حين يتأمل المرء مسار الحزب الشيوعي السوداني، تتبدى أمامه ثنائية مثقلة بالاحتمالات: بين لحظة التكوين ولحظة التيه، بين عضوية متخيلة وتاريخ متراكم من العزلة، بين الارتباط المزعوم بالطبقة العاملة والتكلس في أبراج النظرية، بين الإرث الثوري والجمود العقائدي. السؤال، إذن، ليس ما إذا كان الحزب قد فقد عضويته العضوية، بل ما إذا كان قد امتلكها أصلًا.

وإن امتلكها، فهل كانت عضوية حقيقية أم مجرد مجاز ماركسي مفرغ من جوهره؟

الاشتباك مع هذا السؤال يستدعي استحضار أنطونيو غرامشي، الذي صاغ مفهوم “المثقف العضوي” والحزب العضوي، باعتبار الحزب ليس مجرد أداة سياسية، بل امتدادًا عضويًا لحركية طبقة اجتماعية، ينهض من صلبها، يعبر عنها، ويحمل سماتها. تمامًا كما كانت الأحزاب الشيوعية الأوروبية في لحظة نشأتها تمثل الامتداد السياسي لطبقة البروليتاريا الصناعية. لكن، هل كان الحزب الشيوعي السوداني حزبًا “غرامشيًا” بهذا المعنى؟

لقد تأسس الحزب في أربعينيات القرن الماضي داخل مشهد طبقي معقد، حيث لم تكن هناك بروليتاريا صناعية بالمعنى الأوروبي، بل كان هناك عمال السكة حديد، مزارعو الجزيرة، عمال الموانئ في بورتسودان، الحرفيون في أزقة المدن النابتة من استعمار مترنح. هذه كانت “طبقته” التي حاول أن يستلهم منها شرعيته. في إضرابات 1946، في حركة نقابات العمال، في انتفاضة 1953 ضد مشاريع الاستقلال المشوهة، بدا أن الحزب يحفر عميقًا في بنية هذه الفئات، كأنما هو صوتها المتكلم، جسدها السياسي في العالم.

غير أن هذه العضوية لم تلبث أن انكسرت مع تعاقب التحولات السياسية. انقلاب 1958، قمع عبد الله خليل، عسكرة الدولة، إجهاض التجربة الديمقراطية الأولى، كلها دفعت الحزب إلى الدخول في شبكة معقدة من التحالفات والتناقضات، بين الاشتباك مع القوى الديمقراطية المدنية من جهة، والتصعيد الثوري ضد الطغمة العسكرية من جهة أخرى.
ثم جاءت ثورة أكتوبر 1964 لتعيده إلى قلب المشهد، لاعبًا رئيسيًا، مهندسًا للإضرابات، شريكًا في تكوين حكومة سر الختم الخليفة، ثم فجأة، مأزومًا بمسألة الاندماج مع القوى “البرجوازية الصغيرة”، عالقًا بين تكتيكات اللحظة ومبادئ النظرية، بين التحالف مع القوى الصاعدة والخوف من الذوبان في تناقضاتها.

ولم يكن هذا سوى التمهيد لأكبر اختبار وجودي للحزب: انقلاب نميري 1969، الذي بدا في لحظاته الأولى كأنه انتصار للبرنامج اليساري، لكنه لم يلبث أن تحول إلى مأساة سياسية، خاصة بعد تصفية الحزب عقب انقلاب 1971 الفاشل بقيادة هاشم العطا، الذي انتهى بإعدامات عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وسلسلة طويلة من التصفيات السياسية التي أطاحت ليس فقط بالكوادر، بل بالأسس البنيوية للارتباط بالطبقة العاملة. بعد هذا، لم يعد الحزب كما كان.

فقد الحزب، في تلك اللحظة، ليس فقط قياداته التاريخية، بل علاقته الحقيقية بالشارع. عاد إلى العمل السري، لكنه عاد مثقلًا بأزمة هوية: هل هو حزب ثوري يسعى لقلب النظام، أم حزب إصلاحي يتفاوض مع البنية القائمة؟
في انتفاضة أبريل 1985، لعب الحزب دورًا رئيسيًا في الحراك الجماهيري، لكنه كان قد بدأ يفقد صلته العضوية بقاعدته التقليدية. لقد كان الحراك الشعبي أوسع من الحزب، وكانت النقابات أكثر ديناميكية من قيادته، وكانت القوى الجديدة في الشارع تتحرك بمنطق مختلف عن منطق بيانات اللجنة المركزية.

ثم جاءت الإنقاذ في 1989 لتكمل ما بدأته ضربة 1971، إذ عمدت الجبهة الإسلامية إلى تفكيك كل ما تبقى من القاعدة الاجتماعية التي كان الحزب يستند إليها. ضربت النقابات، خصخصت مشروع الجزيرة، أضعفت العمال، جعلت الاقتصاد رهينًا لطبقة طفيلية جديدة من رجال الأعمال الإسلاميين. وجد الحزب نفسه أمام مجتمع جديد، لا يشبه ذلك المجتمع الذي تأسس فيه.

لكن، وهنا المفارقة، لم يستطع الحزب أن يعيد إنتاج نفسه ليستوعب هذا التحول. ظل متمترسًا في سردياته القديمة، في لغة خشبية لا تزال تتحدث عن “الطبقة العاملة” في سياق أصبح فيه معظم العمال مجرد أفراد معزولين بلا نقابات، بلا حركة، بلا هوية سياسية واضحة. هنا، برزت فجوة هائلة بين خطابه وبين الواقع، بين تصوراته النظرية والمجتمع الذي كان يفترض أن يمثل صوته السياسي.

ثم جاءت موجة الثورة من جديد في ديسمبر 2018، لكن هذه المرة لم يكن الحزب هو الفاعل الرئيسي. كانت لجان المقاومة، شباب غير مؤطر في الأحزاب التقليدية، تنظيمات لامركزية، احتجاجات لا تخضع لمنطق الحزب الهرمي الصارم. كان الحزب داعمًا، لكنه لم يكن قائدًا. وحين سقط البشير، وبدأت المرحلة الانتقالية، دخل الحزب في معركة جديدة: هل يشارك في السلطة، أم يظل في موقع المعارضة؟ اختار المعارضة، لكن هذه المعارضة جاءت في كثير من الأحيان على حساب الفاعلية السياسية. رفض الحزب المشاركة في حكومات ما بعد الثورة، لكنه أيضًا لم يقدم بديلًا عمليًا واضحًا، بل بقي في موقع المراقب الناقد، العاجز عن التأثير المباشر.

وإنني إذ أتناول تاريخ الحزب بالنقد، لا أنطلق من موقع عابث، بل من إيماني بأن النقد—في جوهره—ليس إلّا فعل حبٍّ شديد التطلّب، لا يرضى بما هو قائم لأنه يؤمن بإمكان ما يجب أن يكون.

في ظل هذا كله، لم يكن غريبًا أن تتكرر الانقسامات داخل الحزب. منذ انشقاق 1970 الذي قاده أحمد سليمان، وحتى الخلافات اللاحقة التي شهدها الحزب بين تيارات ترى ضرورة الانفتاح السياسي والتحديث الفكري، وأخرى تتمسك بالأرثوذكسية الماركسية. هذه الانقسامات لم تكن مجرد خلافات حول التكتيك، بل كانت تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة، عن غياب القدرة على تجاوز الزمنية المتأخرة، عن العجز عن إعادة التشكّل في ظل واقع لم يعد يحتمل الأحزاب المركزية الصارمة.

إذن، هل لا يزال الحزب الشيوعي السوداني حزبًا عضويًا؟
يبدو أن السؤال قد تجاوزه الزمن، إذ لم يعد هناك سياق يسمح بوجود حزب عضوي بالمعنى الغرامشي الكلاسيكي. لكن الأهم من ذلك: هل يستطيع الحزب أن يعيد اختراع نفسه ليكون جزءًا من الحراك الثوري الجديد؟ أم أنه سيظل حبيس لغته، تاريخه، إيقاعه البطيء، حتى يصبح مجرد أثر سياسي من زمن آخر؟

السؤال مفتوح، والإجابة لم تعد بيد الحزب وحده، بل بيد الزمن ذاته، وبيد تلك الجماهير التي طالما ادعى أنه يمثلها، لكنها الآن تتحرك بدونه، تتجاوز مواقفه، وتعيد رسم الخرائط السياسية بطرق لم يعد قادرًا على فهمها.

zoolsaay@yahoo.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الحزب الشیوعی السودانی کان الحزب الحزب ا لم یعد لم یکن

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • الخارجية البريطانية: قطاع غزة لا يزال يواجه مستويات أزمة في الأمن الغذائي
  • عتب على شخصية درزية
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • أزمة الخس في أمريكا.. لماذا لا يزال التحذير قائما رغم الخطأ المخبري؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • الشحاتي: حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي
  • تركيا.. أول استقالة بالهرم القيادي في حزب الشعب الجمهوري