تتنوع مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم في مصر، حيث تزين الفوانيس والأضواء المنازل والساحات، وتصنع الحلويات الخاصة برمضان، لتضفي أجواءً من البهجة الخالصة. وبالنسبة للنساء، فإن الفرحة الرمضانية تتجسد في ارتداء العباءة، التي أصبحت جزءًا لا غنى عنه من أمسيات الشهر الفضيل. هذا الزي الرمضاني، الذي لاقى رواجًا لدى المصريات من مختلف الفئات، يتفاوت في خاماته وتصاميمه وأسعاره، لكنه يحمل في طياته ذات الشعور الخاص بفرحة ثلاثين يومًا لا تتكرر سوى مرة واحدة في العام.

الثوب الفلسطيني

العباءة الرمضانية، التي ظهرت قبل سنوات، تتغير سنويًا وفقًا للموضة، لكنها تظل محافظة على طابعها الفلكلوري، إذ تعكس هوية المصريين بتطريزات نوبية أو فرعونية أو بدوية. ومع دخول العبايات الخليجية والقفطان المغربي والزي التونسي والجزائري إلى السوق المصري، ظل "الثوب الفلسطيني" الأكثر انتشارًا لدى النساء خلال رمضان.

كنوع من التضامن مع غزة، برز الثوب الفلسطيني في رمضان 2024 كشكل من أشكال الدعم المعنوي، إلى جانب الكوفية والعلم وخريطة فلسطين التي أصبحت إكسسوارات يرتديها الرجال والنساء. لكن في رمضان 2025، تحول من رمز تضامني إلى موضة اكتسحت سوق العبايات الرمضانية، متفوقًا على القفطان المغربي، الذي شهد رواجًا في العامين الماضيين. وساهمت هجرة العديد من أهل غزة إلى القاهرة في انتشاره، حيث تخصص بعضهم في تصميمه وتفصيله وبيعه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

إعلان الثوب الفلسطيني.. من رمز تضامن إلى موضة متجذرة

عبر مجموعة خاصة بالجالية الفلسطينية في القاهرة، نشرت هالة فؤاد، 32 عامًا، إعلانًا عن بيع الثوب الفلسطيني، وهو المشروع الذي بدأته قبل عامين في مصر. لم تكن هالة قد جاءت بسبب الحرب؛ بل سبق وجودها في القاهرة أحداث غزة بعامين، حيث تزوجت من مصري واستقرت معه قبل 20 شهرًا من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. لقاؤهما الأول كان ضمن فرق الكشافة الدولية، ثم جاءت إلى القاهرة برفقة والدتها في رحلة علاج، قبل أن تعود الأم وحدها إلى غزة، بينما بقيت هالة زوجة وأمًا لطفلين.

"كل شيء أصبح فلسطينيًا"، هكذا تصف هالة التحول الذي شهدته الأسواق بعد الحرب. ففي حين أغلقت الحرب أبواب الرزق داخل غزة، فتحت أبوابًا جديدة للفلسطينيين في الخارج، حيث أصبح كل ما يرمز إلى الأرض المقدسة مطلوبًا بكثرة، من العلم والكوفية إلى الخريطة الفلسطينية. لكن الثوب الفلسطيني كان الأكثر رواجًا، ليصبح مصدر دخل أساسي لها ولأسرتها.

تقول هالة: "الفكرة كانت لزوجي، عماد عبد الرحمن، الذي ساعدني على إنشاء صفحة المشروع، تسويقها، والتعامل مع التجار والزبائن من مختلف الجنسيات. فالأمر لم يقتصر على المصريين أو الفلسطينيين المقيمين في مصر، بل امتد ليشمل جنسيات أخرى أيضًا".

مشروع فلسطيني في القاهرة

تختار هالة التصاميم من التراث الفلسطيني المعروف عالميا، فكل قطعة فيه تروي تاريخ بلدة، من يافا أو غزة، أو نابلس، أو جنين، تقول هالة للجزيرة نت، "الثوب الفلسطيني يحمل تاريخ كل بلدة، ونجحت في الحصول على صفقة من الأقمشة الفلسطينية المطرزة بتصاميم خاصة من غزة في رمضان الماضي، لكن هذا العام وبعد إغلاق المعبر، اتفقت مع مصانع في مصر تصنع الأثواب الفلسطينية بخامات وجودة عالية".

توضح هالة، أن الطلب على الثوب الفلسطيني خلال رمضان يتضاعف تضاعفا ملحوظا مقارنة بالأيام العادية، خاصة من المصريات، اللاتي يقبلن عليه بمختلف الألوان والتصاميم، بغض النظر عن رمزيته، فالأهم بالنسبة لهن هو كونه زيًا فلسطينيًا. أما بالنسبة للفلسطينيات المقيمات في القاهرة، فالأمر مختلف؛ فالثوب بالنسبة لهن "فخر وعزة.. وقطعة تراثية لا غنى عنها، تحمل هويتهن الفلسطينية".

إعلان

وتشير هالة إلى أن الثوب الفلسطيني المصنوع يدويًا، الذي يحاكي تصاميم تقليدية معينة، يكون أغلى ثمنًا، فقد يصل سعره إلى 5 آلاف جنيه (99 دولارا أميركيا)، في حين تتراوح أسعار الأثواب العادية بين 1000 و2500 جنيه (19.8-49.5 دولارا أميركيا).

الثوب يحمل رسالة "إنّا باقون"

كما يحمل كل ما يرتبط باسم فلسطين معنى وقيمة، كذلك يحتفظ الثوب الفلسطيني برمزية عميقة. تقول هالة لـ"الجزيرة نت": "الأثواب الفلسطينية ليست مجرد زينة تحتفظ بها النساء في خزائنهن، بل هي إرث تنتقل عبر الأجيال، لتحمل القضية في وجدان بناتنا، وتؤكد أننا باقون على هذه الأرض مهما طال الزمن".

ورغم، أن العودة إلى غزة قد لا تكون قريبة بسبب الظروف الصعبة، خاصة مع رعاية طفليها الصغيرين، تحرص هالة على نقل حكايات مدينتها لهما. تخبرهما دومًا عن المدينة التي لا تُقهر، وعن الوطن الذي سيكون لهما يومًا ما، وطن يحمل الثوب الفلسطيني تاريخه، وتحفظ الأرض قصته.

تعيش الشيف الفلسطينية، أمل عمران، في مصر منذ سبع سنوات، وكانت تحرص خلال زياراتها السنوية لأهلها في غزة على جلب أثواب تقليدية ترتديها في شهر رمضان، إلا أن الحرب حالت دون تلك الزيارات، وحرمتها من عادة استقبالها الشهر بثوب فلسطيني جديد. ومع تزايد انتشار الأزياء الفلسطينية في القاهرة بفضل القادمين من غزة بعد الحرب، تمكنت أمل من اقتناء ثلاثة أثواب جديدة من داخل مصر، تحمل النقوش ذاتها التي تعكس تراث غزة. وتقول: "اشتريت ثلاثة أثواب من القاهرة، رغم اعتيادي سابقًا على شرائها من غزة، والثوب المصنوع هنا لا يختلف إطلاقًا عن نظيره في بلادي".

وتوضح أمل، في حديثها للجزيرة نت، أن هناك نوعين من الثوب الفلسطيني يُصنعان في مصر: أحدهما مطرز يدويًا، والآخر باستخدام الماكينات. ورغم تطابق التصاميم والألوان، إلا أن الفارق يظهر في الخامة ودقة الصنعة، ما ينعكس على السعر، إذ يصل ثمن المصنوع يدويًا إلى ضعف سعر العادي.

إعلان

وتضيف أمل، البالغة من العمر 47 عامًا، أنها قد لا تتمكن من العودة قريبًا إلى غزة، إلا أنها لا تفارق ثوب وطنها، الذي تراه وسيلة لرواية حكاية الأرض والشعب الذي لا يُقهر، وتؤكد أن الوطن باقٍ في عقلها وقلبها، وفي زيٍّ يحكي تاريخه وتحفظ الأرض قصته.

أما علياء عبد الله، 37 عامًا، فترى في الثوب الفلسطيني رمزًا للفخامة والبساطة في آن واحد. وقد اشترت ثوبها من أحد المعارض في حي التجمع الخامس بالقاهرة، وتقول: "الثوب الفلسطيني بسيط وغير مكلف، ويجمع بين التراث القريب من قلوب المصريين وسعره المعقول مقارنة بالثياب الخليجية أو المغربية المنتشرة في رمضان. أشعر بالفخر كلما ارتديته، والجميع يسألني عن نقوشه ومعانيها ومكان شرائه… إنه يمنحني إحساسًا لا يشبهه أي زي آخر، مهما غلا ثمنه".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات الثوب الفلسطینی فی القاهرة فلسطینی ا فی رمضان فی مصر

إقرأ أيضاً:

«أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل

صدر في مصر كتاب جديد بعنوان «أنا وياسر عرفات» للكاتب الصحفي المصري أسامة شرشر، يقدم شهادة تجمع بين الذاكرة الصحفية والتوثيق السياسي حول حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعروف بلقب «أبو عمار»، ومسيرته التي ارتبطت لعقود طويلة بتاريخ القضية الفلسطينية والنضال العربي.

