ممر الهيدروجين العُماني الهولندي نقلة نوعية في الاقتصاد الأخضر العالمي
تاريخ النشر: 19th, April 2025 GMT
العُمانية: تمثل الاتفاقيات التي وقعتها سلطنة عُمان ممثلة في مجموعة أوكيو في إطار زيارة "دولة" التي قام بها حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه - إلى مملكة هولندا الصديقة نقطة محورية لترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز عالمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر وشريك استراتيجي في تعزيز أمن الطاقة العالمي.
وتفتح الاتفاقية -التي وقّعتها أوكيو بالتعاون مع شركة "هايدروم"، وميناء الدقم، إلى جانب عدد من الشركاء الأوروبيين البارزين- آفاقًا غير مسبوقة نحو إنشاء أول ممر تجاري في العالم مخصص للهيدروجين السائل؛ سيصل بين ميناء الدقم وميناءي أمستردام ودويسبورغ، ليشكّل محطة تحوّل محورية في مسار تدفق الهيدروجين الأخضر عالميًّا.
بوابات الرئيسية
وأوضح الدكتور فراس العبدواني مدير عام الطاقة المتجددة والهيدروجين بوزارة الطاقة والمعادن أن التعاون القائم بين سلطنة عُمان ومملكة هولندا بدأ منذ التوقيع على مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة والمعادن ونظيرتها الهولندية في كوب 27 بشرم الشيخ عام 2022، من خلال التركيز على عدة محاور أهمها النظر في إمكانية فتح ممرات نقل الهيدروجين بين البلدين على أن تكون مملكة هولندا من البوابات الرئيسية لتزويد غرب القارة الأوروبية بالطاقة المتجددة والتعاون والتكامل في المجالات التي يعول عليها في تطوير قطاع الطاقة والهيدروجين.
وقال في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: إن التوصل إلى مذكرة تفاهم لتأسيس ممر تجاري لنقل الهيدروجين من المنطقة التي ستنشأ بميناء الدقم إلى ميناء أمستردام جاء بعد الاتفاقية التي وقعت في كوب 28 والتي أسست لدراسة أولية للجدوى الاقتصادية والتقنية لممر هيدروجين أخضر، تبعتها دراسة من استشاري متخصص وتوجت بالاتفاقية التي شهدناها في مملكة هولندا والتي تضمنت عدة شركات خاصة في سلسلة التوريدات، ابتداءً من محطة تسييل الهيدروجين بالدقم إلى منشآت التخزين والتصدير بميناء الدقم إلى السفن المتخصصة لنقل الهيدروجين المسال إلى محطات إعادة التحويل إلى غاز في ميناء أمستردام إلى شبكة توزيع الهيدروجين إلى المستخدمين، مع الالتزام بدفع نطاق الدراسة إلى تفصيل أدق يفتح آفاق نقل الهيدروجين من سلطنة عُمان.
وأكد الدكتور فراس العبدواني أن جميع الأطراف المعنية -مع علمهم بالتحديات التي تواجه العالم في ملف تحول الطاقة والحياد الصفري وخاصة ملف الهيدروجين قليل الانبعاثات والأخضر- مؤمنون بأهمية الحياد الصفري ودفع عجلة الحلول بالتشارك والتعاون البنّاء.
خطوة استراتيجية
من جانبه أوضح المهندس عبدالعزيز بن سعيد الشيذاني، المدير العام لشركة هيدروجين عُمان (هايدروم)، أن الممر يُعدّ خطوة استراتيجية نحو ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمصدّر رئيسي للهيدروجين الأخضر على مستوى العالم، ويترجم فعليًّا الجهود المبذولة لتحويل موقع سلطنة عُمان الجغرافي إلى نقطة ربط رئيسية بين الشرق والغرب في سوق الطاقة النظيفة.
وقال في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: إن الأهمية الاقتصادية للممر تتمثل في فتح الباب أمام استثمارات ضخمة على طول سلسلة القيمة بدءًا من الإنتاج، ومرورًا بالبنية الأساسية، ووصولًا إلى الشحن والتوزيع، كما يسهم في تحفيز نمو الصناعات المرتبطة، وتوفير فرص عمل، وتعزيز القيمة المحلية المضافة. أما دوليًّا، فهو يمثل نموذجًا متكاملًا للتعاون عبر الحدود، ويعزز ثقة الأسواق الأوروبية في قدرة سلطنة عُمان على تقديم حلول طاقة آمنة ومستدامة.
وأكد أن التوصل إلى هذه الاتفاقية في هذا التوقيت يُعزز الثقة الدولية في المنظومة التي تقودها سلطنة عُمان بقيادة شركة "هايدروم" ويمنح الجولة الثالثة من المزايدات زخمًا إضافيًّا. كما يعكس مدى جدية سلطنة عُمان في تنفيذ المشاريع المعلنة، وقدرتها على تحويل الخطط إلى شراكات ملموسة ومشاريع قيد التنفيذ. مشيرًا إلى أن هذا التوقيت يرسل رسالة واضحة للأسواق بأن سلطنة عُمان لا تنتظر التغيرات العالمية، بل تسعى جاهدة مع شركائها لإيجاد واقع جديد قائم على الوضوح الاستثماري، والتكامل المؤسسي، والجاهزية الوطنية.
وقال: إن الممر يمثل أول تطبيق عملي لمبدأ "التكامل بين الإنتاج والتصدير" الذي تقوم عليه استراتيجية سلطنة عُمان للطاقة المتجددة. من خلاله، لا يتم فقط إنتاج الهيدروجين وإنما ربطه بسوق مستهدف وجاهز للاستلام، بما يحقق الاستفادة القصوى من موارد سلطنة عُمان الطبيعية والبشرية، فالممر ليس مجرد بنية أساسية للنقل، بل ركيزة اقتصادية واستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة العالمي ومكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي وعالمي للطاقة النظيفة.
وأوضح أن الممر يحقق وضوحًا في الطلب، وهو أحد العوامل الحاسمة لتسريع وتيرة الإنتاج، وعندما يكون لدى المنتجين مسار تصدير محدد ومشغلون ومستهلكون نهائيون، فإنهم يكونون أكثر استعدادًا لتسريع استثماراتهم ومراحل تطوير مشاريعهم. كما أن وجود شراكات دولية بهذا الحجم يسهل الوصول إلى التمويل، ويُعجّل بربط الإنتاج المحلي بالأسواق العالمية. مؤكدًا أن الممر هو محفّز مباشر لتسريع تنفيذ المشاريع وتحقيق أهداف سلطنة عُمان للإنتاج بحلول 2030.
وأشار المهندس عبدالعزيز بن سعيد الشيذاني، في هذا الصدد إلى أنه وفقًا للجدول الزمني المعتمد، من المتوقع أن تغادر أول شحنة للهيدروجين السائل المنتج في سلطنة عُمان إلى أوروبا بحلول عام 2029. ويجري حاليًّا العمل على استكمال الدراسات الهندسية، وتطوير المرافق المركزية في ميناء الدقم، والتنسيق مع الشركاء في أوروبا لضمان جاهزية البنية الأساسية على طول الممر.
وقال المدير العام لشركة هيدروجين عُمان (هايدروم): إن الموعد يعكس التزام كافة الأطراف بدفع المشروع قدمًا وتحقيق نقلة نوعية في ربط الإنتاج بالطلب الدولي عبر مسار تصديري متكامل هو الأول من نوعه على مستوى العالم.
وجاءت الاتفاقية مع شركة "رويال فوباك"، لتؤكد التزام أوكيو بتحويل منطقة الدقم إلى مركز صناعي وتخزيني عالمي المستوى وتُجسّد هذه التطورات الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به أوكيو في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمحور عالمي لربط موارد الطاقة بمراكز الطلب على الطاقة النظيفة في أوروبا وآسيا؛ ومع ما تشهده منطقة الدقم من تطورات متسارعة بقيادة أوكيو، تتحول هذه المنطقة إلى منظومة صناعية من الجيل القادم، ترتكز على الوقود النظيف، ونقل التكنولوجيا، والتعاون الدولي البنّاء.
جسور للفرص
وأوضح أشرف بن حمد المعمري، الرئيس التنفيذي لمجموعة أوكيو، أن هذا التعاون مع مملكة هولندا لا يقتصر على البعد الدبلوماسي، بل يشكّل أيضًا نقطة تحوّل نحو شراكة استراتيجية تُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني، وتسريع وتيرة التصنيع الأخضر، وبناء منظومة طاقة مرنة تلبي متطلبات المستقبل. فنحن لا نبني بنى أساسية فحسب، بل نُشيد جسورًا للفرص، تربط ما بين الجغرافيا والمهارات العُمانية وبين احتياجات أوروبا من الطاقة وطموحاتها البيئية.
وأكد في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن أوكيو تواصل حضورها العالمي عبر بناء شراكات دولية تعزز سلاسل الإمداد العالمية، وتسرّع من وتيرة نقل التكنولوجيا، وتُسهم في ابتكار حلول مشتركة تتماشى مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي و"رؤية عُمان 2040".
وأشار إلى أن الاتفاقية التي وقعتها أوكيو لشبكات الغاز مع شركة "غازوني" الهولندية، المتخصصة في البنية الأساسية ونقل الغاز الطبيعي جاءت لتعكس طموح أوكيو لشبكات الغاز في تعزيز مكانة سلطنة عُمان كمحرك رئيسي في مشهد التحول العالمي للطاقة، حيث تهدف الشراكة إلى تطوير البنية الأساسية للهيدروجين الأخضر، بالإضافة إلى تعزيز تبادل المعرفة في فرص احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه تماشيًا مع "رؤية عُمان 2040 " والتزام أوكيو لشبكات الغاز بمستقبل طاقة مستدام.
وقال: إن الاتفاقية تأتي استكمالًا لمذكرة التفاهم التي وُقعت على المستوى الحكومي بين سلطنة عُمان ومملكة هولندا في نوفمبر 2022 خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP27)، والتي هدفت إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة الخضراء، ودعم إنشاء وتطوير البنية الأساسية للهيدروجين الأخضر بين البلدين، بما يسهم في تحقيق أهدافهما المشتركة في التحول نحو الطاقة المستدامة.
وأضاف أشرف المعمري أن هذه الشراكة الاستراتيجية تهدف إلى استكشاف إنشاء سلسلة إمداد للهيدروجين تربط سلطنة عُمان بهولندا وشمال غرب أوروبا، مع التركيز على تقييم تطوير البنية الأساسية اللازمة للهيدروجين داخل سلطنة عُمان، كما تسعى المذكرة إلى وضع أسس قوية لتبادل الخبرات في تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، بما يدعم التزامات البلدين اتجاه تحقيق أهداف المناخ العالمية والتنمية المستدامة.
آفاق رحبة
فيما هدفت الاتفاقية التي جمعت بين شركة أوكيو لشبكات الغاز وشركة غازوني الهولندية إلى دراسة وتطوير بنية أساسية حيوية للهيدروجين داخل سلطنة عُمان، إلى جانب فتح آفاق رحبة لتبادل المعرفة في مجال تقنيات التقاط الكربون واستخدامه وتخزينه.
وقال المهندس منصور بن علي العبـدلي، الرئيس التنفيذي لأوكيو لشبكات الغاز: إن أوكيو لشبكات الغاز و"غازوني" ستقومان معًا بتقييم وتمكين وتنفيذ المتطلبات الرئيسية لتطوير هذه المبادرة الاستراتيجية. كما ستُعزز هذه الشراكة من دور سلطنة عُمان في التحول العالمي للطاقة، وتدعم الابتكار في مبادرات احتجاز الكربون وتخزينه واستخدامه، والتي تُعد ضرورية لتحقيق الأهداف المناخية الدولية وتعزيز الاستدامة على المدى الطويل.
وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن توقيع الاتفاقية يؤكد التزام أوكيو لشبكات الغاز بالتعاون الدولي لتسريع التحول في مجال الطاقة على مستوى العالم، ويُعزز رؤية سلطنة عُمان الاستراتيجية لتصبح من أبرز مُصدّري الهيدروجين الأخضر. وبصفتها الجهة المسؤولة عن تشغيل بنية الغاز الأساسية في سلطنة عُمان.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: أوکیو لشبکات الغاز البنیة الأساسیة الاتفاقیة التی مملکة هولندا میناء الدقم الدقم إلى
إقرأ أيضاً:
المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.
ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.
وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفيةيرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.
ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.
وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.
الأثر الثقافي خارج منطق الأرقاملا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.
إعلانهذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.
المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكاريطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.
ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.
الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلميولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.
من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.
يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.
وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.
ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.
ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.
ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدودلا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.
إعلانولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:
الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.
التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.
التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.
دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعالياتتكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.
وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.
بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.