“قاعدة دييغو غارسيا” العسكرية الأمريكية.. كيف تستخدمُها واشنطن في العدوان على المنطقة؟
تاريخ النشر: 5th, April 2025 GMT
تُعتبَرُ جزيرةُ دييغو غارسيا، أكبرَ جزر أرخبيل تشاغوس الواقعة في وسط المحيط الهندي، وتتميز بموقعٍ ذِي أهميّةٍ استراتيجية بالغة، حَيثُ تستضيف قاعدة عسكرية مشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي.
هذه الأهميّة الاستراتيجية جعلت قاعدة “دييغو غارسيا” العسكرية تلعب دورًا محوريًّا في العمليات العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط ومناطق أُخرى.
وسنستعرض في هذا التقرير أسباب إنشاء “قاعدة دييغو غارسيا” العسكرية وأهميتها الاستراتيجية، ودورها في الصراعات الإقليمية، وإمْكَانية استخدامها المستقبلية.
أسباب قيام قاعدة عسكرية في دييغو غارسيا:
جاء قرار إنشاء القاعدة في سياق الحرب الباردة وانسحاب بريطانيا العسكري التدريجي من شرق السويس، حَيثُ رات الولايات المتحدة ضرورة ملحة لإنشاء وجود عسكري في المحيط الهندي لمواجهة النفوذ السوفيتي المتزايد مثل التواجد في عدن وبربرة في الصومال، وضمان السيطرة الأمريكية على المنطقة، وحماية ممرات نقل النفط الحيوية من الشرق الأوسط.
قدمت دييغو غارسيا موقعًا مثاليًّا لعدة أسباب حسب رؤية المخطّطين الأمريكيين (مثل ستيوارت باربر ومفهومه عن الجزر الاستراتيجية):
1 – الموقع المعزول: بعيدة عن التهديدات المحتملة والتعقيدات السياسية المرتبطة بالقواعد في دول مأهولة.
2 – الأهميّة الجغرافية: موقعها المركزي في المحيط الهندي يوفر نقطة ارتكاز استراتيجية.
زادت أهميّة القاعدة بعد الأحداث الإقليمية في أواخر السبعينيات، مثل سقوط شاه إيران وأزمة الرهائن، والاجتياح السوفيتي لأفغانستان؛ مما دفع الولايات المتحدة إلى توسيع كبير للمنشآت لضمان تدفق النفط من الخليج.
الأهميّة الاستراتيجية والوظيفية للقاعدة:
تُعَدُّ دييغو غارسيا ذات أهميّة استراتيجية ووظيفية هائلة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حتى أنها تُلقَّبُ بـ “بصمة الحرية” لشكلها وموقعها.
تتميز جزيرة دييغو غارسيا بالموقع الجغرافي الفريد، حَيثُ تقع في وسط المحيط الهندي، مما يتيح الوصول السريع نسبيًّا إلى شرق إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وشمال غرب أستراليا، وتعتبر حاملة طائرات لا تغرق ونقطة ارتكاز محورية.
وتضمّ مطارًا به مدرجان متوازيان بطول 12,000 قدم (3,700 متر) وساحات واسعة لوقوف الطائرات، قادرة على استقبال وتشغيل قاذفات استراتيجية بعيدة المدى مثل B-52 وB-2 الشبح، بالإضافة إلى طائرات النقل والتزود بالوقود.
كما تحتوي الجزيرة على ميناء ذي مياه عميقة ومرسى واسع قادر على استيعاب أكبر السفن الحربية والغواصات وحاملات الطائرات في الأسطولين الأمريكي والبريطاني.
توفر القاعدة دعمًا لوجستيًّا شاملًا للقوات المنتشرة في المحيط الهندي والخليج العربي، بما في ذلك التزود بالوقود (تمتلك سعة تخزين ضخمة تبلغ 1.34 مليون برميل)، والصيانة، والتخزين المسبق للعتاد، ومرفق إسكان الآلاف من الأفراد.
تستضيف القاعدة سفن “سرب الدعم البحري المسبق الثاني” التابع للبحرية الأمريكية المحملة بمعدات تكفي لدعم قوة كبيرة من المارينز (دبابات، ناقلات جند مدرعة، ذخيرة، مستشفى ميداني متنقل) لمدة 30 يومًا.
تضم القاعدة منشآت اتصالات متقدمة مثل محطة الاتصالات والحوسبة البحرية، ومحطة نظام اتصالات عالمي عالي التردّد، ومرافق للمراقبة الفضائية مثل GEODSS التابع للقوة الفضائية الأمريكية، وكانت سابقًا مقرًّا لوحدة أمن بحرية متخصصة في استخبارات الإشارات، كما تعمل القاعدة كمركز انطلاق وتجمع وإعادة تموين للقوات قبل وأثناء العمليات العسكرية في المنطقة
دور القاعدة في حروب منطقة غرب آسيا:
لعبت قاعدة دييغو غارسيا دورًا حاسمًا كنقطة انطلاق ودعم لوجستي رئيسي في العديد من الصراعات والعمليات العسكرية الأمريكية في غرب آسيا وآسيا الوسطى:
حرب الخليج 1991: كانت مركزًا هامًا لنشر القاذفات ودعم العمليات ضد العراق بعد غزوه للكويت، وتم استخدام المعدات المخزنة مسبقًا على سفن لدعم القوات البرية.
عملية ثعلب الصحراء 1998: استخدمت كقاعدة لشن ضربات جوية على العراق.
عملية الحرية الدائمة في أفغانستان بدءًا من 2001: كانت نقطة الانطلاق الرئيسية للقاذفات الاستراتيجية (B-52، B-1B، B-2) التي شنت آلاف الغارات الجوية على أفغانستان، واستضافت أَيْـضًا قوات من دول حليفة مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.
عملية حرية العراق بدءًا من 2003: استمر دورها كقاعدة جوية وبحرية حيوية لدعم العمليات العسكرية في العراق.
الحملات ضد داعش: واصلت القاعدة تقديم الدعم الجوي واللوجستي للعمليات ضد التنظيم في العراق وسوريا.
باختصار، وفرت القاعدة منصة آمنة وبعيدة المدى ومجهزة تجهيزًا عاليًا مكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط قواتها الجوية والبحرية في مناطق الصراع بالشرق الأوسط بكفاءة وفعالية.
كيف يمكن استخدام القاعدة ضد إيران واليمن؟
بناءً على موقعها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية، يمكن استخدام قاعدة دييغو غارسيا ضد إيران واليمن بعدة طرق، أهمها:
1 – نقطة انطلاق للضربات الجوية بعيدة المدى: مدرجاتها الطويلة وقدرتها على استيعاب القاذفات الاستراتيجية (B-52، B-1B، B-2) تجعلها مثالية لشن غارات جوية دقيقة أَو واسعة النطاق على أهداف في إيران أَو اليمن، متجاوزة الحاجة لقواعد أقرب قد تكون أكثر عرضة للخطر أَو للقيود السياسية، ويمكن أَيْـضًا إطلاق طائرات بدون طيار متطورة منها للمراقبة أَو الهجوم.
2 – دعم العمليات البحرية: ميناؤها العميق يمكن أن يدعم عمليات الأسطول الأمريكي في بحر العرب والخليج والبحر الأحمر، بما في ذلك حاملات الطائرات والغواصات والسفن الحربية الأُخرى المشاركة في مهام المراقبة أَو الحصار المحتمل أَو العمليات الهجومية ضد أهداف بحرية أَو ساحلية إيرانية أَو يمنية.
3 – مركز لوجستي ودعم متقدم: يمكن استخدامها كمركز رئيسي للتزود بالوقود وإعادة التموين والصيانة للقوات الجوية والبحرية المشاركة في أي صراع محتمل، مما يزيد من قدرتها على البقاء والاستمرار في العمليات لفترات طويلة.
4 – جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة: منشآتها المتقدمة للاتصالات والمراقبة (بما فيها الأقمار الصناعية والاتصالات عالية التردّد) يمكن أن تلعبَ دورًا في جمع المعلومات الاستخباراتية الحيوية عن تحَرّكات وقدرات إيران واليمن.
5 – مِنصة للعمليات الخَاصَّة: موقعها المنعزل وقدراتها الجوية والبحرية تجعلها نقطة انطلاق أَو دعم محتملة لعمليات القوات الخَاصَّة.
تظل دييغو غارسيا موقعًا استراتيجيًّا لا يُقدّر بثمن للولايات المتحدة والمملكة المتحدة في المحيط الهندي، وتوفر قدرات عسكرية هائلة للانتشار والعمليات في مناطق حيوية كمنطقة غرب آسيا.
وتستخدم الولايات المتحدة في “قاعدة دييغو غارسيا” مركز اتصالاتها لرصد حركة الأسطول السوفييتي في منطقة المحيط الهندي، بعد أن أصبح ذلك الأسطول الأكبر من حَيثُ الكم في تلك المنطقة في العام 1975، وقادرًا على الإفادة من التسهيلات البحرية في عدن، و”فيز أخا باتنام” (في الهند) وسقطرى (عند مدخل البحر الأحمر)، والصومال. كما أنها تستخدم القاعدة لرصد تجارب الصواريخ التي تقوم بها الصين الشعبيّة في المحيط الهندي. وفي الوقت نفسه، فَــإنَّ المحيط الهندي يعد من المناطق التي يمكن منها للصواريخ التي تُطلق من الغواصات أن تضرب أهدافًا صناعية في قلب الاتّحاد السوفييتي أَو الصين الشعبيّة،؛ الأمر الذي يعطي قاعدة دييغو غارسيا أهميّة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة.
ولقد زادت أهميّة القاعدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة -والغرب عُمُـومًا- بعد إعادة فتح قناة السويس للملاحة في العام 1975م؛ نظرًا لأَنَّ فتح القناة جعل من السهل على الأسطول السوفييتي الانتقال بسرعة كبيرة من البحرين الأسود والأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي. وزاد من أهميّة القاعدة كذلك تنامي أهميّة الخليج العربي كمصدر حيوي للطاقة، وضرورة مراقبة منابع النفط وطرق إيصاله إلى الغرب.
* المصدر/ مركز الاتّحاد للدراسات والتطوير
المسيرة
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: قاعدة دییغو غارسیا العملیات العسکریة الولایات المتحدة فی المحیط الهندی أهمی ة مرکز ا
إقرأ أيضاً:
تحليل: إيران تستخدم مضيق هرمز كسلاح.. ومشاريع جيرانها تتجاوزه
(CNN)-- غالبًا ما تنتهي الحروب في مكان مختلف عن المكان الذي تبدأ فيه.
واجه الصراع الحالي مع إيران أهدافا غير محددة ومتغيرة، بدءا من التطلعات لتغيير النظام ووصولا إلى أهداف أكثر تركيزا تتمثل في تقويض القدرات النووية والعسكرية الإيرانية.
وبعد مرور 6 أشهر تقريباً، تحول الأمر إلى شيء مختلف تماما: صراع حول من يسيطر على مضيق هرمز، الذي يعتبر أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. لقد أثبتت إيران امتلاكها كل من القدرة والاستعداد لاستهداف السفن التجارية التي تمر عبر المضيق، ما لم يتم ذلك بموجب القواعد التي تحددها طهران.
ورأت الولايات المتحدة - ومعها معظم دول العالم، بما في ذلك جميع دول الخليج المطلة على المضيق - أن هذا الأمر غير مقبول.
إن الهدف الاستراتيجي يتركز الآن بشكل متزايد حول قضية واحدة: هل سيظل مضيق هرمز ممراً مائياً دولياً، أم ستمتلك إيران القدرة على تحديد من يمر عبره وتحت أي شروط؟ إن التنازل عن السيطرة لإيران يعني منح نظامها عشرات المليارات من الدولارات سنويا كرسوم للعبور، والقدرة على التحكم في تدفقات الطاقة إلى بقية العالم، حيث ستصبح إيران فعليا المسيطر على (صمام التحكم) في الاقتصاد العالمي.
على المدى القصير: الأفضلية لإيران
لا تقوم إيران بإغلاق المضيق فعليا، بل تطلق طائرات بدون طيار وصواريخ كروز على السفن المدنية. وهذا بحد ذاته كافٍ لشل حركة التجارة، ونسف افتراض ظل قائما لعقود: وهو أن مضيق هرمز سيظل ممراً دولياً حتى في أوقات الصراع. فعلى سبيل المثال، خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025- والتي شملت ضربات أمريكية على المنشآت النووية الإيرانية - ظل هرمز بعيدا عن أي تأثير.
لقد تداعت تلك القناعة الراسخة الآن، مما يفرض تحدياً هائلاً على الولايات المتحدة والعالم بأسره.
لقد خدمت في البيت الأبيض عندما استخدمت جماعة الحوثي - وهي وكيل لإيران - الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية الصنع لإغلاق البحر الأحمر، متبعة نفس التكتيكات في مضيق باب المندب. وقامت الولايات المتحدة ببناء تحالف وشنت حملة جوية لتقويض قدرات الحوثيين، لكننا لم نتمكن من اعتراض كل عملية إطلاق، أو استعادة ثقة شركات الشحن التجاري للعبور، ولم يتوقف الحوثيون عن إطلاق النار إلا بعد توصلهم إلى اتفاق مع واشنطن.