ويأتي صدور الكتاب في مرحلة حساسة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل تحديات سياسية وإنسانية متصاعدة، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ فلسطين الحديث، من خلال رواية تعتمد على شهادات وذكريات مباشرة للكاتب مع الزعيم الفلسطيني الراحل.

ويستند الكتاب إلى سلسلة من اللقاءات والحوارات التي أجراها أسامة شرشر مع ياسر عرفات خلال سنوات من التواصل بينهما، ما يمنح القارئ فرصة للتعرف على جوانب مختلفة من شخصية أبو عمار بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي، ومن خلال رؤية صحفي عايش جزءًا من تجربته السياسية والإنسانية.

ولا يكتفي الكتاب بعرض المحطات العامة في حياة ياسر عرفات، بل يتتبع مراحل متعددة من مسيرته، بداية من تشكل وعيه الوطني والسياسي، مرورًا بفترات الكفاح الفلسطيني والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وصولًا إلى المرحلة التي شهدت مفاوضات السلام والتحديات السياسية المعقدة التي أحاطت بدوره.

ويخصص «أنا وياسر عرفات» مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين الزعيم الفلسطيني ومصر، إذ يؤكد مؤلف الكتاب أن القاهرة شكلت محطة محورية في حياة أبو عمار، وأسهمت خلال مراحل مبكرة من حياته في تشكيل رؤيته الوطنية والسياسية وعلاقته بالقضية الفلسطينية.

ويرى أسامة شرشر أن الدور المصري كان حاضرًا بشكل أساسي في مسيرة ياسر عرفات، نظرًا للمكانة التي احتلتها مصر تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية، وكونها إحدى أبرز الدول العربية التي لعبت أدوارًا سياسية في مراحل الصراع المختلفة ومسارات التفاوض.

ويقدم الكتاب قراءة تجمع بين السيرة الشخصية والتاريخ السياسي، حيث يتناول جوانب من شخصية أبو عمار، وطريقة تعامله مع الأحداث الكبرى، ورؤيته للتطورات التي أثرت على مسار القضية الفلسطينية والمنطقة العربية.

كما يناقش الكتاب عددًا من القرارات والمنعطفات السياسية المرتبطة بمسيرة ياسر عرفات، محاولًا وضعها في سياقها التاريخي والإقليمي والدولي، بعيدًا عن تقديم تجربة الزعيم الفلسطيني من زاوية واحدة أو اختزالها في رواية منفردة.

ويظهر ياسر عرفات في صفحات الكتاب باعتباره شخصية سياسية تركت أثرًا واسعًا في تاريخ القرن العشرين، إذ ارتبط اسمه بمراحل طويلة من النضال الفلسطيني، وبأحداث سياسية شكلت مسار الصراع العربي الإسرائيلي لعقود.

ويأتي إصدار «أنا وياسر عرفات» ضمن محاولات توثيق الذاكرة السياسية العربية عبر شهادات شخصيات صحفية وإعلامية اقتربت من القادة وصناع القرار، حيث لا يقدم الكتاب مجرد سيرة شخصية لأبو عمار، بل يسعى إلى قراءة مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين والمنطقة من خلال علاقة صحفي مصري بأحد أبرز رموز القضية الفلسطينية.

ويطرح الكتاب تساؤلات حول كيفية قراءة تجربة ياسر عرفات بعد سنوات من رحيله، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية والعالم العربي، مقدمًا شهادات وذكريات تسلط الضوء على شخصية أبو عمار وإرثه السياسي والنضالي.

هذا ويعد ياسر عرفات، الذي توفي عام 2004، من أبرز القادة الفلسطينيين في العصر الحديث، إذ قاد منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، وكان حاضرًا في العديد من المحطات السياسية والعسكرية التي شكلت تاريخ القضية الفلسطينية.

كما لعبت مصر دورًا محوريًا في مختلف مراحل القضية الفلسطينية، سواء عبر الدعم السياسي أو المشاركة في مسارات التفاوض والسلام.

مقالات مشابهة

  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • فرج عامر: بن رمضان ينتقل إلى الشمال القطري.. والأهلي لن يمانع بشرط
  • أمسية استثنائية بالأوبرا ضمن ليالي مهرجانها الصيفي 2026
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: مؤتمر القدس بالقاهرة جاء لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: إسرائيل تعطل تنفيذ خطة ترامب للسلام
  • رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • ثراء جبيل : ابتعدت عن رمضان بسبب الأمومة و ضغوط استعادة الوزن بعد الولادة قاسية على النساء
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • «أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل