يمر الاقتصاد السوداني حالياً بأزمة حقيقية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية من جهة وتبعات الحرب من جهة أخرى، والتي أدت مجتمعة إلى اختلال كبير وغير مسبوق في مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل معدلات التضخم وأسعار الفائدة وسعر الصرف وميزان المدفوعات.

وفي مقدمة هذه المؤشرات يأتي انهيار حاد ومفاجئ في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي، حيث وصل سعر الدولار إلى حوالي 2500 جنيها محققاً أعلى مستوياته على الإطلاق مقارنة بالجنيه السوداني ، مما أدى إلى زيادة الطلب والإقبال على شراء الدولار كملاذ آمن في مواجهة تراجع الثقة في الاقتصاد المحلي وتدهور قيمة عملته.

وفيما يلي أبرز الآثار السلبية الناجمة عن ارتفاع سعر صرف الدولار وكيفية مواجهتها:

أولاً: ارتفاع التضخم

من أبرز تداعيات ارتفاع سعر الدولار هو ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير جداً، حيث تجاوزت نسبته 20%، وهي أعلى نسبة. ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج المستوردة من الخامات وقطع الغيار والآلات وتكلفه الحرب ، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات المحلية.

ومن أهم الحلول المقترحة لاحتواء التضخم:

– رفع أسعار الفائدة لتقليص السيولة النقدية والحد من الاستهلاك والاستثمارات غير الضرورية مما يساهم في تخفيض الطلب الكلي.

– دعم السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود لخفض أسعارها مباشرة على المستهلكين ذوي الدخل المحدود.

– مراجعة الرسوم الجمركية وضرائب المبيعات لتقليل تكلفة الواردات.

– تشجيع الاستثمارات الهادفة لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة.

ثانيًاً: تدهور القدرة الشرائية

ترتب على ارتفاع التضخم تآكل كبير في دخول ومدخرات الأفراد، مما أدى إلى تدهور حاد في مستويات المعيشة وزيادة معدلات الفقر. وقد تضررت الطبقة متوسطة الدخل بشكل خاص كون مداخيلها ثابتة وغير قادرة على مواكبة الزيادة في تكاليف المعيشة.

ومن الحلول الممكنة:

– رفع الحد الأدنى للأجور ورواتب العاملين في الحكومة والقطاع العام للحفاظ على القدرة الشرائية.

– دعم برامج الضمان الاجتماعي والمعونات لأشد الفئات فقرًا.

– إتاحة تسهيلات ائتمانية للمشروعات المتناهية الصغر والصغيرة لدعم الطبقة متوسطة الدخل.

ثالثاً: نقص السلع والخدمات

شهدت الأسواق السودانيه نقصًا حادًا في العديد من السلع الأساسية نتيجة صعوبة استيرادها بسبب ضعف العملة المحلية مقابل الدولار. وتكلفة الحرب كما أدى ذلك إلى تعثر مشروعات تنموية وبنية تحتية كبرى بسبب توقف استيراد مستلزمات الإنشاءات وقطع الغيار من الخارج.

ويمكن مواجهة ذلك من خلال:

– وضع آليات لضمان استيراد السلع الأساسية بأسعار مدعومة أو ميسرة لفترات الشح وارتفاع الأسعار العالمية.

– التوسع في الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي ودعم المنتجين لسد الفجوة مع الواردات.

– مراجعة أولويات المشروعات القومية للتركيز على ذات الجدوى الاقتصادية العالية في المرحلة الراهنة.

رابعًا: هروب رؤوس الأموال وتدفقات الاستثمار الأجنبي

شهد الاقتصاد السوداني خروج تدفقات هائلة من رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية خارج البلاد بفعل ضعف ثقة المستثمرين في استقرار الاقتصاد ونتيجة حتميه للحرب ، مما أدى لنضوب مصادر تمويل المشروعات وتعطل خطط التنمية.

ويمكن معالجة ذلك من خلال:

– سن قوانين جديدة لتحفيز الاستثمار وضمانات لتحويل الأرباح ورؤوس الأموال للخارج.

– تقديم حوافز ضريبية وجمركية لجذب استثمارات في الصناعات التصديرية والبديلة عن الواردات.

– إصدار سندات دولارية ذات عوائد عالية لاستقطاب المدخرات المحلية بالدولار بدلاً من الاحتفاظ بها خارج البلاد.

خامسًا: مخاطر أزمة المديونية

ارتفعت تكلفة خدمة الدين الخارجي المقوم بالدولار بشكل كبير مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، مما يهدد بأزمة ديون حقيقية.

ومن الحلول الممكنة:

– إعادة جدولة الديون مع الدائنين الأجانب لتأجيل أقساطها لحين استقرار الاقتصاد.

– الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للحصول على قروض ميسرة لسد العجز المالي دون اللجوء للاقتراض الخارجي.

– تنويع مصادر التمويل الخارجي وزيادة الاقتراض بالعملات الأخرى غير الدولار.

سادسًاً: برنامج الإصلاح الاقتصادي

أطلقت الحكومة برنامج إصلاح اقتصادي طموح بالتعاون مع صندوق النقد الدولي يستهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل، غير أن آثاره الإيجابية مازالت غائبة على أرض الواقع حتى الآن.

ولنجاح هذا البرنامج ينبغي:

الالتزام التام بتنفيذ جميع بنود ومعايير الأداء المتفق عليها مع صندوق النقد دون مماطلة.

– اتخاذ قرارات جريئة بخفض الدعم ورفع الضرائب وتقليص فاتورة الأجور في موازنة الدولة.

– مكافحة الفساد المالي والإداري بحزم لترشيد الإنفاق العام وزيادة الإيرادات.

– تهيئة المناخ لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية في الاقتصاد الحقيقي.

خلاصةً:

تواجه السودان أزمة اقتصادية خانقة فرضتها المتغيرات الإقليمية والعالمية بالإضافة إلى العيوب الهيكلية في اقتصاده المحلي وظروف الحرب . وقد تفاقمت هذه الأزمة بشكل حاد مع انهيار قيمة العملة المحلية أمام الدولار، مما أدى لارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم وتدني مستويات المعيشة وتعثر النشاط الاقتصادي.

وتتطلب مواجهة هذه التحديات تضافر الجهود على المستويين الحكومي والشعبي، بالإضافة إلى دعم المجتمع الدولي. كما ينبغي تبني سياسات اقتصادية تصحيحية جريئة تستهدف استعادة الاستقرار الكلي والتوازنات الداخلية والخارجية للاقتصاد، وذلك من خلال برنامج إصلاحي شامل بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية.

وفي الوقت ذاته، لا بد من وضع سياسات وبرامج حماية اجتماعية فعالة للحد من تداعيات هذه الإصلاحات على الطبقات الأكثر فقراً وهشاشة، حتى لا تتحمل الفئات الأضعف أعباء تصحيح مسار الاقتصاد بمفردها.

وليد دليل – خبير مصرفي

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: مع صندوق النقد مما أدى

إقرأ أيضاً:

رهان حكومي على استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية

في خطوة تؤكد الإصرار الرسمي على قرار استئناف تصدير النفط، ترأس رئيس الحكومة شائع الزنداني، الثلاثاء، بالعاصمة عدن، اجتماعًا للجنة العليا لتسويق النفط الخام.

ووفق الإعلام الرسمي، فقد كُرّس الاجتماع لمناقشة الإجراءات التنفيذية للعمل على استئناف تصدير النفط، تنفيذًا للقرار الذي اتخذه مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه الأخير.

واستعرضت اللجنة، بمشاركة محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، الخطوات الفنية والإدارية واللوجستية اللازمة لاستئناف عمليات التصدير، وآليات التنسيق بين مختلف الجهات المختصة، بما يضمن التنفيذ الفاعل والسريع للإجراءات.

رئيس الوزراء أكد بأن الحكومة تتحرك وفق رؤية واضحة لتحويل توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى إجراءات تنفيذية، لضمان استئناف تصدير النفط بكل الوسائل الممكنة، باعتباره استحقاقًا وطنيًا وسياديًا لا يحتمل التأجيل، وحقًا أصيلًا للشعب اليمني في الاستفادة من ثرواته.

وشدد الزنداني على أن عائدات النفط ستوجه لخدمة المواطنين في جميع أنحاء اليمن، وفي مقدمة ذلك الإيفاء بالالتزامات الأساسية للحكومة، وصرف المرتبات، وتحسين الخدمات، ودعم الاستقرار الاقتصادي.

ووجه رئيس الوزراء اللجنة العليا لتسويق النفط والجهات المختصة بسرعة استكمال الإجراءات التنفيذية والفنية، ورفع التقارير الدورية حول مستوى الإنجاز، والعمل بروح الفريق الواحد لتجاوز التحديات، بما يضمن استئناف عمليات التصدير وفق أعلى معايير الكفاءة وحماية المصالح الوطنية.

وشددت مناقشات اللجنة على أن استئناف تصدير النفط يمثل أولوية وطنية وحكومية في هذه المرحلة، باعتباره المدخل الرئيس لتعزيز الموارد العامة، واستعادة التعافي الاقتصادي، وتمكين الدولة من القيام بواجباتها تجاه المواطنين.

مؤكدين الحرص على المواءمة بين التصدير وتلبية احتياجات السوق المحلية ومحطات الكهرباء من المشتقات النفطية، وفق خطط ورؤية واضحة.

وتراهن الحكومة على النجاح في خطوة استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها منذ توقف التصدير جراء هجمات مليشيا الحوثي على موانئ التصدير في أكتوبر من عام 2022م.

وتجلت هذه الأزمة في البيانات التي أوردها التقرير الحديث الصادر عن البنك المركزي اليمني بالعاصمة عدن، حول العام المالي 2025م، وكشف عن تسجيل الموازنة العامة للحكومة عجزًا بنحو 50%.

>> عجز بنحو 50% في موازنة الحكومة للعام الماضي 2025م

وبحسب التقرير، فقد سجلت الإيرادات العامة خلال العام الماضي 1,435 مليار ريال، مقابل نفقات بـ2,773 مليار ريال، وبعجز نقدي قدره 48.2%.

ويعود العجز إلى تدني الإيرادات العامة مع تسجيل صفر إيرادات نفطية للعام الثالث على التوالي، جراء استمرار عملية تصدير النفط، والذي تؤكد الحكومة بأن عائداته كانت تمثل 70% من الإيرادات.

ومع غياب الأرقام الرسمية حول حجم الإنتاج والتصدير النفطي خلال سنوات التصدير السابقة، إلا أن تصريحات تلفزيونية حديثة لوزير النفط محمد بامقاء تقدم أرقامًا تقريبية لذلك.

حيث أشار الوزير في تصريحاته إلى إمكانية إنتاج حالية من حقول شبوة وحضرموت ومأرب تتراوح ما بين 51 ألفًا إلى 63 ألف برميل يوميًا، مع وجود كميات مخزنة في منشأة الضبة النفطية تُقدّر بنحو 1.7 مليون برميل جاهزة للتصدير.

وزير النفط أشار إلى إمكانية زيادة في كميات الإنتاج من الحقول النفطية بنحو 25 إلى 30% في حالة نجاح الحكومة في استئناف تصدير النفط، الذي أكد بأنه تسبب في مشاكل وتحديات فنية بالإنتاج.

ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا جراء التصعيد الأخير في المنطقة، تُراهن الحكومة على حل الأزمة المالية التي تعاني منها باستئناف عملية تصدير النفط، بتحصيل إيرادات أكبر مما كان عليه الوضع قبل وقف التصدير.

ففي حين كان متوسط سعر البرميل قبل وقف التصدير يبلغ 60 دولارًا، يتراوح المتوسط حاليًا عند سقف 80 دولارًا، وهو ما يعني إيرادات سنوية للحكومة من تصدير النفط قد تصل إلى نحو 1.7 مليار دولار، وفق أرقام الإنتاج التي قدمها وزير النفط.

مقالات مشابهة

  • روسيا: ننتظر مقترحات جديدة من واشنطن بشأن إنهاء الحرب
  • كأس العالم يحفز دورة الاستهلاك البريطانية.. ومؤشر الأعمال يقفز إلى 52.1 نقطة
  • برلمانية: توسيع قاعدة الشراكة الاقتصادية يدعم النمو ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري
  • ارتفاع الإسترليني أمام الدولار وتراجعه مقابل اليورو
  • ارتفاع الدولار بدعم من عوائد السندات ومخاوف التضخم العالمي
  • نواب البرلمان : توجيهات الرئيس بتعزيز المخزون الاستراتيجي تؤكد جاهزية مصر لمواجهة الأزمات
  • البنك الدولي: المغرب يسجل أفضل أداء اقتصادي في عشر سنوات
  • برلماني : تأمين المخزون الاستراتيجي يعكس جاهزية الدولة لمواجهة التحديات
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • رهان حكومي على استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية