منتدى أنطاليا الدبلوماسي مبادرة تركية لتعزيز الحوار وحل الملفات الشائكة
تاريخ النشر: 12th, April 2025 GMT
منصة دولية تُعقد سنويا في أنطاليا برعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، انطلق لأول مرة عام 2021 بهدف تعزيز الحوار البنّاء بين الدول، عبر مناقشة أبرز التحديات العالمية في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا وتغير المناخ، ويُخصص لكل دورة شعار يُجسّد طبيعة التحديات الدولية الراهنة.
ويشكّل المنتدى توجها تركيا جديدا يسعى إلى هندسة دور فاعل ومتوازن لتركيا في النظام العالمي لترسيخ موقعها "قوة دبلوماسية وسطية"، تجمع بين الشرق والغرب، وتطرح نفسها وسيطا محتملا في ملفات شائكة على الساحة الدولية.
أُطلق منتدى أنطاليا الدبلوماسي عام 2021 بمبادرة من وزارة الخارجية التركية، بهدف طرح حلول للتحديات العالمية عبر الحوار المباشر والشامل وإعادة تشكيل السياسة الخارجية التركية لإعادة تعريف دورها دوليا، من خطاب سياسي أيديولوجي إلى نهج دبلوماسي واقعي.
وجاء تأسيس المنتدى في وقت حساس على المستويين الإقليمي والدولي، قبيل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وفي خضم أزمات متلاحقة مثل الحرب في ناغورني قره باغ والحرب الليبية وتوترات الشرق الأوسط.
خطوات سابقةلم يكن إطلاق المنتدى خطوة معزولة، بل سبقته سلسلة تحركات دبلوماسية إستراتيجية، أبرزها زيارة أردوغان إلى الإمارات العربية المتحدة، وأعقبها مباشرة زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أنقرة، في تطور فُسّر على أنه كسر للجمود الإقليمي ومحاولة تركيا إعادة تموضعها خارجيا.
كما شهدت مدينة أنطاليا، عشية انطلاق المنتدى، اجتماعا نادرا بين وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا، بهدف بحث سبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
سعى منتدى أنطاليا الدبلوماسي إلى تأسيس منصة حوار سنوية دولية تجمع نخبة من القادة والساسة والمفكرين والدبلوماسيين والأكاديميين ورجال الأعمال، لمناقشة القضايا الإقليمية والدولية من زاوية إستراتيجية، وطرح مقاربات عملية لحلول فعالة.
إعلانوأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في منتدى الانطلاقة عام 2021 أن المنتدى يشكّل مرحلة جديدة في ممارسات الدبلوماسية العالمية، إذ يوفر فضاء مفتوحا لتلاقي الأفكار والخبرات المتنوعة من مناطق جغرافية مختلفة، مع التركيز على تعزيز الحضور الأفريقي والآسيوي والأوروبي، انسجاما مع التحولات الديناميكية في النظام الدولي.
وأشار جاويش أوغلو إلى أن المنتدى يهدف إلى الدمج بين المبادئ الدبلوماسية التقليدية والأساليب المبتكرة، موضحا أن النسخة الأولى منه تضمنت 25 جلسة نقاشية تناولت أبرز التحديات العالمية.
ويهدف المنتدى لإعادة صياغة الخطاب التركي في الساحة الدولية عبر تعزيز الثقة، ودفع دور تركيا وسيطا، وتوسيع آفاق الشراكات، بعيدا عن الاعتماد الحصريّ على التحالفات التقليدية.
وعلى النقيض من الانتقادات السابقة التي وصفت السياسة الخارجية التركية بأنها "عثمانية جديدة" أو "محافظة أيديولوجيًا"، يقدّم المنتدى صورة أكثر تصالحية وبراغماتية لدور تركيا العالمي، في إطار "مبادرة أنطاليا".
ناقش المنتدى عبر نسخه المتتالية مجموعة من التحديات العالمية المتكررة التي تتصدر الأجندة الدولية، مثل:
تغير المناخ الأمن الغذائي الذكاء الاصطناعي الإرهاب الهجرة غير النظامية الاتجار بالبشر قضايا الصحة العالمية التنمية المستدامةوقد أظهر المنتدى مرونة في تناول هذه الملفات من زوايا متعددة، فبينما ركّزت نسخة 2021 على استشراف مقاربات إنسانية جامعة، أولت نسخة 2022 اهتماما بفرص التقارب الإقليمي، في حين عالجت نسخة 2024 تداعيات الأزمات المركبة كالحرب والاضطرابات الرقمية وتآكل الثقة بالنظام الدولي.
أما نسخة 2025، فجاءت في سياق تصاعد النزاعات، مركّزة على إعادة تفعيل الدبلوماسية أداة لمعالجة الانقسامات العالمية وتجاوز حالة الشلل السياسي.
إعلان المنتديات منتدى 2021انطلقت النسخة الأولى من المنتدى تحت شعار "الدبلوماسية المبتكرة: عصر جديد، مقاربات جديدة"، وجاء ذلك في لحظة إقليمية ودولية دقيقة، ترافقت مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتنامي الاستقطابات الدولية، وانعدام الثقة في النظام العالمي القائم.
أظهر برنامج المنتدى في نسخته الأولى توجّها تركيا مدروسا نحو الابتعاد عن القضايا السياسية الخلافية، خصوصا تلك المرتبطة بملفات الشرق الأوسط وآسيا التي طالما شكّلت نقاط توتر مزمنة في العلاقات الدولية.
وبدلا من ذلك، أولى المنتدى اهتماما لقضايا عالمية ذات طابع شمولي وإنساني، يُمكن أن تشكل أرضية مشتركة بين مختلف الدول والفاعلين.
وقد عكست هذه المحاور رغبة تركيا في تقديم المنتدى منصة لا تبحث فقط عن معالجة الأزمات، بل عن استشراف حلول إستراتيجية لبناء عالم أكثر استقرارا وتوازنا.
عبر هذا التوجه، أرادت أنقرة أن تؤسس لمرحلة جديدة من سياستها الخارجية، تُشبه إلى حد كبير ما عُرف بسياسة "بريطانيا العالمية"، عبر تبنّي رؤية أكثر شمولا، إذ خصص المنتدى اهتماما لافتا لمناطق غالبا ما كانت خارج دائرة الاهتمام التركي التقليدي، مثل أميركا اللاتينية وآسيا والمحيط الهادي وأفريقيا، في محاولة لإعادة توزيع الاهتمام السياسي والدبلوماسي التركي عالميا.
منتدى 2022شكّل حضور وزير خارجية أرمينيا في منتدى أنطاليا 2022 -تحت شعار "إعادة برمجة الدبلوماسية"- لحظة دبلوماسية فارقة، إذ أعلن رسميا عن بدء تطبيع العلاقات مع تركيا وفتح الحدود بين البلدين، وهو ما اعتُبر أحد أبرز إنجازات السياسة الخارجية التركية حينئذ، في سياق كسر الجليد بعد عقود من القطيعة.
كما شهد المنتدى مشاركة وزير خارجية بنغلاديش في جلسة بعنوان "آسيا الجديدة"، في دلالة واضحة على تحسّن العلاقات الثنائية بعد فترة من الفتور السياسي بين البلدين.
إعلانوعكست هذه المشاركة توجّه تركيا نحو استعادة التوازن في علاقاتها الآسيوية، وفتح صفحة جديدة من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي.
على غرار نسخة 2021، حافظ منتدى 2022 على الحياد تجاه القضايا الخلافية، وتجنّب الملفات الحساسة التي قد تثير توترا دبلوماسيا مع دول أو أطراف إقليمية، مفضّلا التركيز على قضايا عالمية شاملة يمكن أن تشكل أرضية مشتركة للنقاش والتعاون، كما تناول المحاور نفسها.
وفي إطار دعم التقارب الخليجي التركي، خُصّصت جلسة تحت عنوان "أرضيات مشتركة"، شارك فيها وزراء خارجية البحرين وفلسطين والجزائر والكويت. وناقشت الجلسة ملامح سياسة إقليمية جديدة تتجاوز مرحلة الاستقطاب، وتؤسس لمسارات تعاون مرن في منطقة الشرق الأوسط.
كما أولى المنتدى اهتماما خاصا مثل نسخته السابقة بمناطق كانت خارج اهتمام السياسة التركية، مثل أميركا اللاتينية وآسيا والمحيط الهادي وأفريقيا، في إشارة إلى سعي أنقرة لتنويع خرائط نفوذها وبناء شراكات متعددة خارج دوائرها الجيوسياسية المعتادة.
منتدى 2024كان من المقرر أن يُعقد منتدى التعاون الآسيوي لعام 2023 تحت عنوان "الدبلوماسية الفعالة من أجل السلام والنظام"، إلا أن الزلزالين المدمرين اللذين ضربا تركيا في السادس من فبراير/شباط عامئذ، واعتُبرا من أعنف الكوارث الطبيعية في القرن، أدّيا إلى تأجيل أعمال المنتدى.
وانطلقت النسخة المؤجلة عام 2024 بعنوان "تعزيز الدبلوماسية في أزمنة الاضطراب"، وشهدت حضورا لافتا، واستقطبت مشاركين من 147 دولة، بينهم 19 من قادة الدول والحكومات، واحتضنت أكثر من 50 جلسة نقاشية تناولت طيفا واسعا من القضايا السياسية والأمنية والتنموية.
وتمحور موضوع المنتدى حول الحاجة الماسة إلى إعادة التفكير في دور الدبلوماسية وسيلة سلمية للخروج من حالة الاضطراب التي يعيشها العالم، وقد ناقش المشاركون تداعيات الحروب المستمرة والإرهاب والهجرة غير النظامية وتصاعد كراهية الأجانب والإسلاموفوبيا، إضافة إلى التحديات التي نوقشت في النسخ السابقة.
إعلانكما لفت المنتدى الانتباه إلى تآكل الثقة بالنظام الدولي القائم، وهو ما يُضعف قدرة الدول على التنبؤ بالتفاعلات الدولية، ويخلق بيئة أكثر هشاشة وقلقا، مما يُبرز الحاجة إلى دبلوماسية أكثر ابتكارا وفاعلية تعيد ضبط العلاقات الدولية على أسس أكثر عدالة واستقرارا.
منتدى 2025حملت النسخة الرابعة من المنتدى شعار "استعادة الدبلوماسية في عالم مجزأ"، في محاولة لإعادة الزخم للدبلوماسية وسيلة سلمية لمعالجة النزاعات والصراعات المتفاقمة في وقت تبحث فيه العواصم عن مساحات مشتركة للحوار وسط عالم تزداد فيه الانقسامات والتحديات.
وعقد المنتدى على خلفية ملفات دولية ملتهبة، منها استمرار الحرب في أوكرانيا، وتجدد التوتر في الشرق الأوسط، خصوصا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واستمرار الإبادة الجماعية في القطاع، كما عقدت جلسة خاصة من أجل سوريا لتسليط الضوء على المرحلة الجديدة فيها عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وبحسب مصادر دبلوماسية تركية، شارك في نسخة هذا العام أكثر من 20 رئيس دولة ورئيس وزراء، من بينهم سوريا وجيبوتي وكوسوفو وغينيا بيساو وقرغيزستان والمجر والجبل الأسود ورواندا وصربيا وأوزبكستان وزامبيا.
كما شارك نحو 50 وزير خارجية، من بينهم وزراء خارجية مصر وقطر والسعودية وفلسطين والعراق والأردن، إضافة إلى مسؤولين من منظمات إقليمية ودولية، مثل الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي.
ومن أبرز المشاركين في نسخة هذا العام الرئيس السوري أحمد الشرع، في أول حضور سوري رسمي بعد قطع العلاقات الدبلوماسية التركية السورية زمن النظام السوري السابق.
وعلى هامش المنتدى، تُعقد اجتماعات دبلوماسية رفيعة المستوى، أبرزها اجتماع "مجموعة الاتصال من أجل غزة"، بمشاركة وزراء خارجية من دول عربية وإسلامية، إلى جانب ممثلين عن منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية.
إعلانكما تستضيف أنطاليا اجتماعين إضافيين: الأول لآلية التشاور الثلاثي بين تركيا والبوسنة والهرسك وكرواتيا، والثاني لآلية الأمن رفيعة المستوى بين تركيا والعراق.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات منتدى أنطالیا الدبلوماسی الخارجیة الترکیة الخارجیة الترکی الشرق الأوسط
إقرأ أيضاً:
المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.
ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.
وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفيةيرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.
ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.
وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.
الأثر الثقافي خارج منطق الأرقاملا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.
إعلانهذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.
المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكاريطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.
ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.
الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلميولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.
من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.
يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.
وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.
ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.
ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.
ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدودلا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.
إعلانولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:
الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.
التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.
التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.
دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعالياتتكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.
وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.
بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.