استدعاء الألم في مجموعة كيف نضحك أمام القتلة؟ لسماء عيسى
تاريخ النشر: 5th, May 2025 GMT
يطل علينا الشاعر سماء عيسى بمجموعته الجديدة الصادرة عن دار نثر هذا العام وهي تحمل عنواناً مازجاً بين البحث عن الضحك وبين القتل في عتبة تحاول أن تحمل معها القارئ إلى عوالم البهجة والسرور والبحث عن عالم أفضل من العالم الواقعي الممتلئ خراباً ودماراً وتشريداً.
في العتبة الرئيسة للمجموعة يحيلنا الشاعر إلى سؤال منطقي في عالم جنائزي يضج فيه الدمار والخراب، وللوهلة الأولى تحس وأنت تحمل المجموعة الجديدة أنك أمام نصوص تدعو إلى الفرح والبهجة، وتقاوم القتل والموت والخراب بالابتسامة والضحك، لكن العتبة الثانية للمجموعة تُبدّد كثيراً هذا الإحساس وتجعلنا أمام هاجسين: الضحك أو القلق من المجهول، ولعل الإشارة المتمثلة في الصفحة التي تلي صفحة العنوان ما يشير إلى ذلك، وهي في قوله: "تحمّل القلب هذه العاصفة بين عامي 2022 - 2023".
تُقدّم المجموعة نصوصها في ثلاث وستين صفحة قسّمها الشاعر إلى ثلاث مقطوعات شعرية إضافة إلى افتتاحية وختامية، وتتنوع النصوص في دلالاتها الشعرية ومضامينها وانفتاحها على الواقع واستلهامها منه تجربتها الكتابية والدلالية. كما تعيش النصوص حالة من الهم الإنساني والجراحات المتكررة، والأحزان العميقة، ويظهر الانكسار الداخلي للأمكنة، وتبدو الذات مرتبطة بما يفيض عليها من القلق والحزن والرحيل.
يفتتح الشاعر مجموعته بـ(ورقة أولى) باحثاً عن دروب التيه التي تتشكل منها الاتجاهات المجهولة، مستخدماً أفعالاً مضارعة في عملية الكتابة وكأن الدلالات مقصودة هنا للتعبير عن دروب مجهولة تئن تحت وطأتها عمليتا التعبير والوصف:
كمن يبحث عن عمر للحجر
كمن يطرق الأرض بحثاً عن الحب
كمن يغرس في التربة
عطش صديقي الميت إلى اليقظة.
ليلاً
الزرقة تميل إلى الغياب
الطرق المهجورة كرماد الصحراء
الأيائل الغافية أيقظها مطر الفجر
أيقظ بومة الجبل
سحرة الليل
عيون الجندب البري.
الأمر ذاته الذي ذهب إليه الشاعر في نصه (ورقة أخيرة)، فالدروب المجهولة تفضي إلى النهايات التي يُعبّر عنها بغلق النوافذ والشيخوخة، والطلل المجهول:
الأشجار
مروق الأطلال
السماء
تحتضن الطيور
بعد أن أغرقت البحار الأرض
امرأة
تغلق النوافذ
الأبواب
شرفات القلب
تنتظر الشيخوخة
بطلل مهجور.
يظهر في النصين الحيرة في البحث عن المجهول والتمزق في دروب الحياة، ويحيل النص على وجع داخلي في رحلة الحياة ينتهي بأبواب مغلقة ونوافذ مسدودة، وهي صورة الحياة الممتدة في عين الإنسان.
اللافت للنظر في المجموعة أنّ نصوصها مسكونة بالألم والوجع والخسارات منذ أول نص معنون بـ(العائدون من الحرب) مروراً بـ(كل شيء مطفأ) و(طريق جبلي) أو (طرق جبلية) التي تتحول فيها الصورة إلى لغة قاتمة وحزينة، انتقالاً إلى نصوص (هذه مدن مظلمة وكئيبة) و(أحبتني ورحلت) و(أعيش ذكراها) و(كل شيء ينذر بالغياب). هذه النصوص بالتحديد في الجزء الأول من المجموعة تستدعي الألم بكل مفرداته، لا تستطيع التخلي عنه وتكون مشحونة بالقيد والرحيل والدموع حتى تصير لقطة جنائزية محملة بقتامة الوصف الحاصل. تتحدث الصورة في نص (العائدون من الحرب) قائلة:
لا أعرف ماذا يحمل العائدون من الحرب
على ظهورهم الكثير من المتاع
ربما كثير من الجراح أيضًا.
أحدهم تذكر أباه الميت
عندما وصل القرية
لكنه لم يجد الدموع
التي تجعله قادرًا على النسيان.
إن ارتباط الصورة أعلاه بالحرب يضع المشهد الذي نقرؤه في ارتباط مع الألم والحزن الذي يحاول الشاعر أن يعبّر عمّا خلَّفته الحروب من ذاكرة مهزوزة، فالعائدون من الحرب:
لا يتحدثون
هكذا علّمتهم الحرب
أن يكونوا صامتين أبداً
العائدون من الحرب
انتظرتهم الأمهات والآباء
حتى وهم يزحفون في التربة
حتى وهم رؤوس دون أجساد
أجساد دون رؤوس.
ويستحضر نص (طريق جبلي) صورة قاتمة للمكان الذي يحاول الشاعر من خلاله استدعاء صورة مؤلمة مرتبطة بالمكان ومعبّرة عن الرحيل والألم والهجر واللوعة والفراق:
الطريق الذي يصل بنا إلى القلاع الجبلية
منها تهبط النساء
حاملات التمر والعسل والجراد
يعود الأطفال السحرة
بحثا عن المطر الذي يقود إلى نهاية الكون.
يرحل حصان الفارس الميت
عن البيت الذي يختبئ به الألم والهجر
عن نوافذ المطر المبللة باللوعة والفراق.
يعود المهاجر إلى وطنه غريباً
يشعل ناراً في ساقية الجفاف
ينتظر الرياح والمطر والغناء السحري
ينتظر بكاء الأمهات الذي افتقده في الرحيل.
تُعبّرُ نصوص المجموعة في هذا الجزء عن الألم وتحاول بناء الصور الشعرية من خلاله، أما النصوص في الجزء الثاني من المجموعة فهي لا تكاد تختلف عن الجزء الأول إلا في المراوحة بين استدعاء الألم واستدعاء الحنين والذاكرة. وعديدة هي النصوص التي تتشكل فيها الصورة من بوابة الألم مقابل الحنين والذاكرة، ولعلي أقف هنا على نص واحد عنوانه (سيناريو) الذي انبنت صورته الفنية من دلالات الحزن وتراكيب الفراق والوحدة.
ويقوم النص على متضادات القتل والضحك، والبكاء والموسيقى، والموت والوحدة. إنها دلالات مكثفة في نص قصير يصل إلى ستة عشر سطراً شعرياً تعبّر فيها هذه الدلالات عن تقاطعات الخراب والألم والحروب وتأثيرها على النفس وما يتولد منها من رصد لدلالات فنية تصف الواقع وتنتهي به إلى الوحدة والموت والحزن، نقرأ في النص:
حين يقترب منا القتلة
كيف نكون قادرين على الضحك
كيف يكون الأطفال قادرين على البكاء
امرأة تتعرى
خلف المرأة سيارة عسكرية
موسيقى المارش العسكرية تبدأ في الزحف
مع عساكر أضناهم الجوع إلى الجنس
أخيراً دلفنا معاً إلى حديقة في الربيع
لكنني مثلما أسقي الشجر الماء أسقيك قلبي
أنا امرأة وحيدة هجرها الزمن
لا أحد معي في الكون
غير كلب وقطة
الرجال صامتون ممتلئون بالحزن
بعضهم يمتلئ بالبلادة
لكنني خرجت أبكي إلى النهر
وأموت وحيدة.
وفي الجزء الثالث من المجموعة تحيلنا النصوص على عالم الطفولة؛ لكنها طفولة محمّلة بأحاسيس الألم أيضاً، فالطفولة مرتبطة بعالم القتل والموت والحزن، وهنا نجد نصوصاً مثل: (خوف مرير من الطفولة، وريح تحمل أحاديث طفولتنا، ونبض القلب... قلب الحب، وطفلة تشبه طفلتها الميتة) تربط بين عالم الطفولة وعالم الحزن والفقد. يصوّر نص (خوف مرير من الطفولة) مدى خوف المحتل من الطفولة التي يعمل المحتل على استهدافها كل حين، يقول:
دعوا الأطفال في الكهوف
اغلقوا الأبواب والنوافذ
اغرسوا أشجاراً في البحر
قرب النبع الجبلي
يكمن خوف مرير من الطفولة لدى نتنياهو
لأنهم قريبون من الله ومن محبته.
وفي نص (طفلة تشبه طفلتها الميتة) تتداخل صورة طفلتين في تشكيل النص الشعري ومعها عودة إلى الماضي لحظة الوصف، في محاولة إلى استدعاء الألم المرتسم على ذاكرة الأم التي فقدت طفلتها:
صراخ الطفولة القادم من أزمنة بعيدة
أمي التي تبكي كلما لمحت
طفلة تشبه طفلتها الميتة
معها يندثر الألم
مع المطر يأتي صوت الصغيرة الغائبة
الصبية التي لن تعود
ولن يعود معها مطر الحقول.
ومع كل تلك الدلالات المعبّرة عن الحزن في المجموعة، فإن الشاعر اختار طريقة الضحك في وجه القتلة تعبيراً منه عن مواجهة الألم/ القتل بالضحك وليس بالحزن فما كان إلا أن حدّد أسلوب عتبته على هيئة سؤال: كيف نضحك أمام القتلة؟
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: العائدون من من الطفولة
إقرأ أيضاً:
تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان
المقدمة العامة – الإطار والمنهجية
لا يمكن لتقييم سياسة تربوية أن يختزل في مجرّد تعداد مكوّناتها، بل يتطلّب مقاربة صارمة تستند إلى مرجعية قادرة على تجاوز الوصف إلى إصدار حكم تحليلي حول فعالية الإجراءات المتخذة وأثرها.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يستعين هذا التقرير بـ « الإطار المتكامل لتقييم الجودة التربوية »، الذي وضعته مؤسسة أماكن لجودة التعليم. وهو إطار يستلهم أفضل الممارسات الدولية – لاسيما تلك المعتمدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – مع تكييف دقيق مع خصوصيات المنظومة التربوية المغربية، ليوفر بذلك شبكة قراءة صارمة، جامعة في مرجعيتها، محلية في سياقها.
يتشكّل هذا الإطار من أربعة معايير كبرى تضبط مسار تقييمنا. الأوّل، « الملاءمة والمواءمة »، يختبر قدرة السياسة العمومية على الاستجابة لحاجات المواطنين الفعلية والانضباط إلى الأهداف الاستراتيجية الوطنية. والثاني، « الفعالية والنجاعة »، يقيس مدى بلوغ النتائج المرجوة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المسخّرة. أمّا الثالث، « جودة المسارات والتنفيذ »، فيفحص الحكامة والتنسيق وتمكين الفاعلين. ويأتي الرابع، « الاستدامة وقابلية التعميم »، ليقيّم قدرة السياسة على إحداث آثار دائمة والامتداد إلى مجالات ترابية أخرى.
تتفرّع بنية الإطار إلى أربعة أبعاد استراتيجية كبرى: الرؤية والتخطيط؛ والإنتاج البيداغوجي والتنظيمي؛ والتتبّع والتقييم وضمان الجودة؛ والتكيّف الاستراتيجي والتحوّل. وتنقسم هذه الأبعاد إلى ستة عشر مجالاً، تضم كلٌّ منها معاييرَ ومبادئَ توجيهيةً ومؤشراتٍ محدَّدة، تشكّل مجتمعةً الهيكل المعياري لعملية التدقيق.
تعتمد منهجية إجراء هذا التدقيق على أربع مراحل متعاقبة. تقوم الأولى على االتحكم في لإطار المرجعي، بتفكيك كل مؤشر لتحديد الأدلة المنتظرة، ثم رسم خريطة للسياسة العمومية لاستجلاء آليات اشتغالها. أمّا المرحلة الثانية فهي جمع الأدلة، باستخدام تقنيات التثليث الصارم: تحليل وثائقي معمّق للنصوص التشريعية والأدلة والتقارير؛ ومقابلات شبه موجّهة مع المصمّمين والفاعلين الميدانيين؛ وملاحظات مباشرة للمشاريع قيد التنفيذ. وتخضع المرحلة الثالثة الأدلة المجمّعة لحكم المطابقة، بمقارنتها بمقتضيات الإطار وفق سلم واضح وعملي: مطابق، مطابق جزئياً، غير مطابق، أو غير قابل للتطبيق. وأخيراً، تخلّص المرحلة الرابعة، وهي صياغة التقرير، هذه الوقائع في تحليل مفصّل، مزوّد بجداول قيادية، وتُفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ، محددة الأولويات، وموجّهة بدقة.
يغطي التقييم العقد الممتد بين 2015 و2025، وهي فترة محورية شهدت تزويد المنظومة التربوية المغربية بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي تمثل ترجمتها القانونية في القانون الإطار 51.17. وطموحنا، من خلال هذا المسعى المنهجي الشفاف، هو تجاوز مجرّد الرصد إلى توفير بوصلة موثوقة لصنّاع القرار، تمكنهم من تحديد فجوات المطابقة، واستثمار نقاط القوة، وتصحيح المسارات. والرهان كبير: إنه ليس سوى الإسهام في بناء مدرسة أكثر إنصافاً، وأكثر فعالية، وماضية قدماً نحو المستقبل بكل ثبات.
المعيار الأول: الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم
تمرّ المدرسة المغربية اليوم بمرحلة دقيقة، بل حرجة. فقلّما شهد نظامٌ تربويٌّ هذا الكمَّ من الإصلاحات، أو نظّم هذا العددَ من الندوات، أو حشدَ هذا الفيضَ من الخبراء لإعادة هندسته. غير أن المفارقة التي تجرح في الصميم هي أن الهوّة بين طموح النصوص وإيقاع الواقع لم تكن بهذا الاتساع من قبل. إن تقييم المعيار الأوّل من سياستنا التربوية ــ معيار « الرؤية الاستراتيجية التشاركية وإدماج القيم » ــ يلقي الضوء على معضلة جوهرية: كيف نوفّق بين الكمال الشكلي لوثائقنا وفوضى الميدان المركّبة؟ والإجابة، مهما بدت قاسية، تفضي إلى حصيلة رمادية تتطلب شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الإصلاح.
إغراء النجاح الشكلي
من باب الإنصاف أن نعترف بالجهد المبذول. فقد زوّد المغرب نفسه، خلال العقد الأخير، بهندسة استراتيجية استثنائية. فلم تكن رؤية 2015-2030 نتاج غرفة مغلقة، بل خرجت إلى الوجود عقب مسلسل استشاري غير مسبوق: أكثر من أربعة وستين ألف مشارك، وندوات عمّت جهات المملكة الاثنتي عشرة، واستماع رسمي إلى ستٍ وعشرين هيئة نقابية وجمعوية. على الصعيد الإجرائي، كان الجهد باهراً، وأثبت المغرب من خلاله أنه قادر على كسر جدران الإدارة المنغلقة نحو فضاء تشاركي أرحب.
وهذا الانفتاح ينعكس بوضوح في النصوص القانونية. فالقانون الإطار 51.17، الذي يُعدّ الذراع التنفيذية للرؤية، ليس مجرد تصريح نوايا عابر. لقد تكررت فيه مفردات « الإنصاف » و »المواطنة » و »العدالة الاجتماعية » أكثر من أربعين مرّة. بل إن المادة الثالثة تنص صراحة على أن المنظومة التربوية مؤسّسة على قيم الهوية المغربية والمواطنة الديمقراطية. أما الكتب المدرسية، لاسيما في التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، فقد أعيد بناؤها لتحتضن مفاهيم التسامح والعيش المشترك. وبدورها، جعلت خارطة الطريق 2022-2026 من « الكفايات العرضية » ركيزةً أساسية، واضعة استقلالية المتعلم وشعوره بالانتماء في صميم أهدافها.
على الورق، إذن، تبدو المنظومة عصية على النقد. بل إن المغرب زوّدها بآليات تتبع مذهلة، من نظام « مسار » المعلوماتي، إلى تقارير المجلس الأعلى للتربية، مروراً بـ »المؤشر الوطني لتنمية التعليم » الذي يضم مئةً وسبعةً وخمسين مؤشراً مركباً لقيادة مسار الإصلاح. لقد غيّرنا البرمجيات النظرية، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أننا لم نُحدث بعدُ برمجيات الفاعلين في الميدان.
سراب المشاركة الحقيقية
غير أن المطبّ الأول، وهو من أكثرها خطراً، يكمن في طبيعة هذه « الاستشارة » ذاتها. ذلك أن الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى القانون الإطار عمل كمنخل سياسي. فإذا كانت المبادئ الكبرى للإنصاف محلّ إجماع، فإن الملفات الشائكة ــ من لغات التدريس إلى مجانية التعليم العالي، مروراً بوضعية هيئة التدريس ــ أبرزت صدوعاً عميقة بين القمة والقاعدة. لقد أُصغِي إلى مساهمات الفاعلين المحليين، لكنها لم تلقَ، في مواضع كثيرة، الأثر المنشود. وينقصنا بشدة ذلك « السجل التتبعي للمساهمات » الذي يوضح مصير كل اقتراح، ويُبقي النقاش شفافاً.
وغياب هذه الشفافية يترك آثاراً ملموسة. فالاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ولا سيما الإضرابات الواسعة في عامي 2023 و2024 حول « النظام الأساسي الموحّد » للأساتذة، ليست مجرد بوادر عابرة، بل هي مقياس حرارة لتوتر متراكم. فقرابة 45% من المدرّسين، بحسب استقصاءات الهيئة الوطنية للتقييم، يرون أن المناخ المدرسي لم يعد صالحاً لنقل القيم. لقد استوفينا الشكل الاستشاري، لكن الشعور بـ »الملكية المشتركة » للإصلاح ظلّ سراباً. استشرنا، لكننا لم نبني معاً، والفارق شاسع، وثمنه باهظ على صعيد السلم الاجتماعي.
فجوة الممارسة والإدراك
لكن الجرح الأعمق يكمن في طبقة الإدراك والممارسة. فالمؤشر الثالث من تقييمنا، والمتعلق برضا الفاعلين، لا يحتمل الجدل. فبينما تعلن النصوص الإدماج والمساواة، يعيش الفاعلون واقعاً متعدّد السرعات. الأرقام هنا تحكي القصة. فبحسب نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب لسنة 2022، يصرح ربع التلاميذ المغاربة (25%) بأنهم يشعرون بأنهم « غرباء » أو منبوذون في مدارسهم، مقابل متوسط 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إن هذا الشعور بالانفصال هو بمثابة ناقوس خطر.
ويقترن ذلك بهجرة صامتة لكنها جارفة نحو القطاع الخاص، الذي يستقطب الآن أكثر من 17% من المتمدرسين، مع نسب تتجاوز 70% في المدن الكبرى. هذه ليست مجرد خيارات بيداغوجية، بل هي تصويتٌ بالرفض من طرف الأسر، التي لم تعد تثق في قدرة المدرسة العمومية على النهوض بوظيفتها الاجتماعية. أما فيما يخص التربية الدامجة للأطفال ذوي الإعاقة، ورغم جمالية خططها، فإن الواقع يبقى قاسياً: النقص الفادح في المرافقين والمعدّات المعمارية يحول دون تجسيد الإدماج على أرض الواقع.
هناك إذن هُوّة سحيقة بين خطاب « السلطة » وممارسة « الميدان ». فخطاب القيم، في كثير من الأحيان، يُقرأ من طرف المدرسين كعبء إضافي لا تصحبه وسائل مرافقة. نقيس المعرفة النظرية بالقيم، لكننا نغفل الممارسة المدنية الفعلية؛ نغرق الكتب المدرسية بالمفاهيم المجردة، لكننا لا نقيس الأثر السلوكي على المتعلمين.
قيادة بعوائق مؤسسية
كيف نفسّر هذا الانفصال المزمن؟ هنا يأتي دور المؤشر الرابع، المتعلق بالتتبّع والمساءلة. يمتلك المغرب أدوات قيادة من الطراز الأول، لكن استخدامها معطّل بعوائق مؤسسية. تقارير الهيئة الوطنية للتقييم، التي من المفترض أن ترشد القرار في الزمن الفعلي، غالباً ما تُنشر بتأخر سنتين، مما يجردها من قيمتها التصحيحية. والأخطر من ذلك، أنه منذ 2023، أصبح حياد التقييم موضع تشكيك من الفاعل الحكومي، إذ أُسندت مهمة تقييم « المدارس الرائدة » إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز حكومي، عوض الهيئة المستقلة. فكيف يمكن القيادة بثقة حين يكون المراقب في قارب الملاح نفسه؟
النتائج تتحدث بوضوح. هدف تعميم التعليم الأولي بنسبة 100% بحلول 2028 يبدو بعيد المنال، إذ لم تتجاوز النسبة 70,4% في 2024. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، ارتفع بأكثر من 56 ألف تلميذ بين 2021 و2024. وفي مجال إتقان المهارات الأساسية، فإن التشخيص مذهل: أقل من 40% من التلاميذ يبلغون العتبة المطلوبة في القراءة، بينما كانت الخارطة تطمح إلى 82% بحلول 2026. نتقدم بثبات على مستوى المدخلات ــ البنايات، التوظيفات، الميزانيات ــ لكننا نفشل فشلاً ذريعاً في بلوغ الأثر الحقيقي على جودة التعلّمات.
الخروج من تضخم النصوص
في نهاية هذا التحليل، لا مفر من حكم قاس ولكن صادق: المعيار الأوّل هو، في مجمله، مُحقَّقٌ جزئياً. قوة المغرب تكمن في قدرته على الصياغة والتوثيق والإعلان، أما نقطة ضعفه الكبرى فتكمن في تعثره أمام تحويل الأقوال إلى أفعال، وتجسيد القيم في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية.
إننا نعاني من « تضخم نصي » مفرط. ظننا أن التصريح بالعدالة الاجتماعية يكفي لجعلها واقعاً ملموساً. ونسينا أن الثقة لا تنتصب بالمراسيم، بل تُربح بالاستمرارية في الفعل، وبالإنصات الصادق، وبالتقييم النزيه. إن مدرسة تتبنى المواطنة وتعامل أساتذتها بارتياب، وتعلن الإنصاف وتتسامح مع نظام ثنائي السرعات، هي مدرسة تحكم على نفسها بالريبة من طرف مستعمليها.
إن علاج هذا الجرح لا يتطلب تقريراً جديداً أو فصلاً إضافياً في القانون، بل يستوجب انتفاضة سياسية شجاعة: إعادة الاعتبار لحياد التقييم، ومنح الفاعلين الميدانيين وسائلهم الحقيقية، وقبل كل شيء، الإقرار بأن القيم لا تدرّس في الكتب وحدها، بل تُعاش في ساحات المدارس، وفي العلاقة التربوية، وفي اتساق الخطاب مع السلوك.
إن إصلاح مدرستنا ليس مهمةً للخبراء وحدهم، ولا يمكن اختزاله في مسائل معيارية جافة. إنه مرهون بمستقبل عقدنا الاجتماعي. فإذا كنا نريد للمدرسة المغربية أن تستعيد مكانتها بوتقة للإنصاف والنهوض، فعلينا أن نتعلم الإنصات مجدداً، وأن نقيم بنزاهة، وأن نصحح مسارنا استناداً إلى حقائق الميدان لا إلى أوهام المكاتب. الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح.