ما بين الدال والمدلول في حكم المعلول: شكوى الجلاد إلى لاهاي
تاريخ النشر: 13th, April 2025 GMT
ما الذي يعنيه أن تقول الدولة شيئًا، وتقصد غيره؟ أن تحمل المحاكم اسم العدالة، بينما تبرّر الظلم؟
ما الذي يبقى من المعنى عندما ينفصل الدال عن مدلوله، ويُختزل الوجود كله في قشرة رمزية فارغة؟
في السودان، لم تعد الكلمات تعني ما تقول، ولا المؤسسات تمثل وظائفها، بل صار الخطاب الرسمي كله محكومًا بـ”المعلول”، أي بما نتج عن علّة قديمة: علّة التسلط، واحتكار التمثيل، وإفراغ الدولة من مضمونها الاجتماعي.
فـ”الجيش”، كدالّ، لا يُشير إلى الحماية، بل إلى البطش؛ و”المحكمة”، كدالّ، لا تدل على العدالة، بل على توظيف القانون لخدمة القتل.
وهكذا، ما بين الدال الذي يُفترض أن يدل على هوية، والمدلول الذي يُفترض أن يُجسّدها، تنهار كل علامات الدولة، ويعلو صوت المعلول: الكيان المصاب، الذي ينتج نظامًا رمزيًا مختلًا، يعيد إنتاج ذاته بالقهر والتكرار.
لماذا يهرب الجيش السوداني من المحكمة الجنائية الدولية، ويرتمي في حضن محكمة العدل؟
أيّ معنى يُمكن أن يبقى للعدالة حين يتحوّل المجرم إلى مدّعٍ، والجثة إلى وثيقة، والدماء إلى صيغة دعوى؟
ما الذي يحدث حين ترفع الدولة سكينها بيد، وتُشهِر دفترها القانوني باليد الأخرى؟
تلك هي اللحظة التي يختلط فيها القانون بالجريمة، ويتقدّم القاتل نحو المنصة وهو يحمل اسم الضحية.
في قاعة مكيّفة في لاهاي، وقف ممثل حكومة السودان – أي جنرالاته – يتلو أمام محكمة العدل الدولية اتهامًا صاخبًا ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، بأنها دعمت مليشيا الدعم السريع التي ارتكبت، ولا تزال، فظائع لا توصف ضد المدنيين، خاصة في غرب دارفور.
بدا المشهد كما لو أن التاريخ قرر أن يعيد نفسه، لا كمهزلة فقط، بل كعار أخلاقي تُعاد كتابته تحت إملاء من لا يملكون حتى الحياء.
دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها:
لا الإمارات بريئة، ولا الدعم السريع خُلِق من فراغ، ولا الجيش السوداني يطلب عدالة، ولا الجبهة الإسلامية – التي تحكم من وراء الستار – تعنيها دماء دارفور أو غيرها.
فهذه الدعوى ليست بحثًا عن إنصاف الضحايا، بل إعادة ترتيب للمكاسب.
حين يتوجّه المجلس السيادي – الذي تهيمن عليه المؤسسة العسكرية المستلبة – إلى محكمة العدل الدولية، فهو لا يبحث عن محاكمة المجرمين، بل عن غرامة وتعويض؛ لا عن مساءلة، بل عن رافعة سياسية يمكن استعمالها في بازار العلاقات الدولية.
إنها شكوى تُرفع لا من أجل المساليت أو من قُتلوا غيرهم، بل من أجل موازنة دولة انهارت بفعل من يشتكي اليوم باسمها.
إذاً، لماذا اختار الجيش السوداني اللجوء إلى محكمة العدل الدولية بدلاً من المحكمة الجنائية الدولية؟
الإجابة تكمن في الطبيعة الانتقائية لهذا الجيش في تعامله مع العدالة.
فمحكمة العدل الدولية، كما أسلفنا، لا تحاكم الأفراد، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو إلزام الدولة المدعى عليها بدفع تعويضات مالية.
وهنا تتجلى براعة الجنرالات في استخدام القانون الدولي كأداة لتحقيق مصالحهم.
فهم لا يسعون إلى تحقيق العدالة بقدر ما يسعون إلى ملء خزائنهم الفارغة بأموال التعويضات.
فالدماء التي سالت في دارفور لا تعني لهم شيئًا، بقدر ما تعنيهم الأرقام التي ستُضاف إلى حساباتهم.
في المقابل، تقف المحكمة الجنائية الدولية كالشبح الذي يؤرق مضاجع الطغاة.
هذه المحكمة، التي تأسست بموجب نظام روما الأساسي، تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب.
لكن السودان، ذلك البلد الذي يحكمه جنرالات لا يرون في العدالة سوى مؤامرة غربية، لم يصادق على نظام روما.
في هذا السياق، تبدو شكوى الجيش ضد الإمارات كأنها قناعٌ سميك في حفلة تنكرية رديئة.
لا أحد من الأطراف بريء، وكلهم يتقنون التواطؤ.
الدعم السريع، الذي تُتهم به الإمارات، ليس سوى اليد الأخرى للمنظومة التي لا تزال تتحكم في الدولة.
ومن يشتكي اليوم، هو ذاته من كان يربّت على كتف القاتل بالأمس.
أما الضحية، فدائمًا خارج المسرح، يُذكر اسمه في البيان، ولا يملك ترف الدفاع.
لكن لا تكتمل الصورة دون النظر إلى السياق الجيوسياسي، الذي لا يمكن عزله عن لحظة الشكوى ذاتها.
فالعلاقة بين الإمارات والمؤسسة العسكرية في السودان لم تكن علاقة عابرة، بل كانت جزءًا من مشروع إقليمي أكبر تقوده أبوظبي، يسعى لعسكرة السياسة في المنطقة، وكسر أي مسار ديمقراطي يُهدد معادلة الاستبداد.
هذا المشروع، الذي دعم حفتر في ليبيا، والسيسي في مصر، وحميدتي في السودان، قام على فكرة واحدة: تحويل الجيوش من حماة للأوطان إلى حراس للأنظمة.
الإمارات لم تدعم الدعم السريع لأنه خطر، بل لأنه مفيد – حتى خرج عن النص.
لكن، بين الدال والمدلول في جمهورية المعلول، لا تُفهم هذه التحالفات كاستراتيجيات، بل كعلاقات مافيوية تتقاطع فيها المصالح:
ذهب دارفور مقابل طائرات مُسيّرة، صمت سياسي مقابل غطاء إعلامي، استثمارات موعودة مقابل اعتراف دبلوماسي.
لذلك، حين رفع البرهان شكواه ضد الإمارات، لم يكن يحتجّ على جريمة، بل على كسر شراكة غير مكتوبة، على خيانة بروتوكول غير معلن.
كانت لاهاي هذه المرّة مسرحًا لغضب التابع من سيّده، لا من أجل الضحايا.
من جهة التحليل السيميائي، فإن السلطة القائمة ليست سوى تمثيل لغوي مستهلك.
المؤسسة العسكرية، باعتبارها “الدال” الذي يُفترض أن يدل على السيادة والوطنية، لم تعد تشير إلا إلى خواء رمزي يتكرر.
فالدال هنا – الزي، الرتبة، الخطاب، المحكمة، شعار العدالة – لا يحيل إلى مدلول أخلاقي أو قانوني؛ بل إلى تكرار فجّ لسلطة بلا مشروع، بلا صدق، بلا جذور.
هو نوع من العمى السياسي المؤسسي، حيث الدال (الموقع، الاسم، الشكل الرسمي)، لا يُترجم إلى مدلول (مشروع، عدالة، تمثيل حقيقي)، بل إلى حضور فارغ يُستخدم ثم يُستبدل.
كأن السلطة تقول لنا: “هاكم من يشبه القانون في لفظه، لا في فعله.”
وهكذا تتحوّل المحكمة إلى مشهد، والضحية إلى أداة، والجلاد إلى متحدث رسمي باسم الدم.
وما المواطن في هذه اللعبة إلا ضحية مضاعفة.
يُقتَل ثم يُستثمر دمه، يُهجَّر ثم يُستخدم كعُملة تفاوض، يُستغل في الدعاية، ثم يُنسى بعد أن تُودَع الشكوى.
المواطن السوداني – خصوصًا في دارفور – ليس أكثر من جثة في أرشيف الدولة، تُستخرج عند الحاجة وتُطوى عند الفائض.
لا يُستشار حين تُرفع القضايا، ولا يُحضر في المحافل، ولا يُسأل عن رأيه في كيف تُستخدم دماؤه.
وهذه هي الكارثة الحقيقية: أن تتحوّل الضحية إلى أداة لتجميل صورة الجلاد.
هذا تمامًا ما حذّر منه المفكر مهدي عامل حين كتب عن “الدولة كجهاز طبقي يُعيد إنتاج القهر باسم القانون”.
وهنا في السودان، لا يُعاد إنتاج القهر فقط، بل يُجمَّل، ويُسَوَّق، ويُقاضى باسمه الآخرون.
هل كان يمكن أن تكون الشكوى فعلًا أخلاقية؟
نعم، لو رُفعت بالتوازي مع تسليم المطلوبين للجنائية الدولية، وفتح تحقيقات مستقلة داخل السودان، وتفكيك الأجهزة المتورطة في العنف، ومحاسبة قيادة الجيش نفسها.
لكن أن تُرفع في غياب ذلك، فهي ليست سوى فقرة في خطاب علاقات عامة، مُعدّة للتداول في قاعات الأمم المتحدة، لا في ضمائر الناس.
في هذه اللحظة السودانية الحرجة، لا بد من استدعاء ما كتبه فرانز فانون حين قال:
“عندما تُهزم الثورة، يصبح خطاب التحرير بضاعة في يد المستعمر الجديد.”
واليوم، حين تراجعت ثورة ديسمبر إلى حين، صار خطاب العدالة أداة في يد من ثار عليهم الناس.
المؤسسة العسكرية، بقيادة برهان ومن معه، لا تمثّل الدولة، بل تمثل طيفها المعطوب.
وحين تُقاضي دولة أخرى، فهي لا تفعل ذلك باسم الضحايا، بل باسم سلطة تبحث عن شرعية مفقودة.
العدالة لا تُستجدى من محكمة لا تجرؤ على تسمية القاتل.
العدالة لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل، من مساءلة الذات.
وما لم نبدأ بتفكيك المؤسسة العسكرية، ومحاكمة قادتها، وتجريم الجبهة الإسلامية التي صاغت هذه الدولة كنظام طاعة مطلقة، فإن كل شكوى، مهما ارتدى أصحابها عباءة القانون، ليست إلا ورقة جديدة في سردية الهيمنة.
هل تسمعينني يا لاهاي؟ إنهم يبيعوننا من جديد،
في جمهورية المعلول، بين الدال والمدلول، لا يبقى من الدولة سوى قناعها.
zoolsaay@yahoo.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: محکمة العدل الدولیة المؤسسة العسکریة الدعم السریع فی السودان الذی ی
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.