصل الأمر إلى هدم جزء من سورها، في خطوة تزيد من تعريض هذا المعلم التاريخي لخطر الاندثار.

هذا الفعل لم يمر دون استنكار، حيث اعتبرت جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، أن ما حدث هو انتهاك صارخ للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية التراث، مثل اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي.

وأكدت الجمعية أن المشاريع العمرانية يجب أن تكون متوافقة مع الطابع التاريخي للمدن العتيقة، لا أن تكون سببًا في طمس هويتها، مطالبةً بإعادة ترميم الأجزاء المهدمة بالمواد الأصلية، وتعزيز الحماية القانونية للمعالم التاريخية في فاس وغيرها من المدن العتيقة.

إن خطورة هذه الواقعة لا تتوقف عند قصبة مولاي الحسن وحدها، بل تعكس تهديدًا أوسع يطال التراث المغربي بمختلف مكوناته. فالمغرب، الذي يزخر بإرث معماري وحضاري متنوع، يجمع بين التأثيرات العربية والأمازيغية والأندلسية والأوروبية، يواجه تحديات كبرى في الحفاظ على هذا التراث أمام زحف الإسمنت والتوسع العمراني غير المنضبط. لقد أصبحت العديد من المعالم التاريخية مهددة، إما بالإهمال أو بالإزالة لصالح مشاريع « تنموية » لا تأخذ بعين الاعتبار القيمة الثقافية والحضارية لهذه المواقع.

والمفارقة الكبرى أن المغرب، رغم التزامه بالاتفاقيات الدولية لحماية التراث، لا يزال يشهد تدميرًا ممنهجًا لموروثه التاريخي، في ظل غياب سياسات واضحة وصارمة لحمايته.

في ضوء هذا الحدث، يصبح من الضروري اتخاذ إجراءات حاسمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.

يجب أولًا فتح تحقيق رسمي حول ملابسات هدم سور القصبة، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن اتخاذ هذا القرار دون احترام الإجراءات القانونية. كما يتعين إدراج القصبة ضمن المخططات الرسمية لحماية فاس العتيقة، والتأكد من أن المشاريع المستقبلية لا تؤثر سلبًا على المعالم التراثية. ومن الضروري أيضًا إعادة بناء الأجزاء المهدمة بنفس المواد والتقنيات التقليدية، حتى لا تفقد القصبة أصالتها المعمارية، مع إزالة أي بنايات حديثة شوهت طابعها التاريخي.

إن هدم جزء من قصبة مولاي الحسن ليس مجرد حادث عرضي، بل هو مؤشر خطير على غياب رؤية واضحة لحماية التراث المغربي.

إذا استمرت مثل هذه التجاوزات، فقد نجد أنفسنا أمام مدن عتيقة بلا ذاكرة، ومعالم تاريخية بلا روح.

إن حماية هذا الإرث مسؤولية مشتركة، تقع على عاتق السلطات، والمؤرخين، والفاعلين المدنيين، وكل مواطن يؤمن بأن التراث هو صلة الوصل بين الماضي والمستقبل. فالتاريخ لا يُمحى بجرافة، لكنه يُطمس بصمتنا وتخاذلنا.

المصدر

المصدر: اليوم 24

إقرأ أيضاً:

5 وظائف حيوية للكبد.. علامات مبكرة لا تتجاهلها لحماية صحتك

أكد الدكتور ناجي ألفريد، استشاري الأمراض الباطنة، أن الكبد يُعد من أهم أعضاء الجسم، إذ يؤدي وظائف حيوية لا غنى عنها، كما يُعرف بـ"مصنع الجسم" لدوره في تنقية الدم وإنتاج البروتينات وتنظيم مستويات السكر وتخزين الفيتامينات، محذرًا من أن أمراض الكبد قد تتطور بصمت دون ظهور أعراض واضحة في مراحلها الأولى.

القهوة مفيدة للقلب وللكبد.. مفاجأة للمواطنين حالة تناول 3 فناجينانطلاق المؤتمر العلمي الخامس لرابطة الكبد والجهاز الهضمي بالقليوبية الخميسطريقة عمل طاجن لسان العصفور بالكبدطريقة عمل كبدة الدجاج بدبس الرمان

وأضاف ناجي ألفريد، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية سارة مجدي في برنامج «صباح البلد» المذاع على قناة صدى البلد، أن الكبد يؤدي خمس وظائف رئيسية، تشمل تنقية الدم من السموم وبقايا الأدوية، وإنتاج العصارة الصفراوية اللازمة لعملية الهضم، وتخزين الطاقة على هيئة الجليكوجين وتنظيم مستوى السكر في الدم، بالإضافة إلى إنتاج بروتينات مهمة مثل الألبومين وعوامل تجلط الدم، فضلًا عن تخزين عدد من الفيتامينات والمعادن الأساسية.

وأوضح استشاري الأمراض الباطنة، أن أمراض الكبد تُعرف بـ"المرض الصامت" لأن أعراضها غالبًا لا تظهر في المراحل المبكرة، مشيرًا إلى أن الشعور بالإرهاق المستمر، وفقدان الشهية، والغثيان، والضعف العام من العلامات الأولية التي تستوجب الانتباه.

وتابع: اصفرار الجلد والعينين، واضطرابات تجلط الدم، وظهور كدمات بسهولة، تعد من الأعراض التي تظهر في مراحل أكثر تقدمًا من المرض نتيجة تراجع وظائف الكبد.

وشدد على أهمية اتباع نظام غذائي متوازن للحفاظ على صحة الكبد، يعتمد على الإكثار من الخضراوات والفواكه وتقليل الدهون والسكريات والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة، إلى جانب تجنب الإفراط في تناول المسكنات والكحوليات والمواد المخدرة لما تمثله من أضرار مباشرة على الكبد.

كما حذر من استخدام الأعشاب مجهولة المصدر، مؤكدًا أن بعض المستحضرات العشبية غير الخاضعة للرقابة قد تسبب مضاعفات صحية، في حين أن الأعشاب المعروفة مثل اليانسون والكراوية لا تمثل خطورة عند استخدامها بصورة طبيعية.

طباعة شارك الكبد الأمراض الباطنة أمراض الكبد

مقالات مشابهة

  • خانقاة الأمير شيخو العُمَري.. تحفة معمارية تتلألأ في قلب القاهرة التاريخية
  • في ختام ملتقى «خيال الظل الأول».. تكريم سعيد أبو رية ودعوات لإنشاء متحف متكامل للدمى التاريخية
  • طالب بهندسة الإسكندرية يمثل مصر بمنحة تنافسية في المدرسة الصيفية الدولية بجامعة الحسن الثاني بالمغرب
  • "الزراعة" تكثف الترصد الوبائي لحماية الثروة الحيوانية
  • 5 وظائف حيوية للكبد.. علامات مبكرة لا تتجاهلها لحماية صحتك
  • كيف يحمي الوعي الأثري هوية مصر؟.. تفاصيل
  • حوار الأجيال: عبق الماضي وإشراقة الحاضر والرفاهية
  • حرائق كل 5 دقائق.. تفاصيل موجات الحر التاريخية فى تونس والجزائر
  • إيران تتوعد بردّ حاسم على أي عدوان وتعلن استهداف قواعد أمريكية في الكويت والأردن
  • ياسر السوسي: المغرب جاهز لاستضافة نهائي مونديال 2030 وملعب الحسن الثاني يلبي جميع متطلبات "فيفا"