لجريدة عمان:
2026-07-24@16:16:27 GMT

كل رجال الباشا

تاريخ النشر: 1st, April 2025 GMT

يقدم خالد فهمي فـي كتابه «كل رجال الباشا» بحثًا فاحصًا ودقيقًا فـي الإيمان بكون محمد علي باشا الذي حكم مصر منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصفه تقريبًا يعتبر باني مصر الحديثة، ومن بين الإنجازات التي قدمها تأسيس الجيش المصري الذي كان منظمًا على نحو عسكري فاق التنظيم العسكري لجيش سلطان الإمبراطورية العثمانية الذي لم يكن الباشا إلا وكيلًا عنها فـي حكمه على مصر والذي يُجدد له كل عام، كما اتبع خطى أهم جيوش العالم تنظيمًا، تحديدًا الجيش الفرنسي الذي دخل مصر مع حملة نابليون الذي تأثر به الباشا كثيرًا.

يقتفـي فهمي فـي بحثه هذا أدبيات مدرسة التابع التاريخية التي نشأت مع مجموعة من المثقفـين فـي الهند التي اخترعت تقاليد فـي كتابة التاريخ ونقده، بالإضافة لاعتمادها على الهامش وأصوات المهمشين فـي كتابة التاريخ، أي أن التاريخ لا يتحرك بالضرورة من الأعلى «رأس الهرم» بل من الأسفل. وبهذا فإن خالد فهمي لا يبحث فـي مرحلة محمد علي باشا عبر الكتب والسرديات التي سمح بها الباشا لتقديم صورته للعامة، ولا بالطريقة التي كتبَ فـيها الرحالة والمستشرقون الذي استضافهم بنفسه فـي بلاطه. ولا الطريقة التي عبرَ فـيها عن فترة حكمه لمصر علانية. بل يذهب فهمي ليكون «جنديًا» متخيلًا، والجندي هو المرتبة الأدنى فـي تنظيم الجيش، ممن كونوا جيش محمد علي باشا، الذي حارب الوهابية فـي الحجاز، وحارب عن العثمانيين فـي السودان وفـي قبرص، كما خاض حربًا ضد العثمانيين أنفسهم فـي سوريا التي يُعدها الحدث الأهم والأبرز فـي تاريخ جيشه خصوصًا بعد حصارهم لقلعة عكا قبل استسلامها لهم.

تدعيّ سردية «باني ومؤسس مصر الحديثة» أن محمد علي باشا حكم مصر بهدف استقلالها عن الدولة العثمانية، وبأنه رأى فـي مصر خصوصية كونت «الشعور القومي» بالانتماء لمصر، وذلك عبر الجيش الذي وضع حدودًا للهوية الوطنية المصرية، وقدم للعامة فرصة للدفاع عما سيعرُف أنه وطنهم الأوحد، الذي يشتركون مع من فـيه على مُثل وطموحات وحياة ومصير واحد. الأمر الذي حدث بعد الثورة الفرنسية للفرنسيين، فما الذي يعنيه حقًا أن تكون فرنسيًا؟ أو تكون مصريًا فـي هذه الحالة. كما تدعي أنه تمكن وبحكمة منه من تأسيس جيش عظيم ومنظم، يعتمد على كل الاستراتيجيات الحديثة فـي تكوين الجيش النظامي بل وتتفوق على تلك القادمة من أوروبا.

إلا أن ما تسكت عنه هذه السردية: أولا الحملات التي خرجت بأمر من علي باشا لاختطاف العبيد من السودان بهدف تجنيدهم، والرحلة التي قطعوها مكدسين فـي سفن عبر البحر، لينفق كثير منهم لعدم احتمالاهم ظروف «شحنهم» غير الآدمية، أو لعدم تحملهم الحياة بعد وصولهم بهدف تأسيس الجيش المصري، وبعد فشل هذه الحملة فـي أن تغطي تكاليف تشغيلها إذ إن المحصلة النهائية أكدت أن خسارة محمد علي باشا وحملته فاقت بكثير النتيجة التي توصلت إليها فـي العدد الذي حصدته من رؤوس العبيد فـي السودان اتخذ طريقًا آخر. إذ لم يثنِ هذا من عزيمة محمد علي باشا فـي إنشاء الجيش الأعظم، وبما أن الفلاحين ما كان بالإمكان أن يلتحقوا بجيشه فقد قام باختطافهم من أراضيهم وعائلاتهم. وفـي عمليات الخطف هذه، عمل على تكريس استراتيجيات تجبرهم على الامتثال لأوامره، بحيث تعيد هذه الاستراتيجيات إنتاج نفسها فـي كل مرة بما يضمن سير عملية الضبط هذه على نحو سلس فـي المرات القادمة. ويقدم لنا فهمي عبر هذه الدراسة كل هذه الاستراتيجيات مثل وشم أذرع الفلاحين ممن حاولوا الهرب وصولًا للقوة غير النظامية التي كانت تقف وراء جيشه لقتل كل من تسول له نفسه الانسحاب من المعركة. ويعتمد فهمي على مطابقة هذه الاستراتيجيات مع ما طرحه ميشيل فوكو فـي كتابه «المراقبة والمعاقبة».

عبر كل هذه القصص التي نعرف من خلالها كيف كون محمد علي باشا جيشه العظيم، نشاهد فـي المقابل الطرق التي اخترعها الفلاحون للمقاومة. إذ تؤكد دراسات ما بعد الاستعمار أن المقاومة لها أشكال عديدة مستمرة وهي من جنس السلطة، وفـي حالة الفلاحين فلقد تسببوا فـي عاهات جسدية لأنفسهم إن تطلب الأمر لاستبعادهم من الجيش. فبعد أن هربوا بعائلاتهم من قراهم وأراضيهم فور وصول شائعات اقتراب جيش محمد علي - المكون من «الألبان» الذي سيكون لهم حظوة بتسيدهم على الفلاحين ـ وصولًا لمن تسبب بالعمى لنفسه لكي لا يتم تجنيده، أو قطع أصابعه، أو أحد أطرافه إن تطلب الأمر. استمر الفلاحون قبل لحظة تجنيدهم وأثنائها بخلق أساليب مقاومة تبرهن على أنهم لم يقبلوا مشروع علي باشا وطريقته فـي إثبات نفسه.

ولا يتعلق الأمر بقصص هؤلاء الفلاحين التي تثبت تعنت واستبداد ووحشية محمد علي باشا فحسب، بل تبرهن قصص أخرى على ما اعتبره صالحًا قوميًا لم يكن إلا تحقيقًا لمصالحه الشخصية، ورغبته فـي التوسع أولًا، وفـي تعيينه رسميًا واليًا أبديًا على مصر، إذ كان السلطان يُجدد له كل سنة حكمه عليها، كما طالب محمد علي باشا بأن يكون حكم مصر فـي سلالته وحدها!، وكان يُحس بعظمته هو نفسه كسليل عثماني فـي مقابل العرب البرابرة الذين يحكمهم كما يعبر هو نفسه فـي أكثر من مناسبة استبعدتها السردية التي تقدمها السلطة.

يقدم لنا هذا الكتاب نموذجًا رائعًا فـي قراءة التاريخ عبر مدرسة التابع، ويمنحنا منظورًا نستبصر به المخفـي من السرديات الشائعة والمكرسة، وما تنطوي عليه من قصص قامت على أجساد المهمشين والضعفاء.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: محمد علی باشا

إقرأ أيضاً:

الجار الذي لا يخالط جيرانه

أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟

منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".

تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.

أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.

قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.

قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!

لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟

في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.

أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.

وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.

زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.

من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.

مقالات مشابهة

  • رئيس جمهورية الجبل الأسود وقرينته يزوران قلعة صلاح الدين الأيوبي
  • رئيس جمهورية الجبل الأسود وقرينته يزوران قلعة صلاح الدين وجامع محمد علي ومتحف قصر الجوهرة
  • مفاجأة جديدة في صفقة محمد صلاح.. ما الذي حدث داخل مفاوضات بشكتاش؟
  • وزير الخارجية يشارك في مائدة مستديرة مع كبار رجال الأعمال الفلبينيين وممثلي غرفة التجارة والصناعة الفلبينية
  • التواتي: لصوص المال العام سيقولون لنا شركة الكهرباء فاشلة لأنها عامة ويجب خصخصتها
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه